aren

” العلمانية ” والهوية الوطنية \\ بقلم : ماجد حبو
الخميس - 1 - نوفمبر - 2018

سورية والعلمانية

مقدمة عن الوجع والموت السوري . سورية كقاسم مشترك . الأم سورية لكل أبناءها . البحث عن المشتركات بين السوريين ( الهوية الوطنية )

تعريف العلمانية :

كثيرة هي التعريفات . العلمانية بوصفها فصل الدين عن الدولة ، لدينا طرفان في المعادلة : الدين كمعطى سابق , ولزوم وجود الدولة . من المهم التمييز بين الدين والايمان . الايمان نشاط انساني ، يتميز بالفردية وغير متلازم مع الطقوس والمؤسساتية , وهو نشاط داخلي حر ، ومتنوع .

الدين ، مرتبط بسقفه الأعلى بالعقيدة , وهو على العكس من الأيمان ، يأتي من الخارج نحو الداخل الأنساني . الأديان متنوعه ومتعدده , وتجمع على إبتكار قوة علوية ، وخارجة عن إرادة البشر .

الدولة : بوصفها الفضاء الاعتباري بين الفرد والعام , وهي ليست المجموع العام للأفراد أو الناتج النهائي لمكون بشري بعينه .

الدولة : هي أشبه بأتحاد غاز الأوكسجين والهدروجين في إنتاج الماء المسال ، فالفرد وبإرادته الحره الواعية وعبر أشكال وتعدده يقرر شكل وأداء الدولة : إنتخابات , تمرد , عصيان , مظاهرات , إحتجاج ….

الدولة تجسد حضورها عبر سطوة القانون /التشريع / متجاوزه الحيز الفردي نحو العام – المجموع – والمؤسسات القضائية هي المختصة في الفصل بين العام والخاص .

الدولة بالمفهوم الحديث ( أداه قهر للحرية الفردية ….) بأعتبارها قوه خارج إرادة الأفراد عبر مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية .

ضرورة التمييز بين الدولة والسلطة أو النظام السياسي .

الدين : يتمظهر في النشاط الأنساني في تنظيم السلوك الفردي – العام وفق قواعد وشرائع ومحددات نصيه تأخذ الشكل المقدس , وينظم العلاقة بين الفرد والله ( القوة المطلقة الخارجية ) ، ويطال علاقة الأفراد ، فيما بينهم ، وفق محددات أخلاقية ملزمه وقسرية ، تصل الى حدود الحرم والتكفير .

الدين ليس علاقة تفاعلية – كما الدولة – بل هو آحادي الاتجاه , من المطلق ( الله ) نحو المجرد ( الأنسان ) باستثناء بعض حالات الأنبياء والرسل ، إنه وبحسب وجهه النظر القائلة : بأن الدين صناعة بشرية !!!

فالسؤال المحير ، هو: كيف تصل الفكرة الدينية الى هذه الدرجة من الاستقلالية والثبات في مواجهه العقل الأنساني ؟

إنه التوق الأنساني الفردي ، والجمعي نحو الاكتمال ، المطلق ، والخلود ، كنزوع إنساني في مقابل آنية ، وزوال الشرط البشري .

تنوعت الصناعة الدينية بحسب الزمان والمكان ، والشروط البشرية في تأكيد الله المطلق ، وفق وجهات نظر متعددة , لكنها اجمعت على إمتلاك الحقيقة المطلقة ، لكل فريق : فاليهود ، هم شعب الله المختار , والمسيحيون هم أبناء الله , والأسلام خير آمه أخرجت للناس , وإن الدين عند الله هو الأسلام !!!.

ومع المحاولات الانسانية المحدودة في ( الاجتهاد ) بتفسير النص الديني , التأويل , الشرح ، والاجتهاد ، أفضت كل المحاولات الى المزيد من الفرق ، والمذاهب ضمن النص الديني الواحد .

بالرغم من كل ماسبق ، يعتقد بعض الفقهاء وأصحاب الشآن في الحقل الديني ، بعدم التناقض بين النص الديني ، وفكرة الدولة الحديثة ( العلمانية ) ، وهو ما سنتطرق إليه عند الحديث عن الهوية الوطنية السورية وفق الشرائع والفقه المسيحي أو الأسلامي ، لمجتمعنا السوري .

الدولة ، وخصوصا المدنية الحديثة ( العلمانية ) ، فهي تعتمد آليه مبسطة في تنظيم العلاقة بين الأفراد والشأن العام : الفصل بين الشأن الفردي ، والشأن العام .

تنظم الشأن العام وفق قوانين وضوابط قانونية وضعية , مع الاحترام الكامل والحق في ممارسة طقوس الشأن الفردي الخاص .

كالدين و المعتقدات وكل الحقوق الفردية , مع الاشارة الى تدخلها في الشأن الفردي ، عندما يتحول الى ظاهرة عامة : الأجهاض , الموت الرحيم , الزواج !!!

وهنا يصح القول عن علمانية الدولة ، بانها ( حيادية أو جزئية ) , مقابل العلمانية الشاملة ، أو العدائية ، والتي تتجاوز الحيز العام الى الشخصي والفردي لصالحها , وبالتالي (يحتكر الدين أو الحق الشخصي) من قبل الدولة ، بدعوى تنظيمه مع كل الحريات الشخصية الفردية ( تجربة الأنظمة الشمولية ) ، حيث لاوجود للحقيقة خارج ارادة الدولة .

الهوية الوطنية السورية … العقد الاجتماعي

يخرج الحديث عن الهوية الوطنية لوطن ما عن سياقه السياسي الآني ( سلطة , دولة , بنية سياسية , دينية , قومية …) الى فضاء أوسع ، يؤسس للذاكرة الجمعية الأولى : اساطير , رموز , طقوس جمعية.. وصولا الى العقد الاجتماعي المؤسس الأولي للعقد السياسي , الاقتصادي , الثقافي … ، وصولا الى فكرة الوطن الجامع الشامل للعيش المشترك لجموع أبناءه ، ضمن أطر زمنية متعاقبة ، ومتغيرة.

يمكن الذهاب بعيدا في التاريخ الانساني عند الحديث عن الذاكرة الجمعية الأولى للسوريين ، والتي اسست لاحقا ، العقد الاجتماعي – الثقافي للهوية السورية ، بغض النظر عن الحدود الجغرافية ، أو التسميات للوطن السوري : العالم القديم , وطن السريان , بلاد الشام , سورية الطبيعية , ولاية الشام , الجمهورية السورية , الجمهمورية العربية السورية ….

تلك – هذه الهوية السورية يمكن القول بجرآه بأنها مازالت صالحة للحياة والأستمرار بالرغم من كل ماحصل من آضرار أو عدم إكتمال لعناصرها الولية الأساسية : كاللغة , الدين , القومية , شكل النظام السياسي.. لتجنب الغوص بعيدا في التاريخ الأنساني للوطن السوري ، يمكن القفز الى الذاكرة والزمن الحديث .

تشكلت الجغرافيا السورية اليوم مع ( معاهدة سايكس – بيكو ) ، بقياس مصطنع ، ومزيف لايتسع للهوية السورية بعموم عناصرها .

قدمت إجابات عديدة – مباشرة وملحة – لواقع سياسي بعينه في مطلع القرن التاسع عشر ، لبعث وإحياء الهوية السورية ببعدها الوطني ، عقب الاحتلال العثماني المديد – 400 عام – وحضور الاستعمار الفرنسي بصيغه الانتداب , ووفق السوريون الأوائل في تقديم عناصر أولية جامعة شاملة للهوية السورية : الدين لله , والوطن للجميع , وهو ما أسس البنية الأولية للثورة السورية الكبرى ، التي أفضت الى الأستقلال الوطني الأول .

في فترة الخمسينيات من القرن الماضي ، والتي أتسمت بالمناخ الايجابي والحر نسبيا ، تقدمت معطيات إضافية لإغناء عناصر الهوية السورية وإستكمالها : ب(البعد القومي , الديني , الاقتصادي ) ، وصولا الى البعد الوطني .

شكل الكيان الصهيوني في الخاصرة السورية ، جرحا نازفا ، ومعيقا للتنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية , ترافق مع مرحلة الانقلابات العسكرية ، التي طغت على المشهد العام ، كمحاولات فاشلة وميتة ، للخروج من الأزمات الوطنية , القومية ، بل وحتى الدينية , للوصول الى الدولة الحديثة..

وها نحن ، في مواجهه بنية غير ناجزة للدولة السورية منذ الاستقلال , وأمام إستحقاق إجباري وإضطراري ، لإستكمال إنجاز الهوية الوطنية السورية .

سنحاول التركيز بشكل اساسي على عنصرين مؤثرين في الهوية الوطنية السورية : (القومية ) و(الدين) ودورهما في بنية وعمل الدولة السورية ، بغض النظر عن نموذجها السياسي ( قومية , دينية , إشتراكية , ليبرالية , ديمقراطية ، أو حتى علمانية …)

بالعودة الى المتن الأساسي للنص ( العلمانية ) ، كنموذج لتنظيم حياة الأفراد الخاصة والعامة ، وفصلها عن الدين كمرجع متناقض مع المشيئة البشرية , فالفكرة القومية تأخذ أيضا لدى مناصريها ومحازبيها شكل المسلمة الدينية وصولا الى حالة التقديس .

وهنا تأخذ العلمانية بعدها الشامل : بمعنى ليس فصل الدين عن الدولة فقط , بل تنظيم حياة البشر بغض النظر عن مرجعيات تشكل الخطوط الحمراء للتوق الأنساني, وفي ذلك تلتقي العلمانية مع فكرة المواطنة كمرجعية إنسانية ( المواطن الفرد الحر والواعي ) في مواجهه التطرف ، أو المطلق ، أو المقدس ، وحتى الاستبداد .

الحضور القومي والديني عالي المستوى عند عموم السوريين ، بالرغم من التنوع والتعدد القومي والاثني والديني لديهم , بل هو إستجابه لذلك التنوع .

على المستوى القومي تعبير عن الهوية والتميز , وفي الحقل الديني ، فائض من النزوع نحو المطلق        (الاكتمال الالهي ) .

قوميا : تتميز الحالة السورية ، بشبيه قومي – ديني ( الهند الصغرى ) في إشارة الى التنوع القومي والديني في الهند – البلد العلماني جدا , مع القدرة العالية للهوية الثقافية والأجتماعية على التفاعل الإيجابي لكل من سكن الجغرافيا السورية ، بغض النظر عن إنتماءهم القومي والديني : الأرمن , الشيشان , الشركس , الأسماعيليين , الجزائريين ….

وهو ما أصطلح على تسميته بالجغرافيا الوطنية , حيث نجد المستوى العالي من الاندماج ، والتفاعل الإيجابي بدرجات تفوق اصحاب نظرية النقاء العرقي، وهنا تصح ايضا مقوله (الدين لله , والوطن للجميع).

دينيا : طرحت المسيحية المشرقية ، مفهوما ماديا لجوهر وفكرة المسيحية من خلال الثنائية ، التي عبرت عنها النسطورية ، ومن تلاها في الفصل بين الانسان والالوهة ( الله هو الله , والمسيح هو المسيح ) , لكن من الثابت ، بأن جوهر العقيدة المسيحية ، هو في الأتحاد بشخص المسيح ، كممر أو معبر إلزامي للوصول الى الله ، بإضافة الروح القدس ، كاداء معرفي وواعي ومدرك.

فالحقيقة الوحيدة في المسيحية ، هي (المسيح) ذاته , وما عدا ذلك ، فهو إستكمال لذات جوهر المسيحية ، دون التعارض معه .

يمكن القول بجرأه : إن فكرة الكنيسة ومالحقها من ( الكهنوت ) ، هي إضافات غير جوهرية الى الأساس ، بقدر ما أساءت إليه في ظروف تاريخية بعينها ( الحروب الصليبية , سطوة الكنيسة , الانحرافات الدينية عن جوهر المسيحية ..).

هنا لايجد المسيحي وفق جوهر العقيدة السالف ، أية غضاضة روحية في تعاطيه مع الشأن العام وفق قراءة علمية , مادية وعلمانية لاتهدد تلك العقيدة باعتبار ( مالله هو لله , وما لقيصر لقيصر ) .

في العقيدة الأسلامية ، نجد بعض القراءات المبكرة بالنجاة من ( لوثه الكهنوت ) والفصل الواضح بين البشر والله ، حتى على مستوى النبي محمد ذاته , والاعتماد على الفصل الحاد والبيّن ، مابين الحدود الألهية – الوصايا العشر – والحدود البشرية ، التي تنظم حياة الأفراد وفق الزمان ، والمكان .

هكذا إستطاعت المخيله الثقافية (اللاشعور الجمعي) للسوريين في تجاوز الاختلاف ، أو التناقض مع فكرة ( المطلق – الله) في واقع حياتهم المادية والمعاشة (لا تشتم إلها لاتعبده , كل واحد على دينه الله يعينه ) , واستطاعت الخوض في الشأن الدنيوي ، دون الحرج المتعارض مع المقدس أو الألهي ( أنتم أدرى بأحوال زمانكم ) ، باستثناء ما يتعارض مع ( الحدود الالهيه – الوصايا العشر ) ، والتي تعتبر لحين الساعة ، المرجع الأخلاقي للبشرية في الحد من التوحش البشري .

هذه العناصر الأولية للاشعور الجمعي أو المخيلة الجمعية للهوية الثقافية السورية ، والكثير الكثير غيرها من الطقوس والرموز ، التي ما تزال تعيش بيننا ( الأمثال , الحكم , النواهي والموجبات ) ، تضعنا في مواجهه مباشرة مع متطلبات آنية وملحه ، للدخول في الحداثة ، والولوج الى روح العصر ، بما يحمل من قيم ، ولزوميات .

فإلى أيه مسيحية ننتمي ؟ وأي إسلام نريد ؟ وأي حامل قومي يمثلنا ؟ وأيه حداثة نطمح ؟ ما هي علمانيتنا ؟ إشتراكيتنا ؟ ليبراليتنا ؟ .. ، والكثير مما نحتاجه اليوم ، ويتوافق مع هويتنا الوطنية السورية ببعدها الثقافي .

إنه ، وباستكمال ضرورة بناء الدولة – العادلة الشاملة لكل أبناءها – والحاضنة لجميعهم ، بوصفهم مواطنيين وفي ذلك تفريق عن الدولة الديمقراطية عن الاستبدادية .

المواطنة الكاملة ، والتي ينطوي تحتها جميع الحقوق والواجبات الفردية والعامة وفق عقد سياسي – إجتماعي (الدستور) ، وفي مناخ حر وواعي ومدرك ، هي البوصلة التي نحتاجها اليوم في تلاطم الظروف والتهديدات والمخاطر التي يعيشها الوطن ، والمواطن السوري .

لاوجود لمواطن دون الدولة , ولا دولة دون مواطنة كاملة .

وجهة نظر :

إنه من المفيد الاشارة للتطور التاريخي ، الذي مرت به فكرة العلمانية : فهي تقدمت بداية كحاجة لكسر احتكار تحالف الكنيسة مع الاقطاع , وتطورت باعتبارها غطاء إيديولوجي لإستعمار الشعوب , وصولا الى ضرورتها اليوم كمرادف لليبرالية – الحرية الاقتصادية .

وأجدني شخصيا – مع الاعتذار عن حقي بالبوح بذلك – أملك الجرآه بالقول الصريح : إن أيه علمانية كانت , قومية , إشتراكية , ديمقراطية …. وتحت أيه تعريفات ، أو أهداف لاتراعي هويتي الثقافية (العقل الجمعي اللاشعوري الموروث ) ، لن تنال القدرة على الحياة ، وستظل حاجه طارئة ، لطرف طارئ .

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها