aren

العلمانية التطبيقية ليست ايديولوجيا … \\ بقلم : د. اليان مسعد
الخميس - 7 - يونيو - 2018

لوحة للفنان التشكيلي السوري ” بطرس المعري”

العلمانية ، هي ليست في موقع مناقض أو مناهض للأديان ، بل قد تكون الوسيلة الأنجع ، لانقاذ الأديان من الشوارع السياسية . انها مجرد طريقة لادارة الدولة ، و هي لأنها غير مؤدلجة ، تتمتع بالمرونة الكافية لتتلائم مع جميع الثقافات والشعوب والبلدان ، التي تستطيع الاتفاق على علمانية تطبيقية ، تتناسب وبيئتها الفكرية.

نحن كيف نفكر بها ، وكيف مارستها الدول الوطنية ، وكيف ( أبلست) ، وما علاقتها بالدين ، الايمان ، والالحاد ، وكذلك دور الانظمة بتفريغها من محتواها ، كلها خواطر حول علمانية المؤتمر الوطني من أجل سوريا ، وعلاقتها بالدين.

علمانية المؤتمر الوطني من أجل سوريا ، طبعا تنطلق من التعريف الرصين التالي :

” العلمانية ليست دينا وليست رأيا وليست شعارا أيديولوجيا ، هي منهج تفكير ديمومي متطور وغير متأطر ولا يمكن تحديده لكونه غير منجز و غير نهائي .

هو متلازم مع حركة القوى التاريخية التقدمية ، التي تسانده ، ينتكس بانتكاستها ، ويمضي قدما للأمام في نهوضها ، وكلما استدعى الظرف القاهر ضرورة الخروج منه ، طور المنهج أدواته ، وابتكر الحلول .

ومنذ نشأت العلمانية كخيار إنساني وجودي عقلاني في مواجهة الخيار الغيبي اللاإنساني ، حتى اليوم ، وهي طوع العقل العاقل ونتاجه وحاجته،للبقاء ضمن حيز العقلانية.شأنها في ذلك شأن خيارات الإنسان الحداثية والتقدمية الأخرى”.

وكل دولة حديثة ، هي دولة علمانية بالضرورة . لأن الدولة شخصية اعتبارية . لا دين لها . الدين للفرد ، وليس للدولة .

هناك ثلاثة أنماط شائعة من العلمانية العربية ، نماذج طبقت ومورست ، وننتقدها . كانت فعلا تتحكم بالمسارات السياسية العربية ، لكننا في المؤتمر الوطني من أجل سوريا ، لنا نموذج رابع ، هو ” العلمانية الاجتماعية التطبيقية”.

ثلاثة أنماط شائعة من العلمانية العربية ، هي :

  • العلمانية العسكرية – التي تبرر سيطرة العسكر على الدولة والمجتمع ، ويمثلها النظام باليمن الجنوبي.
  • العلمانية الطائفية – التي تتكشف عن قاعٍ طائفيّ في مقاربة الأمور، وعن موقف متعالٍ ومتعجرفٍ إزاء الدين الإسلامي بشكل خاص ، واستهتار بالمسيحيين والاقليات بشكل عام ، وهم العلمانيون الاصوليون.
  • العلمانية الأيديولوجية – التي تنادي بـفصل الدين عن الدولة ، ولا مانع لديها من سيطرة أيديولوجية ما على الدولة ، كالأيديولوجية الشيوعية أوالبعثية او الناصرية ، أوغيرها ، و غالبا ما تعيد خلط الدولة بالدين ، حسب المصلحة.

اما النموذج الرابع ، فهو الذي نتبناه ، ” العلمانية الاجتماعية التطبيقية ” ، والتي تعني رفض هيمنة أيّ فكر أو دين أو مذهب أو أيديولوجيّة أو حزب أو فردٍ على الدولة وأجهزتها ومدارسها ونقاباتها ، والمجتمع المدني ، والفكر والتفكير والفن ، مع حيادية الدولة الحديثة التامة تجاه ما سبق.

ان تنظيماتنا السياسية ، تناضل لازاحة دكتاتورية المجتمع ، حيال التفكير ، وتنادي بدولة الحداثة العلمانية ، مع اعادة النظر بالتعليم ، وخلل التوازن فيه ، بين الفهم والتذكر ، بين الابداع ومجرد التفوق المدرسي .

ولن يتم ما سبق ، دون اعتماد العلمانية التطبيقية هذه ، كمعيار لانتقاء المخططين للنظام ولرجال الدولة . مع خلق قاعدة اجتماعية لحماية كل ذلك ، بواسطة عدالة توزيع الثروة ونشاط اقتصادي في خدمة هذا الهدف ، والحد من الفساد ، الذي سيكشف عنه الغطاء ، هامش الحريات هذه .

والتجسيد الحقيقي لذلك ، يكون في الاعتراف بمسائل مهمة  :

1- حيادية الدولة

2- المواطنة

3- المساواة

4- حقوق الانسان

5- المنهج العلمي بالتفكير

6- دور الدين في الحياة

كما ، ونؤمن بقدرة الدين على لعب دور ايجابي ومشارك في تحقيق النهضة والتقدم بالمجتمع ، وحب الإنسان لاخيه ، وتعزيز قيم المواطنة والتآخي، وعلى أهمية تجديد الخطاب الديني واصلاحه بما يعكس قيم العمل والتكافل والتسامح ، وبما يؤدي إلى تحقيق العدل والمساواة ، ويضع الأساس الصلب لمجتمع يحترم الإنسان الفرد ، ويقدس حريته ، التي لا تتجاوز حريات الآخرين ، وعلى أساس القانون ، الذي يفصل بين حدود حريات الأفراد.

اننا نعتقد ، أنَّ العلمانية من منظورنا – نحن – العلمانيين السوريين ، وفي العالم العربي ، كانت دائمًا علمانية اجتماعية ، وليست علمانية إيديولوجية أو سياسية او عسكرية ، عكس فرنسا، وتركيا ، والاتحاد السوفيتي – على سبيل المثال-

فهناك علمانية ضمنية ، جعلت القوى الإسلامية من مناؤتها قضية محورية ، ورمزية بالغة الأهمية بسياق الحرب الباردة،    و جعلت من العلمانية مكسرا للعصا ، أي إنَّ الإسلام السياسي ، أسَّس مواقعه على جملة من الأسس ، أهمُّها : الصراع ضدَّ ما سمَّاه بالعلمانية.

وفي رأيي ، هي قضية مفتعلة ، لغايات شريرة . ولا ننسى أنَّ هذا الهجوم على العلمانية ، ابتدأ في الستينيات من مجموعة من المثقفين ، ومن المؤسسات الثقافية ، التي رعتها السعودية في بداية المطاف ، فيما يمكن أن نسميه الشّقّ الثقافي للحرب الباردة في منطقتنا ، يعني الحرب ضدَّ الأنظمة التي يمكن أن نسميها عربية اشتراكية ، أو تقدمية بمعنى من المعاني ، والتي كانت متحالفة مع الإتحاد السوفييتي ، أو قريبة منه ، أوعلى الأقل ، ليست في الطرف الآخر كالناصريين والبعث بسوريا ، والعراق والاشتراكيون في اليمن ، وجبهة التحرير بالجزائر ، وحتى ليبيا القذافي.

وقد رعت السعودية هذا الهجوم ، ثمَّ جاء دور الأردن ، الذي كان أحد أهمِّ المواقع ، التي لجأ اليها الإخوان المسلمون ، فابتدأت قضية معاداة العلمانية ، التي لم تكن – والحق يقال – على الاجندات السياسية لانظمة الاستقلال ، التي كانت ضمن علمانية اجتماعية وتطبيقية ، غير واعية ، لكن معاشة .

وفي ذلك الظرف بالذات ، فطن السعوديون والاردن الى العلمانية ومعاداتها ، كضرورة ، وكانت فعلاً ، أداة فعالة وفاعلة من أدوات الحرب الباردة ضدنا كعلمانيين ، وضد دول وطنية ، لم تكن علمانية ، لكن كانت معادية لحلفاء السعودية والاردن.

ويبقى الاخطر ، بعد ان علمنا كيف أبلست الرجعية العربية والناتو ، العلمانية ، واستفادت من ذلك اسرائيل ، ان نجيب عن العلمانية نفسها ، هل هي مؤمنة ام ملحدة ؟ وما علاقتها بالدين ، ودور الانظمة العربية بعد الانظمة الرجعية والناتو بهذا الاستعصاء التاريخي؟ وهل العلمانية في سوريا مؤمنة ام ملحدة ، وما علاقتها بالدين ؟؟ .

في كون الطائفية مشكلة. حين نقول ذلك ، نعني أمرين :

أ- مشكلة سياسية ، بمعنى أن يقوم النظام السياسي باستغلال الطوائف لأغراض سياسية . رأينا هذا الاستغلال عندنا وعند غيرنا ، أو أن يتم بناء النظام السياسي بأكمله على أسس طائفية ، كما هو الحال في العراق ولبنان . بهذا المعنى، يقوم النظام السياسي بنزع صفة المواطنة عن المواطنين وتحويلهم إلى أبناء طوائف ، إلى طائفيين.

الحل يكون بتأكيد المواطنة . النظام السياسي غير معني بالطائفة التي يتنمي إليها المواطن. لا يجب أن تتحول الطوائف إلى كيانات سياسية ، كما الحال في لبنان والعراق ، أو أن تستخدم في السياسة، كما هو حاصل في سوريا .

هذا الحل يختلف عن استخدام الطائفية ، بمعنى أنه لا ينظر للطوائف ككيانات سياسية. البعض يعتقد أن الطوائف معطى ثابت، وأنها سياسية في الجوهر. أي أننا حين نعترف بالمشكلة الطائفية ، فيجب أن نقبل بوجود الطوائف ككيانات سياسية. أما نحن، فحين نقول أن الطائفية مشكلة سياسية ، فنحن ندعو إلى تجاوزها عن طريق المواطنة ، وليس إلى القبول بها .

في المقابل، يرى البعض أن مجرّد الاعتراف بالمشكلة الطائفية ، هو الوقوع في فخّها . هذه هي مقولة معظم العلمانيين الاصوليين السوريين.

يتبع ذلك ، القول بالمواطنة مع الترفّع عن الخوض بالمشكلة الطائفية . بل أكثر من ذلك ، يتم النظر إلى الطوائف بحد ذاتها كمشكلة ، وليس إلى الاستخدام السياسي للطوائف.

يرى البعض ، أن مشكلة الأصولية (السنية ) تنبع من جوهر ثابت . هكذا يشترك أصحاب هذا الموقف مع الاخرين في النظر إلى الطوائف ككيانات سياسية ، ولسنا منهم . في حين يرى آخرون القبول بها ، ويعتقد أهل العلمانية أن العمل على “علمنة السنة ” هو الحل ، وهم بذلك يتماهون مع دعاية التخويف من الأصولية السنية.

ب- هنا يكمن الوجه الآخر للمشكلة ، وهو معالجة المشكلة الطائفية ، يجب أن تنطلق من النظر إليها كمشكلة سياسية ، وليس كمشكلة إيمان ديني ، اذ لا يوجد معطى ثابت في المشكلة الطائفية ، يؤكد أن الطوائف هي كيانات سياسية.

من هنا ، نختلف معهم في النظر إلى المواطنة ، فليس المطلوب علمنة السنة ، أو الطوائف ككل، للوصول إلى المواطنة ، بل لابد من الاعتراف بالمشكلة الطائفية ، ومعالجتها كمشكلة سياسية.

الاختلاف مع العلمانيين الاصوليين السوريين ، ينطلق من اختلاف أساسي في فهم الطائفية والعلمانية . الإيمان الديني يجب أن يكون خارجا نطاق السياسة ، وهذا التخارج يكون على مستويين :

المستوى الاول ، أن لا تعامل الدولة ، الأفراد أو الجماعات الدينية ، ككيانات سياسية تعكس إيمانهم الديني.

المستوى الثاني ، ليست مهمة الدولة ، أن تفرض على المواطنين أي قيود فيما يتعلّق بإيمانهم الديني.

والمستوى الثاني ، هو المستوى الذي نختلف فيه مع العلمانيين الاصوليين السوريين ، المقصود أننا حين نقول بالمواطنة ، نريد أن نكفل للمواطنين حقهم الكامل في ممارسة شعائرهم الدينية . فليس هناك أي تبرير للتخوّف من الطوائف ، طالما لم تتحوّل إلى كيانات سياسية.

سوريا من الناحية الدينية ، تتكوّن من طوائف وأديان مختلفة. الاعتراف بالطوائف والأديان المختلفة ، لا يعني القبول بالطوائف ككيانات سياسية ، والعلمانية بهذا المعنى – الذي ندعو إليه هنا – تتخذ شكلاً ليبرالياً اجتماعيا .

الشكل الآخر من العلمانية ، هو الذي يضعها في مواجهة مع الدين . علمانية الاتحاد السوفييتي (نموذجاً) . في حين أن العلمانية بشكلها الليبرالي حيادية ، فيما يتعلق بالدين . والليبرالية المُشار إليها هنا ليست اقتصادية ، بل سياسية وفلسفية. بالمعنى السياسي ، تكفل الليبرالية للمواطنين حرية الاعتقاد الديني ، بمعزل عن السياسة ، فلا يوجد أكثرية وأقلية.

الدين شخصي في الليبرالية ، في ممارسة الشعائر الدينية واختيار احواله الشخصية ، أو في كون المرء لاأدرياً أو لا دينياً أو ملحداً ، شخصي بالكامل بالمعنى الفلسفي ، فالسؤال حول الدين ، الذي يتبعه الفرد ، هو سؤال مفتوح للجميع ، والإجابة التي يختارها الفرد ، ليست نهائية له أو مُلزمة لبقية الأفراد.

ليست مهمة الدولة ، أن تتبنّى موقفا فلسفيا . مهمة الدولة أن تكفل للأطراف المختلفة حق النقاش والاختلاف والبحث. لا يجوز أن تتبنّى الدولة رؤية دينية أو لا- دينية. الحياد، بمعنى تشجيع الأطراف المختلفة على التفكير والنقاش ، هو الموقف الليبرالي الفلسفي من الدين . أما ما نراه كعلمانيين ، سواء كنا مؤمنين أم لم نكن، فهذا جزء من عملية الحوار ذاتها ، حيث ننظر للمشكلة الطائفية من زاوية سياسية، ونعالجها من زاوية سياسية.

المشكلة ، تكمن في تحويل الطوائف إلى كيانات سياسية . والحل هو بالاعتراف بالطوائف وبحرية العبادة والنشاط المدني والاجتماعي والثقافي والخيري ، مع التأكيد على حيادية الدولة فيما يتعلّق بالإيمان الديني.

بالطبع، للمشكلة الطائفية في سوريا جذور متنوّعة ، تاريخية واقتصادية واجتماعية. لم نتطرّق في هذا المقال لأي منها. هذه محاولة أولى لطرح مشكلة الطائفية كمشكلة سياسية ، لا كمشكلة دينية. ليس للطوائف مُعطى سياسي جوهري ، ونزع الصفة السـياسية عن الطوائف ، يكون بتعميم مفهـــوم المواطنة والحرية الدينية ، ومحاولة بناء سوريا جديدة خالية من الاستبداد. الحرية الدينية ، يجب أن تكون حجر أساس، ومعالجة المشكلة الطائفية ، هي إحدى الأولويات في مواجهة الانظمة العربية المستبدة ، التي تستخدم الطائفية ، كدعامة رئيسية في تثبيت حكمها.

عندما سيستوعب السوريين معنى الديمقراطية الحقيقي، وان لا ديمقراطية دون علمانية ، سيتوصلون لدستور جديد وجيد ، وبالواقع تتجاهل تيارات الإسلام السياسي المختلفة ، حقيقة إنها تحمل علة فشلها وقصورها بداخلها ، فهي عاجزة عن تأسيس وتقديم مشروعها الخاص لحقوق الانسان وللحرية بالمفهوم الحداثي، وحتى مفهوم الديمقراطية ، لا ترى هذه التيارات فيه ، سوى بعده الأداتي ، أي بوصفه جسرا لاستلام السلطة ، وليس غاية في حد ذاته ، لحرية البشر وسعادتهم.

تيارات الإسلام السياسي ، تتهم الكل بالتأمر عليها ، لكن ليس لديها الجرأة الكافية لمراجعة تهويماتها وأوهامها الأيديولوجية والماورائية ، طبعا اتكلم واشمل فيما اقصد (دواعش) و(فاسدي) الداخل أيضا.

المنسق العام لمؤتمر القوى الوطنية الديموقراطية والعلمانية

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها