aren

العقوبات الاقتصادية – الذكية … سورية (نموذجاً ) بقلم : ماجد حبو
السبت - 29 - يوليو - 2017

ليس من تاريخ بعينه يحدد ( من ، وأين ، ومتى ) تم العمل بفكرة ” العقوبات الاقتصادية ” في النزاعات الدولية .

في تاريخ الحروب القديمة بين الممالك والامارات ، كانت الجيوش تقوم بالحصار العسكري للقلاع والمدن المحصنة , وفي ظل استعصاء ” الفتح ” ، يتم اللجوء الى الحصار الاقتصادي ” الطعام والشراب ” ، كوسيلة ناجعة لإضعاف الخصم  ، واليوم يتم إستخدام ذات الطريقة بمستويات متعدده لذات الغرض ، أو أقل منها ، عن بعد جغرافي وبدون حلول عسكرية موازية –  سابقة أم لاحقة –

ولما كان الاقتصاد ، أحد أهم أسباب النزاعات السياسية بين الأفراد والجماعات والدول ، جاءت الحاجة الى الاستخدام المبكر لهذه الأسلحة غير المباشرة ، واليوم في ظل ” العولمة ” بأبعادها الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، تم التركيز على البند الأخير ” كوسيلة فعالة ومجدية ” في أشكال النزاعات الدولية ، قبل وصولها الى الحد الأقصى ” العسكرة والحروب ” .

إن الفكرة التي سادت لزمن طويل : الاعتماد الكامل على الذات , وصولاً الى ضرب ” سور حديدي ” للحماية من ” الخارج ” ، واعتماد الكفاية الذاتية إقتصادياً  ، لم تعد مجدية ، في ظل كسر الحدود الوطنية للرأسمال العالمي ، المتعدد الجنسيات : سور الصين , المعسكر الاشتراكي …

إن البشرية تحيا اليوم في ظل ” قرية كونية ” مفتوحة الأطراف ( إعلامياً ، أقتصادياً ، وسياسياً..), والتأثير المتبادل عالي المستوى (بغض النظر ) عن الدول في قوتها ، أو حجمها الاجتماعي والسياسي أو الأقتصادي ، مثال ( قطر في مواجهه روسيا , كورية الشمالية في مواجهه أمريكا , الصومال في مواجهه فرنسا , الدولة الاسلامية في العراق والشام – داعش – ” المفترضة ” في مواجهه العالم ، ككل…).

إن الاستخدام الأقصى للعقوبات ” الضغوطات ” في النزاعات الدولية :

سياسياً : الاعتراف الدبلوماسي ، أو عدمه – سحب السفراء – ومن خلال المؤسسات الدولية والأممية .

إعلامياً : الضخ الاعلامي والايديولوجي المضاد.

إقتصادياً : تخفيض مستوى العلاقات التجارية ، وصولاً الى الحظر والمقاطعة الاقتصادية الشاملة …

هي جزء من أشكال ” الضغط ” تلك , وعموماً كل هذه الأشكال من الضغط ، تتم من الطرف الأقوى نحو الأضعف , لكن لكل قاعدة شواذها …! والنتائج في هذا السياق ، ليست مضمونة أو تلقائية , بل تحتاج الى ( إجماع شامل وخطط معده بشكل جيد وزمن كافي ) ، لتعطي النتائج شبه المرجوه ” قطر كمثال حديث الوقوع” .

وبالعودة الى العقوبات الاقتصادية ، والتي أضيف لها مفردة ” الذكية ” ، كتعويض واضح وصريح واعتراف متأخر عن ” غباءها ” ، أو عدم فاعليتها بشكل مطلق ، وشمولي ، ففي التاريخ الحديث للعقوبات الاقتصادية ، ظهر نموذج ” الحصار الذاتي ” ، كنوع من الحماية الذاتية والاستباقية لها (المعسكر الأشتراكي) , مقابل الحضور والتنفيذ الواقعي لها : ( كوبا , كورية الشمالية , العراق , ايران , روسيا , سورية …. ) ، والقائمة طويلة .

من المفيد والمهم ، الاشارة المبكرة الى الفصل الواضح بين : اقتصاديات الدول ، واقتصاد الأنظمة في الحقل الاقتصادي العام  ، وبالتالي يصح القول : إذا كان المطلوب من ” العقوبات الأقتصادية ” … اقتصاد الدول والمجتمعات ، فهذا إجراء ” فعال ومضمون ” , أما إذا كان المقصود ” اقتصاد أنظمة وسلطات سياسية ” ، فكل التجارب الحديثة للعقوبات – بشقيها الذكي أو الغبي – اثبتت فشلها وعقمها .

عاشت كوبا فيدل كاسترو (نظاماً ومجتمعا ) في ظل أشرس وأعنف عقوبات اقتصادية ، وحصار أقتصادي ، لأكثر من (60 عاما ) دون تحقيق أي نتائج مرجوة ، سوى إضعاف المواطن والمجتمع الكوبي ، في مقابل زيادة من شعبية نظام كاسترو .

وذلك كرد فعل طبيعي واحتجاج ورفض لها ، وليس كما كان مرجواً منها , كما لم يتأثر (نظام) صدام حسين في ظل العقوبات الاقتصادية على العراق ، لمدة تزيد عن (12عاماً ) .

بينما كانت التكلفة البشرية للمجتمع والدولة العراقية ، أكثر من (مليون ) ومئتي ألف قتيل ، وتدمير البنية التحتية للعراق ، واليوم يعيش النظام الكوري الشمالي ، حالة من ” الحصانة الاقتصادية ” ، مقابل ضيق وعسف وفقر للمواطن الكوري الشمالي ، من جراء تلك العقوبات الاقتصادية ، الذكية والمستدامة .

في الملف السوري

لم تأت العقوبات الاقتصادية اليوم على سورية حديثة العهد , سبقها ” التصنيف الخاص من بعض الدول بوصفها دولة إرهابية أو راعية له “

وقبل ذلك في التاريخ القريب (منتصف الثمانينيات ) من القرن الماضي , وبعد حادثة إسقاط طائرة “لوكربي” تم توجيهه الاتهام الأولي ، والمباشر للنظام في سورية ، بالوقوف وراء الحادث ، وأعقب ذلك مباشرة – قبل التحقق من الاتهام والذي خرجت منه بريئة – بعقوبات اقتصادية ، طالت الحياة الاقتصادية للمجتمع والمواطن السوري ، بشكل مباشر دون أن تشكل أية حالة ” إعاقة أو ضيق ” للنظام ، آنذاك .

من المفيد التذكير ، والاشارة الى طبيعة الأنظمة الاقتصادية الوطنية للدول ، التي تتعرض لعقوبات اقتصادية ، وبالتالي درجة تأثير تلك العقوبات عليها , وذلك بحسب درجة الاعتماد على المنتج العالمي ، من عدمه .

فالاقتصاد السوري ، والذي يتم توصيفه ” اقتصاد فلاحي – ريفي ” ونصف إنتاجي , وبالتالي فالمنتج الدولي ، هو عنصر مكمل وتابع ” مكملات ضرورية ”  ، كونها تعتمد على الكفاية الاقتصادية المحلية (الزراعة ) .

يمكن والحال كذلك ، إيجاد بدائل محلية عنها ، ليس بذات الجودة والسوية المطلوبة ،كما أمكن إيجاد بدائل لمصادر التمويل الخارجي ، بحكم عدم شمولية العقوبات ، وإلتزام المجتمع الدولي ككل بها .

لكن يبقى الأهم ، هو التأثير المباشر لتلك ” العقوبات الذكية ” على الاقتصاد الوطني ، والمواطن هو الأساسي , في حين أن المحصلة لتأثيره على إقتصاد النظام ، هو الصفر الاقتصادي ، والفكرة السياسية الكامنة وراء هدف العقوبات الاقتصادية : خلق مزاج وتذمر شعبي عام في مواجهه النظام السياسي , أعطت نتائج عسكية (تماماً ) في كل التجارب الحديثة والراهنة , وهي فكرة غير أخلاقية ، ولا إنسانية .

ففي عمر الأزمة السورية ، منذ العام 2011 ، قادت العقوبات الاقتصادية الى نتائج كارثية على المواطن السوري ، وأفقدته القدرة على المواجهة والتفاعل الإيجابي مع الأزمة , وكانت مدمرة للبنية الاقتصادية المجتمعية السورية ، وحولت المجتمع السوري الى ” مجتمع فقير وعاجز ” والمواطن السوري الى ” عالة إقتصادية ، أو لاجئ إقتصادي ” في أفضل الأحوال , ولم ينال اقتصاد النظام ، أية أضرار تذكر .. !!!

والمثير للانتباه ، ان هذه العقوبات الاقتصادية الجائرة بحق السوريين ، جاءت على أرضية موقف سياسي للدول المقاطعة في عمر الأزمة , واليوم تغيرتلك الدول مواقفها من الأزمة السورية مع استمرارها بالعقوبات .

والتساؤل البرئ ، عن الهدف الحقيقي والأساسي ، والغرض منها ، ومن إستمرارها …؟!!

إن بديهيات الموقف الوطني ، هو الرفض المطلق والسعي الحقيقي والجدي ، لرفع وإلغاء هذه العقوبات على سورية (النظام) , كما إن إعتبار الاقتصاد (لقمة) عيش المواطن ، مادة في الصراع السياسي ، هو موقفاً لا أخلاقياً ، ولا وطنياً .

المطلوب اليوم :

إجماع وطني سوري عام ، بالرفض الصريح والواضح للعقوبات الاقتصادية على سورية ، تحت أي ذريعة كانت , وإعتبار هذه العقوبات تأخذ ذات الأهمية في حياة السوريين ، أسوة بالارهاب .

عضو الأمانة العامة للمؤتمر الوطني الديمقراطي السوري

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها