aren

«العشرين».. باكورة انتفاضات فلسطين \\ كتابة : عوني فرسخ
الجمعة - 5 - يناير - 2018

 

في 20/‏2/‏1920 استقبل رئيس الإدارة العسكرية البريطانية في فلسطين الجنرال بولز أعيان القدس والرئاسات الروحية الاسلامية والمسيحية فيها، حيث تلا عليهم بياناً متضمناً قرار مجلس الحلفاء بانتداب بريطانيا على فلسطين، والتزامها العمل على تنفيذ وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود، والسماح بالهجرة اليهودية على قدر حاجة البلاد في النمو والارتقاء، وعدم تقييد شيء من الحرية الدينية بشرط الحفاظ على النظام والأمن العام.

وبأن الحكم سيكون للحكومة البريطانية، ولن يسمح بحال من الأحوال لأقلية بأن تسيطر على الأكثرية من السكان. ونلاحظ أن بيان الجنرال بولز لم يخاطب الحضور بصفتهم مواطنين وأصحاب الأرض الشرعيين. ولم يأت على ذكر حقوقهم السياسية أو المدنية، ولا حقهم في تقرير المصير. فضلاً عن ربطه المحافظة على حريتهم الدينية بالمحافظة على النظام والأمن العام.

ولم يمض أسبوع على ذلك اللقاء ، وإعلان بولز عزم حكومته على تنفيذ وعد بلفور، ونشر بيانه في صحيفتي «مرآة الشرق» و«سورية الجنوبية»، حتى تفجرت المظاهرات في القدس وحيفا ويافا وبيت لحم وبيت جالا وقد ضمت إلى جانب النشطاء السياسيين كبار رجال الهيئة الدينية الإسلامية يتقدمهم المفتي في كل مدينة، ورؤساء جميع الطوائف المسيحية بلا استثناء.

وفي القدس سار المتظاهرون إلى قنصليات أمريكا وفرنسا وإسبانيا، ودار الحاكم العسكري الجنرال بولز، وقدموا الاحتجاجات. وفي حيفا وقَّع آلاف المتظاهرين عريضة ضد جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود.

وحيث تصادف احتفال النبي موسى سنة 1920 مع حالة السخط السائدة في البلاد تحول الموسم إلى مظاهرة وطنية حاشدة هتف فيها الجمهور بحياة الملك فيصل، الذي كان المؤتمر الوطني السوري العام قد اختاره ملكا دستويا على سوريا.

كما هتف المتظاهرون ضد الاحتلال البريطاني لفلسطين ووعد بلفور. وكان الجنرال اللنبي قد عين موسى كاظم الحسيني رئيساً لبلدية القدس سنة 1917. وعندما احتشدت الجموع أمام الشرفة التي يقف عليها مع أعيان المدينة والمفتي ورؤساء الطوائف المسيحية المشاركين في تحية الموكب، خاطبها باعتباره زعيمها الوطني.

وتوالى على مخاطبة الجموع الخطباء، الذين كان آخرهم أمين الحسيني – المفتي فيما بعد – والذي كان أكثرهم إثارة لحماس الجماهير حين رفع صورة الملك فيصل هاتفا: أيها العرب هذا ملككم.

وتزامن ذلك مع احتفال اليهود بعيد الفصح، وبينما كان الموكب العربي يجتاز باب الخليل تحرش به بعض عناصر «الهاغاناة» بقيادة جابونسكي، الذي كان يسعى إلى افتعال صدامات مع العرب لحفز المستوطنين على الانضمام لمنظمة «الهاغاناة» الناشئة. وسرعان ما تفجرت صدامات دامية بين العرب وكل من اليهود والقوات البريطانية سقط فيها قتلى وجرحى من طرفي الصدام.

واتهم كل من أمين الحسيني وعارف العارف بتدبير الاضطرابات، وحوكما غيابيا، وحكم على كل منهما بالسجن عشر سنوات مع الشغل. وحكم على جابونسكي بالسجن خمسة عشرة سنة، ثم أفرج عنه بعد ثلاثة شهور فيما أصدر المندوب السامي عفوا خاصاً عن أمين الحسيني وعارف العارف محاولاً امتصاص الغضب العربي.

كما اتهم رئيس البلدية موسى كاظم الحسيني بأنه وراء الأحداث، ولم يكن اتهاماً عفوياً ولا جاء اعتباطاً، وإنما تأسس على موقف بريطاني ويهودي. إذ لم يكن موسى كاظم الحسيني مجرد رئيس بلدية تقليدي، وإنما كان زعيماً مقدسيا وصاحب موقف وطني معلن.

إذ كان يمانع باستخدام العبرية في بيانات وإيصالات بلدية القدس. خلافاً لبقية رؤساء البلديات. وكان حاييم وايزمان دائم الإلحاح على اللنبي لإقالة الحسيني من رئاسة بلدية القدس. وقد جاءت المناسبة لتنفيذ الطلب اليهودي المرحب به من قبل أركان الإدارة العسكرية.

فاستدعى الجنرال ستورز حاكم القدس العسكري، موسى كاظم الحسيني وخيره بين رئاسة البلدية أو النشاط السياسي. وكان ستورز قد استدعى راغب النشاشيبي وعرض عليه تولي رئاسة بلدية القدس فسارع بالقبول. وبعدها استدعى ستورز موسى كاظم الحسيني وأبلغه بأن الموقف قد حان لإجراء تغيير.

فأجابه بكل ثقة : إن سعادتك حر بهذا العمل، ولكنني أنصحك بالانتظار لأن معلوماتي أكيدة بأن ليس من عربي يجرؤ على احتلال مكاني. وعندها ناوله الكتاب الذي يحمل توقيع راغب النشاشيبي. وبهذا نجح ستورز في شق الصف السياسي بين قوى الممانعة والتصدي الوطنية، والقوى المعارضة المرتبطة بالإنجليز.

ومضى الحراك الوطني الفلسطيني في خطه الصاعد منذ انتفاضة العام 1920 دون أن تعيقه معارضة القوى التي تغلبت لديها مصالحها على الالتزام الوطني والقومي. ومحققاً إنجازات قيمة على الدرب الطويل لصراع الوجود واللاوجود مع الاستعمار الاستيطاني اليهودي.

“الخليج”