aren

العرب ومستقبل الاتفاق النووي الإيراني \\ كتابة : محمد المنشاوي
الجمعة - 27 - أبريل - 2018

 

سيحدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل الثاني عشر من الشهر المقبل إذا ما كانت الولايات المتحدة ستنسحب من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران معها إضافة للدول الخمس الكبرى الأخرى، وهو الاتفاق الذي لم يتوقف ترامب عن وصفه مرات عدة بأنه أسوأ صفقة في التاريخ، وأنه اتفاقية معيبة سخيفة يعتزم إلغاءها.

ولا توافق الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق وهي روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على النهج الأمريكي، ولا تقف في صف ترامب سوى دولتين بصورة علنية وبصورة محرضة، وهما إسرائيل والسعودية.

وخلال زيارته الأخيرة والطويلة للولايات المتحدة، كرر محمد بن سلمان ولي العهد السعودي موقف بلاده الداعي لإلغاء الاتفاق أو تعديله والتشدد مع إيران. وأكد بن سلمان في لقاء له مع صحيفة نيويورك تايمز أن الاتفاق النووي سيؤخر إيران لكن لن يمنعها من الحصول على أسلحة نووية.

وأضاف كذلك «أن تأجيل الحصول على القنبلة النووية، ومشاهدة حصول إيران عليها يعني أنك تنتظر وصول الرصاصة إلى رأسك». ونصح بن سلمان الأمريكيين باستبدال الاتفاق النووي الحالي بآخر يضمن ألا تحصل إيران مطلقا على سلاح نووي في الوقت الذي تتناول فيه أيضا أنشطة إيران الأخرى فى الشرق الأوسط.

ولم يتوقف التحريض السعودي على إيران على موضوع الملف النووي، بل ذكر بن سلمان في حوار مع مجلة «ذى أتلانتيك» أن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي يشبه أدولف هتلر! وقال بن سلمان «أعتقد أن الزعيم الإيراني الأعلى يجعل هتلر يبدو جيدا… إن هتلر لم يفعل ما يحاول المرشد الأعلى القيام به، لقد حاول هتلر إخضاع أوروبا. هذا سيئ، لكن المرشد الأعلى يحاول غزو العالم، فهو يعتقد أنه يملك العالم. كلاهما من الأشرار».

***

عندما وقعت الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة باراك أوباما الاتفاق النووي مع إيران في صيف 2015، جمع أوباما ملوك وأمراء دول مجلس التعاون الخليجي في اجتماع قمة في البيت الأبيض ومنتجع كامب ديفيد الرئاسي بهدف طمأنة حلفائه الخليجيين من بواعث القلق لديهم بشأن الاتفاق النووي مع إيران.

وجوهر الاتفاق هو وقف برنامج إيران النووي العسكرى مقابل رفع للعقوبات المفروضة عليها. ويعتقد الكثيرون فى العاصمة الأمريكية أن أحد أهم وسائل طمأنة حلفاء واشنطن من العرب هو بيعها المزيد من الأسلحة الأمريكية، إلى جانب دعم الوجود الأمريكي العسكري في هذه الدول. ويبدو أن هذه الترتيبات لا تكفي لإقناع قادة هذه الدول الذين يسعون من جانبهم في محاولة صعبة لتوقيع نوع ما من أنواع اتفاقيات الدفاع المشترك التي توثق لالتزام الولايات المتحدة بحماية دول الخليج حال تعرضها لأي تهديدات خارجية.

تؤمن الرياض بوجود قلق متزايد معلن يتخطى مخاطر حصول إيران على سلاح نووي. وتعد تطورات الأوضاع الجيو ــ استراتيجية في الشرق العربي ردة للدول العربية ولمصالحها الحيوية.

ويؤمن العرب أن إيران هي اللاعب الأهم والقوة المهيمنة لكل ما جرى ويجري فى سوريا واليمن، ويؤمنون أيضا أن إيران تدير المشهد السياسي في العراق، ولا يختلف الحال كثيرا فيما يتعلق بلبنان عن طريق الرعاية الإيرانية لحزب الله.

وتعتقد القيادة السعودية أن استمرار الاتفاق النووي سيؤدي لزيادة القوة الإيرانية بما يهددها، وتستشهد على ذلك بدعم إيران للحوثيين في اليمن رغم إدراكها الكامل أن هذا يمثل تهديدا مباشرا للدولة السعودية.

وقد أدى الاتفاق النووي من جهة، وما تشهده دول مجلس التعاون الخليجي من انشقاقات غير مسبوقة وعداء بين السعودية والإمارات، ومعهما البحرين ومصر، من جانب وقطر من جانب آخر، لارتفاع نفقات التسليح لدى بلدان الخليج العربي رغم التراجع الحاد لأسعار النفط.

إلا أن تعقيدات وخطورة خرائط الصراع في المنطقة تستدعي أكثر من شراء المزيد من الأسلحة، وهو ما لا يبدو متوافرا عن الأطراف العربية حتى الآن.

***

خلال مؤتمره الصحفي مع الرئيس الفرنسي ماكرون يوم الثلاثاء الماضي بالبيت الأبيض، لم ينس ترامب إهانة حكام الدول الخليجية الغنية مرة أخرى، تضاف إلى قائمة طويلة من مسلسل إهانات لهم، منذ ظهوره على الساحة السياسية قبل أقل من ثلاثة أعوام.

وشدد ترامب على بلدان المنطقة الثرية بالشرق الأوسط بالتكفل بالمصاريف الكبيرة التي تنفقها بلاده لحمايتها. وأضاف ترامب أن واشنطن أنفقت 7 تريليونات دولار على حماية بلدان ثرية، مشيرا إلى أن إدارته ستستبدل جنودها بالمنطقة بجنود تلك الدول. وقال ترامب إن دولا بالمنطقة لم تكن لتبقى أسبوعا دون الحماية الأمريكية.

قبل خمسة أشهر أعلن ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبدء إجراءات نقل السفارة الأمريكية للمدينة المقدسة، وما تبعه من ردود أفعال عربية رسمية هزيلة عكست واقعا جديدا تخيلت بموجبه بعض الأنظمة العربية الحاكمة أن تجاهلها لفلسطين وعدم اكتراثها بحقوق الشعب الفلسطينى كفيل بنيل الثناء من حاكم البيت الأبيض غريب الأطوار، وأنه السبيل الأقصر والمباشر لنيل الرضاء الأمريكي والإسرائيلي معا خدمة لأهداف ضيقة لا تراعي أي مصالح استراتيجية لشعوبهم أو لمستقبل حكمهم.

لا يعرف حكام العرب واشنطن على الرغم من تكرار زياراتهم لها، ولا يعرفون ترامب رغم لقاءاتهم المتكررة المصحوبة بمصافحات حارة. ولا أحد يعرف تحديدا من قصد ترامب عندما تحدث عن دول المنطقة الغنية، قد يكون قصده السعودية وحدها أو قد يكون قصده كل دول مجلس التعاون الخليجي، لا نعرف.

لكن ما نعرفه أن واشنطن يحكمها رئيس يسعى لاغتنام ما يستطيع من ثروات العرب. وما نعرفه أيضا أن إيران هي أحد دول المنطقة، وإنها تواجدت فى الماضي، وستوجد في المستقبل، وليس من الحكمة تسخين أمريكا ومنحها الغطاء السياسي اللازم لتنفيذ أجندات لا تكترث بمصالح ولا بدماء العرب.

“الشروق”