aren

العدوان الحوثي على دولة الإمارات والموقف الدولي المنشود \\ بقلم : د. ابتسام الكتبي
السبت - 22 - يناير - 2022

بهجومها الأخير على المنشآت والأعيان المدنية في عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي، يوم 17 يناير الجاري، فإن جماعة الحوثي الإرهابية تكون قد بلغت حداً من التمادي ينبغي ألا يمر من دون مُحاسبة دولية حازمة وقوية. ويبدو أن رد المجتمع الدولي الضعيف على حادثة قرصنة السفينة المدنية “روابي” مطلع هذا الشهر، والذي اقتصر على التنديد والشجب دون اتخاذ إجراءات عقابية أكثر عملية ضد جماعة الحوثي وداعميها، قد أرسل إشارة خاطئة إلى هؤلاء الأخيرين، جعلتهم يُقدِمون على مغامرةٍ جديدةٍ تفتقر تماماً إلى الحكمة وحُسْن تقدير العواقب.

وأيَّاً كان تسويغ جماعة الانقلاب في صنعاء لهجومهم على المنشآت المدنية في الإمارات، وهو كالعادة يمتلئ بقِصَص المظلومية الخَادِعَة والسَّردية غير المُقنِعَة، فإن الإدانة العالمية الأكثر زخماً للاعتداء الأخير على أبوظبي، إذ تؤكد سلامة موقف الإمارات ومكانتها الإقليمية والدولية المُعتَبَرة، فإنها في الوقت نفسه تُمثِّل فرصةً سانحةً لتصويب موقف المجتمع الدولي تجاه جماعة الحوثي المتمردة، وجعله أكثر قوة وتناغماً. فالحوثيون الذين لم يترددوا يوماً في إظهار استخفافِهم بالقواعد الدولية الراسخة وأساسيات القانون الدولي، ينبغي أن تصلهم رسالة دولية موحدة وقوية يُدركون معها فداحة الخطأ الذي قاموا به، وأن المجتمع الدولي بأكمله يقف صفاً واحداً مع دولة الإمارات، ويتحدث اليوم بصوتٍ واحدٍ ضد عدوان الحوثيين واستخفافِهم، وأن ما حصل لن يُسمَح بتكراره مُجدداً.

    الإدانة العالمية الأكثر زخماً للاعتداء الأخير على أبوظبي، إذ تؤكد سلامة موقف الإمارات ومكانتها الإقليمية والدولية المُعتَبَرة، فإنها في الوقت نفسه تُمثِّل فرصةً سانحةً لتصويب موقف المجتمع الدولي تجاه جماعة الحوثي المتمردة، وجعله أكثر قوة وتناغماً

ردَّة فعل إيران الملتبسة، حتى كتابة هذا المقال، على العدوان الحوثي تبدو استثناءً في المواقف الإقليمية والدولية ينبغي أن تتداركه القيادة الإيرانية من أجل تعزيز جهود التقارب الأخيرة بين دولة الإمارات وجمهورية إيران الإسلامية. وفي تقديرنا، يعكس العدوان الحوثي حالة العزلة واليأس التي تعانيها الجماعات والمليشيات المسلحة في ظل المناخ الاستراتيجي الجديد في المنطقة.

وإذا كان أحد أهداف الحوثيين هو ضَرْب هذا التقارب الإماراتي-الإيراني وإيقاف عجلة دورانه، فهذا يعني أن الجماعة لا تَعي حقيقة اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة، وتُحاول إظهار عنادها واستيائها من مواصلة مسار التقارب بين ضفتي الخليج، والذي تعتقد أنها الخاسر الأكبر منه. ولهذا، فإن الكثيرين اليوم يُطالبون طهران بممارسة نفوذها على الجماعة الحوثية وكبح جِمَاح نزعتها العدوانية، باعتبار ذلك إحدى مُتطلبات تفعيل الحوار الخليجي-الإيراني، وبدء صفحة جديدة في العلاقات الإقليمية.

يمنياً، لا شك في أن استمرار مثل هذه الحسابات الخاطئة والمغامرات الخطيرة لجماعة الحوثي تُعطّل عليها فرصة اندماجها في عملية سلام يمنية مأمولة، يسعى إليها المجتمع الدولي، ومن شأنها أن تقود البلاد لمسار سياسي جامِع يفتح الباب للاستقرار والتنمية والازدهار. وتعليل العدوان الأخير على الإمارات بأنه رد فعل على تحرير محافظة شبوة وطرد الحوثيين منها لا يَنطلي على أحد؛ فالصراع في شبوة كما في غيرها من مناطق اليمن مَحلِّيٌّ في جوهره، وتداعياته السلبية على الأمن الإقليمي هو ما دفع الإمارات لأن تكون جزءاً من تحالف إعادة الشرعية والاستقرار في اليمن، بقيادة المملكة العربية السعودية.

مع هذا، فقد سَبَق أن أعلنت دولة الإمارات بوضوح منذ نحو ثلاث سنوات أنها اتخذت مُقاربة جديدة بخصوص هذا الصراع ترتكز على دعم مسارات السلام والتسوية السلمية، وكان لها دورٌ مشهودٌ في تشجيع التهدئة وتثبيتها في مناطق غرب البلاد وفقاً لاتفاق ستوكهولم (نهاية عام 2018)، رغم أن الإمارات لا تُخفي قلقها ورفضها لاستمرار انقلاب جماعة الحوثي على الشرعية والتوافق السياسي في اليمن، وهو موقفٌ يُشاركها فيه الغالبية الساحقة من دول المنطقة والعالم.

    استمرار الحسابات الخاطئة والمغامرات الخطيرة لجماعة الحوثي تُعطّل عليها فرصة اندماجها في عملية سلام يمنية مأمولة، يسعى إليها المجتمع الدولي، ومن شأنها أن تقود البلاد لمسار سياسي جامِع يفتح الباب للاستقرار والتنمية والازدهار

المشكلة إذن لا تكمُن في موقف الإمارات من ملف الصراع في اليمن، بل في استمرار الحوثي في نهجه العدواني تجاه الشعب اليمني بمختلف فئاته، وتجاه الجوار الإقليمي وحاضنة اليمن العربية الطبيعية، وتجاه مسار التسوية السلمية للنزاع. فالحوثي هو مَنْ يرفض كل مبادرات الحل المطروحة، بما فيها المبادرات الأممية المُتعاقِبة، وهو مَنْ يواصل عدوانه الوحشي على مأرب وغيرها من مدن ومناطق البلاد، وهو مَنْ يَشُنّ هجمات رعناء لا تنتهي تجاه بلدٍ شقيقٍ مُجاور يُمثل مركزاً لأقدسِ البقاعِ عند المسلمين جميعاً، مُستخدِماً في ذلك مئات الصواريخ البالستية والطائرات المُسيَّرة المفخخة، وهو مَنْ يتبنّى خطاباً متصلباً وعدائياً لا يُراعي مصلحة الشعب اليمني ولا يأبه بمأساتهِ الإنسانية التي تعمَّقت وتفاقمت، ولا يريد لها الحوثيون وداعموهم أن تنتهي لحساباتٍ انتهازيةٍ صرف.

إن ما بعد الهجوم على المنشآت المدنية في أبوظبي لن يكون كما قَبْله بكل تأكيد؛ وقيادة الإمارات ومؤسساتها تُدرِك مسؤوليتها التاريخية تجاه أمن دولتها وأولوية حماية شعبها، وسترُدُّ على العدوان الحوثي عليها بالطريقة الشرعية المناسبة التي يكفلها لها القانون الدولي، وبما ينسجم مع النَّهج المسؤول المعروفة به، والذي طالما كان بوصلة توجهاتها ومؤطِّر سياستها الخارجية.

وحلفاءُ دولة الإمارات وشركاؤها حول العالم، كما أظهرت الردود المُندِّدة الواسعة بالاعتداء الحوثي، يقفون اليوم في صَفّ الإمارات، ويدعمون خياراتها (ومن ذلك دعوة الإمارات الإدارة الأمريكية لإعادة تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية) للتعاطي مع ما حصل من هجومٍ غير مُبرر عليها، ويَعُون اليوم بصورة أكبر مدى توسُّع خطر الحوثيين على أمن المنطقة، وأن التعاطي الدولي مع رعونة جماعة الانقلاب في صنعاء، كما ذكرنا في استهلال هذا المقال، بات يتطلب رداً قوياً ومُنسَّقاً ومؤثراً يَحسُن لقادة جماعة الحوثي أن يَسمعوه جيداً، وأن يُعيدوا بموجبهِ النَّظر في حساباتهم التي ثَبُتَ خطؤها وعدميتها، وتُهدِّد اليوم بعزلهم أكثر، ما سينعكس سلباً على عملية السلام في اليمن، وربما تُنهي الآمال بحلٍّ سياسيٍّ قريبٍ لأزمة هذا البلد العربي الشقيق ومعاناة شعبِه.

رئيس مركز الامارات للسياسات

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها