aren

العائديان، معتز وعثمان \\ بقلم : د.كمال خلف الطويل
السبت - 9 - أكتوبر - 2021

منذ أن وعيت، عُمراً، شخوص من حولي، قيمةً ودوراً، وأنا أسمع بتكرار، في منزلنا، عن آل العائدي.. وتحديداً عن الدكتور منيف والدكتور عبد الكريم ؛ سبب ذلك الاهتمام أن والدتي عملت، فترة الأربعينات، مشرفةً على قسم الذكور في الكلية العلمية الوطنية بدمشق، ونشأت بينها وبين مؤسسها، د. منيف، وأخيه، د.عبد الكريم، وسيدات وفتيات وفتيان الأسرة، أوثق الوشائج وأطيب الأواصر.. فصار مثلاً -وبالذات- معتز عبد الكريم، وعثمان منيف، ابنان روحيان لها، لا خلال الأربعينات فحسب بل وحتى انتقالها لرحاب الخالق، مطلع ١٩٩٢. وبحكم فارق السن بيني وبينهما فلم أعِ ذلك الأمر إلا في الستينات.. وبالأخص مع معتز، الأقرب عمراً وهوى.

وكم أعتز، في سن العاشرة، بلقيا د. منيف في منزلنا بالقصاع مرتين.. وهو الذي أسس كلية الطب ورأس الجامعة السورية وكان من وجوه التنوير  والعلم. وأتذكر كيف أنني أُخذت بفارع طول د. عبد الكريم لمّا رأيته أول مرة فداعبني بقول”سيأتي عليك يوم وتلحق بي”. الأخير تقلّد مناصب رسمية عدة، لكن أكثر ما اعتز به كان: مفوض مقاطعة اسرائيل للجامعة العربية.

مراراً التقينا بدمشق، معتز وأنا، قبل اغترابي في ٧٥ وبعده، وقبل انتقاله لقطر وبعده.. ودار الحوار سيالاً حول التاريخ والحاضر والمستقبل، وبأخوةٍ صافيةٍ بلا افتعال، ودوماً مع ذكره للوالدة، حيةً وراحلة، بطيب الكلام.

معتز كان من كوادر حركة القوميين العرب الرئيسة في سوريا، وتعرض لمحنة اعتقال، في النصف الثاني من ٦٣، كلّفته انفصال شبكية لاحق.. لمّا رحل إلى قطر ليزاول المحاماة هناك ابتنى لنفسه دارةً دمشقية الطراز صارت مهبط كل سوري زائر ومزار العرب هناك من أصحابه: تحفةً حقيقيةً ضاهت جماليتها أفخم دار تاريخية في دمشق ذاتها.

لم يتمركس معتز مع تمركس حركته بل بقي قومياً ناصري المَيل، حتى النهاية. آخر ما التقينا، قبل رحيله إلى دار الخلد مطلع العام، كان قبل عقدٍ في دمشق.. فيه ترنمنا، في سياق حديث شجن، بأنشودة أمل لفيروز: إي في أمل.

عثمان، في المقابل، التقيته أول مرةٍ، عشية الاغتراب لأنقل إليه تهاني الوالدة بقرب افتتاح فندق الشام.. كان مدراراً في الثناء على دورها معه وأقاربه، وهنأني على التخرج طبيباً، فلمّا سألته عن بنك العالم العربي، الذي أداره مطلع الستينات، دهش فداعبني بالقول: الست آمنة بتعرف إلك هوى غير الطب؟. عدنا للقاء في ديسمبر ٩١، في مكتبه، ومن نقطة البنك أعلاه. ولعل كثيراً مما دار في حديث طويل طويل يومها نافعٌ في تبيان وقائع سورية عاشها، وإن طبعاً من منظوره. ثم التقينا مرتين في مكتب الدكتورة نجاح العطار، واحدة في ٢٠١٤ والثانية والأخيرة في ٢٠١٩، وفي الاثنتين أسرف في ذكر أيادي الوالدة البيضاء، عليه وأقاربه، أمامها.

من العائدي أيضاً، فتاتان، هما جهينة وهالة، شاهقتا الطول، كوالدهما د. عبد الكريم، كان لهما فضل تسجيلي في نادي الفتيان بدمشق مطالع الستينات، واقترنت هالة بزميل عزيز هو د. محمد الأموي.

تلك أسرة “شامية” بامتياز.. فيها الجذر الفلسطيني والعطاء السوري والملاط العربي.. وخير العمل.

رحم الله الكبيران، منيف وعبد الكريم، وتابعيهما بإحسان.. معتز وعثمان

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها