aren

الطبقة الوسطى اللبنانية قوية ومتّسعة حتى الـ … \\ كتابة : جهاد الزين
الأحد - 16 - سبتمبر - 2018

 

بيروت

لاحظ ناشط جدّي ومتحمّس كان مشاركا في تظاهرة “طلعت ريحتكم” الأخيرة التي حصلت في التاسع والعشرين من آب المنصرم أمام مبنى محافظة بيروت أن معظم الذين التقاهم في تلك التظاهرة يعيشون خارج لبنان وهم حاليا في زيارات مؤقتة أو صيفية للبلد. والقلة القليلة منهم الموجودة في لبنان تحمل جوازات سفر غربية. كان عدد المتظاهرين والمتظاهرات بالعشرات وجميعهم من أرقى النخب اللبنانية تعليميّاً.

أعْبُر فوراً من هذه المعلومة – وهي معلومة لا تخمين – مصدرها هذا الناشط الذي شارك في تنظيم التظاهرة، وهو نفسه يعمل في الخارج، إلى الملاحظة التالية المتصلة بالأولى:

يعيش اللبنانيون المقيمون في لبنان منذ مدة طويلة انفصالا واعيا بين نقدهم الشديد للطبقة السياسية وصِلَتِهم المؤيدة للنظام السياسي الذي تديره هذه الطبقة بشرائحها المختلفة دينيا ومذهبياً وثقافيا وخارجيا.

هذه شيزوفرانيا ليست جديدة في الشخصية السياسية اللبنانية، وهي أحد معالم “نمط الحياة” اللبناني.. خلال الحرب عاش اللبنانيون هذه الشيزوفرانيا – البشعة بالنتيجة – بين رفضهم لممارسات الميليشيات وانخراطهم في سياسات الحرب.

الجديد، في ما أظن، في هذه الشيزوفرانيا أن تَبَلْوُراً واضحا حصل في تحديد القوى الأكثر ارتباطا ودعما للنظام السياسي أي للطبقة السياسية التي تدير هذا النظام. وهو تَبَلْوُرٌ لم يكن بهذا الوضوح والقوة في السابق. إنه تحوّلُ كل القطاع العام، وخصوصا موظفي وظائفه الوسطى والعليا، إلى قوة دعم للطبقة السياسية مرتكزة على مصلحة واسعة ملموسة وحقيقية.

اليوم، ودعك من الادعاءات الأخرى، كبارُ الموظفين من مدراء عامين وقضاة ورؤساء مصالح وأعضاء و العديد من موظفي مجالس عامة ومعهم موظفو الفئة الثالثة واجزاء كبيرة جدا حتى من الفئة الرابعة، وأساتذةُ الجامعة اللبنانية والتعليم الثانوي وجزءٌ واسع من أساتذة التعليم الابتدائي وموظفي البلديات (المقيمين في قراهم وبلداتهم الأصلية وهذا بحد ذاته امتياز اقتصادي) وضباطُ الأجهزة الأمنية وجزء واسع جدا من الرتباء والعسكريين، والمتقاعدون من هذه الفئات، كل هؤلاء مع رواتبهم التي تحسنت تحسُّناً نوعيا بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب، هم قوة حماية ودعم عميقين، وليس كلاميَّيْن، للطبقة السياسية. فقد نجحت هذه الطبقة السياسية في توزيع الثروة المالية التي تحصل عليها الدولة سواء من المديونية أو المداخيل أو الرسوم والضرائب، لتوسيع الطبقة الوسطى عبر القطاع العام حتى وهي، أي الطبقة السياسية، تنهب ثرواتٍ كبيرةً عبر سماسرتها.

يجب الاعتراف لهذه الطبقة السياسية، ومعظمها أمراء حرب انتقلوا من السيطرة على الشارع إلى السيطرة على الدولة وخزائنها المليئة، بأموال فعلية أو مفلسة، أنها بتوسيعها القطاع العام بهذا الاتساع التضخمي، ولو كان مترهلاً وغير منتج وفاسد، فهي حققت توزيعا للثروة والدخل في البلد لا سابق له رغم بقاء التفاوت بين الثروات الكبيرة وبقية المجتمع.

إذن خلافا للرأي الببغائي السائد فالطبقة الوسطى اللبنانية ليست منكمشة أو “مختفية” بعد الدعم الكبير الذي حقَّقته لها الطبقة السياسية عبر سلسلة الرتب والرواتب الجديدة. بهذا المعنى الطبقة الوسطى، أو شرائح كبيرة منها، في القطاع الخاص وحدها في أزمة لا الطبقة الوسطى في القطاع العام. ولذلك تقبع الطبقة السياسية الآن، أي هؤلاء السياسيون المرذولون كلاميا، بسبب فسادهم، كجزء من تقاليد الثرثرة اللبنانية، على قاعدة اجتماعية، وليس فقط طائفية، قوية جدا ولا يستطيع أحد أن يهزها سوى انهيار مالي عام … لن يأخذ معه القطاع العام وحده بل القطاع الخاص أيضا أي القوى العاملة فيه. لذلك التبسيط في موضوع الموقف الشعبي الاجتماعي من هذه الطبقة السياسية مضلِّل أو مجرد كلام فارغ. فأيا يكن تقييم الامتداد المصالحي الشعبي لفئات هذه الطبقة، لا شك أنه لم يسبق أن سيطر النظام السياسي اللبناني على النخب السياسية والثقافية والاجتماعية اللبنانية مثلما هو مسيطر الآن عبر توسيع القطاع العام ومدِّه بنخب واسعة جدا.

الأرجح أن توزيع الثروة مؤقت قياسا بحجم الأزمة التي تهدِّد الاقتصاد الوطني. لا نعرف متى ساعة الصفر للانهيار الذي سيعيد الطبقة الوسطى إلى الفقر وحتى التسول المنفعي من السياسيين. لأن تجربة انهيار سعر الليرة في النصف الثاني من الثمانينات خلال الحرب الأهلية زادت سيطرة الميليشيات على المجتمع الذي تحوّل إلى منتظِر إعاشات. والأرجح في الظروف الحالية للبنان أن هذا الانهيار غير قريب بسبب شبكة الأمان الدولية التي يحظى بها خلال الحرب السورية وليس بسبب كفاءة السياسيين اللبنانيين.

هذا الوضع يستدعي ملاحظتَيْن:

1- ليست هناك بين الأحزاب والتيارات الأساسية اللبنانية قوة إصلاحية. لأن طبيعة النظام السياسي لا تسمح إلا بالعكس: الصراع على المزيد من توسيع القطاع العام غير المنتِج وحماية الموظفين المحسوبين على كل حزب أو تيار.

لا تستطيع أية قوة سياسية في النظام السياسي اللبناني أن تكون إصلاحية. هذا ليس ممكنا لا اليوم ولا غدا وبأكثر التعابير اعتدالاً يمكن القول أنه فات أوانه. ما تقوله هذه القوى عن نفسها ليس مهما.

2- القوة الكبرى بين النخب اللبنانية المقيمة في لبنان هي قوة مرتبطة بالنظام السياسي خصوصا عبر القطاع العام ونسبيا عبر القطاع الخاص. لذلك لا ديناميكية ذات قيمة فاعلة للإصلاحيين بين النخب بمن فيها نخب “المجتمع المدني”.

الدولة اللبنانية كدول كثيرة في المنطقة ميؤوس من القدرة على إصلاحها. لكن يبقى لبنان كبلد، لا كدولة، هو المهم جدا. وهذه معادلة مدهشة وحقيقية، علينا أن نتصوّر تفاعلات جناحيها: الدولة بلا مستقبل، البلد الذي يزداد أهمية سياسية وثقافية وتربوية واجتماعية واقتصادية (بكل معاني الاقتصاد الحديث، الشرعي وغير الشرعي).

… أنا أصف هنا وليس لديّ اقتراحات!

وأعود إلى معلومة مقدمة هذا المقال:

هناك إصلاحيون لبنانيون في الخارج. لا قدرة إصلاحية في لبنان وهذا يعني استمرار الهجرة، خصوصا الشباب الذين يستمر رحيلهم عبر مطار بيروت.

… وكما قالت لي ناشطة في تظاهرة “طلعت ريحتكم” عندما سألتها لاحقا من أنتم:

نحن “جماعة المطار”

“النهار” اللبنانية