aren

“الضم”بانتظار الضوء الاخضر الامركي \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 2 - يوليو - 2020

فلسطين

قبل يومين فقط من الموعد المقرر لإطلاق سيرورة الضم، وفق مخطط رئيس الحكومة وزعيم اليمين بنيامين نتنياهو، كان واضحاً أن قرار الضم ليس في الأفق القريب.

الضوء الأخضر الأمريكي المفترض لم يطلق بعد، ولم تتوصل اللجنة الأمريكية «الإسرائيلية» المشتركة إلى قرار بشأن خريطة الضم. ووصل المبعوث الأمريكي الخاص آفي باركوفيتش إلى الكيان للبدء في جولة مشاورات مع قيادة الاحتلال للتوصل إلى تفاهمات بهذا الشأن. وفي الأثناء رفع الفلسطينيون من مستوى تصديهم لمشروع الضم، سواء بتسخين الميادين في أرجاء الضفة الغربية، أو في إظهار جدية تهديدهم بحل السلطة. وشكلت المخاوف الإقليمية والدولية من عواقب الضم نوعاً من الكبح الذي عرقل الاندفاعة الأمريكية واليمينية الصهيونية لتنفيذ الضم.

كوابح الضم

وتحت ضغط صهيوني واضح كثفت الإدارة الأمريكية من مناقشاتها للتوصل إلى قرار بشأن الضم وحدوده ومواعيده، وأعلنت في نهاية هذه النقاشات أنها لم تتوصل إلى قرار. ونقلت وسائل الإعلام «الإسرائيلية» عن مسؤولين كبار قولهم: إن الأمريكيين بدأوا في كبح الاندفاعة نحو الضم بعد أن تبينت لهم شدة الاعتراضات الفلسطينية والعربية والدولية، وبعد أن تيقنوا من أن الضم لا يفيد ترامب في الانتخابات المقبلة. وواضح أن السجالات في الكيان بين مكونات الحكومة الصهيونية شجعت أيضاً الإدارة الأمريكية على تمييع موقفها من الضم.

فداخل اليمين الصهيوني خلافات جدية حول مرجعية الضم، وخشية من أن اعتماد «صفقة القرن» سيقود، ولو متأخراً، إلى دولة فلسطينية ولو اسمياً. وداخل الحكومة «الإسرائيلية» هناك خلاف جدي حول حدود الضم في هذه الظروف، وما إذا كان ينبغي أن يكون محدوداً أو واسعاً. وفي الحلبة «الإسرائيلية» يزداد الاعتراض على الضم خشية عواقبه على المشروع الصهيوني برمته، وعلى مبدأ الانفصال عن الفلسطينيين والعلاقة مع المحيط العربي.

انتخابات جديدة؟

وصار كثيرون في محيط نتنياهو وخصومه يتحدثون عن انتخابات جديدة يغدو الضم أحد أهم شعاراتها. وربما لهذا السبب يصر نتنياهو على عدم الاكتفاء بضم محدود لمستوطنات أو كتل استيطانية، ولا يزال يعتبر أن الفرصة التاريخية تتمثل في إعلان ضم أغوار الأردن. فضم الأغوار يعني، وبشكل تام ونهائي، أنه لا حدود ل «الكيان الفلسطيني» سوى مع الكيان، وأن السيطرة الصهيونية الأمنية والاقتصادية ستبقى دائمة. ويبدو أن ضم غور الأردن لم يحظَ حتى الآن، بسبب مخاطره على معاهدة الصلح مع الأردن، بتأييد واسع خارج إطار اليمين الأيديولوجي الصهيوني. ويرفض نتنياهو، حتى الآن، الضم الجزئي المحدود أو ما يسمى بالضم الرمزي الذي تنادي به بعض أوساط حزب الجنرالات، أزرق أبيض.

الإجماع شرط الضوء الأخضر

ويلحظ المتابعون للشأن «الإسرائيلي» حقيقة أن العقبة الداخلية للضم لا تنبع من وجود «أزرق أبيض» بقدر ما تنبع من نقطة في الاتفاق الائتلافي تقضي بالعمل بتوافق تام مع الولايات المتحدة في كل ما يتصل بمشروع الضم. واشترط الأمريكيون منح الضوء الأخضر للضم بإجماع حكومي صهيوني، وهو ما وفر هامشاً من الحركة لمعارضي الضم، خصوصاً أن الخلاف انتقل إلى دائرة القرار الأمريكية. فالسفير الأمريكي في الكيان، ديفيد فريدمان، مناصر للمتطرفين المستوطنين، ومؤيد لأفكارهم في الضم، في حين توجد في الإدارة آراء أقل تطرفاً.

وفي كل حال لا ينبغي النظر إلى العوائق الداخلية التي تعيق إعلان الضم، وكأنها قضاء على مشروع الضم. فمن يعرف الطبيعة «الإسرائيلية» يعرف مناهج «الضم الزاحف»، وغايات الاستيطان كوسيلة لفرض الوقائع على الأرض. ومثلما كان منطق ديفيد بن غوريون في التعامل مع قرار التقسيم عام 1947 بإعلان أن «النقب لن يهرب منا»، فإن كثرة من المعتدلين في الكيان لا يرون ضرورة للإصرار حالياً على إعلان الضم.

وواضح أن قرار الضم ليس شخصياً يتخذه نتنياهو والمقربون منه، وإنما هو قرار حكومي أو تشريعي، وهو ما يتطلب وقتاً ونقاشات أكثر جدية تشارك فيها المؤسسات ذات الشأن. ولذلك تتجه الأنظار حالياً نحو الموقف الذي ستعلنه الإدارة الأمريكية. عموماً انضمت الخلافات «الإسرائيلية» الداخلية بشأن الضم إلى جملة الخلافات بشأن إدارة أزمة كورونا وطريقة التعامل مع لوائح الاتهام بالفساد ضد نتنياهو، لتجعل الحلبة السياسية أشد اشتعالاً من أي وقت مضى. وترتفع الأصوات حالياً في ظل عدم الاتفاق على إقرار الميزانية العامة، داعية إلى إجراء انتخابات، مستغلة تردي وضع «أزرق أبيض» الانتخابي. وتتحدث استطلاعات الرأي عن أنه إذا جرت انتخابات قريباً فإن حزب «أزرق أبيض» ينهار ليعود حزب «هناك مستقبل» بزعامة يائير لبيد لتصدر حركة الوسط في الكيان.

الخشية من انفجار الوضع

ويؤمن خبراء في الشأن «الإسرائيلي» بأن إصرار نتنياهو على الضم يوفر له فرصة ادعاء أن شركاءه في الحكم هم من أعاقوا الضم، وأن نجاحه في الانتخابات المقبلة سيضمن تحقيق الضم. ولذلك فإن عدم اتخاذ قرار بشأن الضم في يوليو /‏ تموز الحالي لا يعني أن خطة الضم أدخلت في الثلاجة، بل ستبقى راية يلوحون بها وعنواناً للمرحلة المقبلة.

وأياً يكن الحال، فإن الظروف السياسية القائمة حالياً في الأراضي المحتلة ليست بحاجة لمن يجعلها أسوأ. والكيان يخشى انفجار الوضع في الضفة الغربية وعلى الحدود مع قطاع غزة، إن لم يكن بسبب الضم، فعلى الأقل بسبب الوضع الاقتصادي. والجيش «الإسرائيلي» يحذر من أن استمرار الوضع القائم يشكل خطراً غير محدود على الكيان، ليس فقط من الناحية الأمنية، وإنما أيضاً من الناحية السياسية والاقتصادية. فآخر شيء يريده الكيان حالياً توتير علاقاته مع المحيط العربي، وخصوصاً مع الأردن ومصر. وانهيار السلطة الفلسطينية، أو حلها كفيلان بدفع الجميع لتوجيه أصابع الاتهام لنتنياهو وحكومته، لما ينطوي عليه الأمر من زعزعة للاستقرار الإقليمي.

لقد حقق نتنياهو أغراضه من وعوده بشأن الضم، وصار الأمر موضع نقاش مع الإدارة الأمريكية، وتحت هذا الغطاء ستتصاعد حمى الاستيطان في ظل تهديدات الضم.

“الخليج”الاماراتية