aren

الصراع الأميركي الصيني: اقتسام العالَم أم نهاية «الأُحادية الأميركِية»\\ كتابة : د.محمد خروب
الإثنين - 6 - يوليو - 2020

GettyImages-803709916

خرج الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو بتفسير جديد عن أسباب الصراع الآخذ بالإحتدام بين الصين والولايات المتحدة. صراع مُرشح لمزيد من التصاعد وفق ترجيحات علماء السياسة والإستراتيجيات والإقتصاد والمُستقبليات, ناهيك عن الخبراء العسكريين ومحافل مراكز الأبحاث والدراسات, وإذا ما تفاقم وتعمّق فإنه قد يُفضي الى حرب ساخنة تطوي صفحة الحرب الباردة «الثانية», التي بدأت قبل عامين (تموز 2018) عندما فرضت واشنطن رسوماً جمركية فاقت في زيادتها 25% على استيراد بضائع ومنتجات صينية عديدة, لم تجد بيجن بداً سوى الرد بالمثل, على نحو زاد من غضب أصحاب الرؤوس الحامية في الجانبين, الى ان جاءت جائحة كوفيد – 19 لتصبَ المزيد من الزيت على النار المُشتعلة ذات البعد التجاري, لكنها تستبطِن قضايا خلافية ذات علاقة بسعي واشنطن الى كبح صعود الصين, ومُحاصرة نفوذها المتزايد في المحيط الهادي, مُستغلّة ملفات خِلافية مُعقدة بين الصين ودول مُجاورة لبحر الصين الجنوبي ترى لنفسها حقوقاً في البحر نفسه وثرواته وخصوصا أهميته الاستراتيجية.

إضافة إلى «ملف تايوان», الذي لا تتوقّف الإدارات الأميركية عن فتحه والعبث به كلما شَجَرَ خلاف بين الدولتين, وبخاصة في حال ارادت واشنطن التحرّش ببيجين او إعاقة علاقة سياسية او اقتصادية أو تجارية وخصوصا عسكرية ما بين الصين ودولة ما في ها العالم ,ما بالك إذا كانت تلك الدولة تتوفّر على ثروات كربوهيدراتية او موقع استراتيجي او سوقا كبيرة لتصريف المنتجات؟ ورأينا كيف تجلى ذلك بوضوح وعدوانِية أميركية موصوفة في المشروع الصيني الأضخم المعروف بـِ«الطريق والحزام» أو «طريق واحد…حزام واحد», والذي تصل كلفته الإجمالية الى مايزيد عم 900 مليار دولار, رغم اعتراف الولايات المتحدة بالأُسس التي قامت عليها العلاقات الصينية ــ الأميركية منذ «الإختراق» الذي حقّقه الثنائي الجمهوري نيكسون- كيسنجر, بهدف «جذب» الصين الى جانب اميركا في صراعها المرير مع الإتحاد السوفياتي, عبر استغلال الخلاف «العقائدي» بين موسكو وبيجن, وكان لهما ما أرادا, ولكن على قاعدة الإعتراف بمبدأ «صين واحدة», ما مهّد لجلوس بيجين على المقعد الدائم في مجلس الأمن بديلا من تايوان التي انكمشت وتراجع الإهتمام بها, وان كانت الولايات المتحدة أبقتْ على علاقاتها التجارية والعسكرية تحديداً معها, كونها «ورقة» يمكن اللعب بها, متى ارادت الضغط على الصين أو ابتزازها… دون إهمال مسألة «هونغ كونغ» التي لا تقل لدى الإدارات الميركية المُتعاقبة (كورقة) أهمية عن بحر الصين الجنوبي وتايوان. وهو ما نراه في الأزمة المتصاعدة التي افتعلتها إدارة ترمب مع الصين بعد بدء العمل رسميا بقنون الأمن القومي في هونغ كونغ ومسارعة واشنطن غلى فرض عقوبات على مسؤلين صينيين ما أثار غضب وحفيظة الصين التي هددت باتخاذ إجرءات مضادة ضدد مسؤولين أميركيين, إضغفة الى التصريح الإستفزازي الذي أدلى به بومبيو والذي رأت فيه الصين تدخلاً سافرا وغير مقبول في شؤونها الداخلية.

اعلن بومبيو: عن فرض عقوبات على مسؤولين حاليين وسابقين في الحزب الشيوعي الصيني الحاكم, تعتبرهم واشنطن «مسؤولين أو مُتورِّطين في تقويض درجة الحكم الذاتي التي تحظى بها هونغ كونغ».

الرئيس البيلاروسي «اكتشف» ان الولايات المتحدة والصين تتصارعان من اجل «إعادة تقسيم العالم», واصِفا الصراع بأنه «خطير للغاية»، مُعتبراً أن دولة جديدة قوية ظهرتْ على الخريطة السياسية للعالم, تَحدَّتْ احتكار الولايات المتحدة وهذه الدولة هي جمهورية الصين الشعبية كما قال… مستطرداً: ان واشنطن تشعر بالقلق من ان الصين اصبحت قوة نووية مُستقلة, تستكشف الفضاء وتُنتج اسلحة مدنية. ما يعني فقدان احتكار الولايات المتحدة لهذه المجالات, الأمر الذي – في نظره – أثار حربا تجارية بين البلدين.

لا يختلف اثنان بشأن القلق العميق الذي باتت علية واشنطن, حتى في عهد اوباما وليس فقط عدائية الرئيس الحالي ترمب، إزاء الدور المُتصاعد عالميا للصين, لكن يبقى السؤال الأكثر اهمية: هل تسعى بيجين فعلا لإعادة تقسيم العالم بينها وواشنطن؟ أم ان الصراع الدولي المُحتدم هو حول التفرّد الأميركي في قيادة العالم, الذي بدأ بعد تفكّك الإتحاد السوفياتي وارتفاع منسوب الغطرسة الإمبريالية, على نحو تمثل في تبجّحهم بنهاية التاريخ والإنتصار النهائي للرأسمالية, وغيرها من الإستنتاجات المُتسرِّعة بأن القرن الجديد (21) هو قرن أميركي بامتياز. ناهيك عن اجتياح حلف شمال الأطلسي لدول شرق اوروبا بمنحها عضويته وتحريك قواته نحوها لمحاصرة روسيا, ودائما في تبرير انقلابات وثورات مُلوّنة في دول عديدة, اضافة الى النظرية التي تبنّاها بوش الإبن, عبر شن الحروب الوقائية واسقاط الأنظمة ونشر الديمقراطية وغيرها من الخزعبلات والأساطير, التي لم تلبث أن تصدّعت وباتت آيلة للسقوط, بعد ظهور قوى صاعدة قادرة على لجم العدوانية الأميركية وخصوصاً إفشال مُخطّطاتها وتقديم منطق السلام والحوار على منطق الحروب والإستثنائية الأميركية والتزام القانون الدولي. الأمر الذي دفع الى المقدمة بتوقّعات انحسار الدور الأميركي (الأُحادِيّ والأناني) لصالح نظام دولي جديد برؤوس متعددة, تكون فيه الولايات المتحدة (قطب بين مُتساوِين) وليس قائدا او كاتباً وحيداً لجدول الأعمال الدولي.

تنفي بيجين سعيها للهيمنة والجلوس على مقعد قيادة العالم, كما تُدرك الصين– في ما نحسب – انها غير قادرة على اقتسام العالم مع واشنطن, في ظل ميزان قوى دولي لم يَعد مائِلاً لصالح أَحد, فضلا عن تصدّع المكانة والدور الأميركِييْن, والذي أسهم ترمب بدور كبير في تعجيل حدوثه, بعد الهزائم الأميركية الدبلوماسية والسياسية وخصوصا العسكرية التي خلّفتها الحروب العدوانية الفاشلة التي شنتّها, اضافة الى ان دولاً كبرى وصاعدة مثل روسيا والهند والبرازيل باتت صاحبة دور ونفوذ في المشهد الدولي. وهي امور تزيد من القناعة بأن عالمنا مَحكوم بالمشاركة والتعاون, وإن كانت «الحروب» وسيلة الإمبريالية وحزب الحرب في الغرب الإستعماري, كمحاولة لخلق واقع جديد يَخدم مصالحه ويرفع من أرباحه وايجاد المزيد من الأسواق لتصريف بضائعه ومُنتجات مصانِع السلاح خاصّته.

“الرأي”الأردنية