aren

الصحفي والسياسي والوزير والمفكر … «محمد حسنين هيكل» في ذكرى ولادته
الخميس - 24 - سبتمبر - 2020

التجدد الاخباري

ولد “هيكل” في قرية (باسوس) التابعة لمحافظة القليوبية ، لأب من جذور صعيدية ، وتحديداً (مركز ديروط) بمحافظة أسيوط . حيث كان يعمل تاجراً للحبوب، وكان يرغب في أن يصبح “ابنه” ، طبيباً، لكن الأٌقدار ، اختارت له طريقاً آخر ، وهو الصحافة، ونظراً لظروفه المادية الصعبة ، التحق هيكل بمدرسة التجارة المتوسطة.

قرر هيكل ، تطوير نفسه ، وتحقيق رغبته في العمل بالصحافة، ولذلك واصل دراسته في القسم الأوروبي بالجامعة الأمريكية، وخلالها كانت النقلة ، التي غيرت مجرى حياته.

تعرف هيكل خلال تلك الفترة على “سكوت واطسون” ، الصحافي المعروف بجريدة “الإيجيبشان جازيت”، وهي صحيفة مصرية ، كانت تصدر باللغة الانجليزية، ونجح واطسون في إلحاق هيكل بالجريدة في 8 شباط\فبراير 1942، كصحافي تحت التمرين بقسم المحليات ، وكانت مهمته العمل في قسم الحوادث.

كانت “الإيجيبشان جازيت” ، هي الصحيفة الأجنبية الأولى في مصر، وعندما التحق بها هيكل ، كان عمره 19عاماً، ووقتها أيضاً كانت الحرب العالمية الثانية قد اشتعلت، وزاد توهج الجريدة لتغطيتها أخبار الحرب، وكان دور هيكل ، ترجمة ماتنقله وسائل الإعلام الأجنبية عنها.

هيكل

أول خبطة صحفية

حقق هيكل ، أول خبطة صحافية في حياته بتلك الجريدة ، وكانت خاصة بـ”فتيات الليل”، إذ حدث في تلك الفترة ، أن أصدر عبدالحميد عبدالحق ، وزير الشؤون الاجتماعية – وقتها- قراراً بإلغاء تصاريح البغاء رسمياً، وكان سبب هذا القرار ، إصابة عدد من جنود الحلفاء بالأمراض التي انتقلت إليهم من فتيات الليل، فكان أن اتفق الإنجليز وحكومة “الوفد” على إصدار القرار ، الذي أثار الجنود، كما أثار فتيات الليل ، وتم تكليف هيكل بلقاء فتيات الليل ، حيث حصل منهن على معلومات خطيرة ، هزت الرأي العام حينها.

وبعد نجاح هيكل في تلك المهمة، كانت النقلة الأهم في حياته حين وقع عليه الاختيار ، ليذهب إلى (العلمين)، ليغطي وقائع الحرب العالمية ، الدائرة هناك، وبعدها سافر ليغطي الحرب في “مالطا”، ثم إلى “باريس”، التي التقي فيها بالسيدة فاطمة اليوسف ، صاحبة مجلة “روز اليوسف”، والتي قررت أن تضم الصحافي الموهوب إلى مجلتها، ليصبح هيكل في عام 1944 ، صحافياً في مجلة “روز اليوسف”، وهناك تعرف على (محمد التابعي)، لينتقل معه إلى صفحات “آخر ساعة”.

وتحت إدارة التوأم “مصطفى وعلي” أمين ، قدم هيكل ، أبرع فنونه الصحافية ، وكتب في 13 أب\ أغسطس 1947 ما جعله حديث مصر، حيث قدم تقارير مصورة عن “خط الصعيد”، ولم ينته عام 1947 ، حتى اخترق هيكل وباء الكوليرا ، ليكتب تحقيقاً عن قرية “القرين” ، التي لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها، وهكذا كان طبيعياً أن يحصل الصحافي الشاب “محمد حسنين هيكل” عن جدارة على “جائزة فاروق”، أرفع الجوائز الصحافية بمصر في ذلك الوقت.

انتقل هيكل بعد ذلك للعمل بجريدة “أخبار اليوم” ومع التوأم علي ومصطفى أمين ، والتي شهدت انفرادات هيكل، من تغطيته لحرب فلسطين إلى انقلابات سوريا، ومن ثورة محمد مصدق في إيران إلى صراع الويسكي والحبرة في تركيا، ومن اغتيال الملك عبد الله في القدس إلى اغتيال رياض الصلح في عمان ، واغتيال حسني الزعيم في دمشق.

في 18 حزيران\ يونيو 1952، فوجئ قراء مجلة “آخر ساعة” بـ(علي أمين)، رئيس تحرير المجلة ، يخصص مقاله للحديث عن هيكل، وينهيه بأنه قرر أن يقدم استقالته ، ويقدم هيكل ، رئيساً للتحرير، وهكذا أصبح “هيكل”، رئيساً لتحرير “آخر ساعة”، ولم يكن تجاوز التاسعة والعشرين من عمره.

هيكل وعبد الناصر

هكذا تعرف على عبدالناصر

وبعد قيام ثورة 23 تموز\يوليو 1952، كان هيكل أكثر الصحافيين ، قرباً للرئيس جمال عبدالناصر، ووصلت العلاقة بينهما إلى ما يشبه الصداقة الحميمية ، التي جعلت هيكل ، يتبوأ مكانة كبيرة، مكنته من الاقتراب من دوائر صنع القرار في مصر ، والعالم العربي.

وازدادت العلاقة قرباً بينه وبين جمال عبدالناصر ، ليصبح هيكل بعد فترة ، المتحدث الرسمي باسم “حركة الضباط الأحرار” ، الى جانب العمل الصحفي .

في الفترة من 1956 إلى 1957، عرض عليه مجلس إدارة “الأهرام” ، رئاسة مجلسها ورئاسة تحريرها معاً، واعتذر في المرة الأولى، ثم قبل في المرة الثانية، وظل رئيساً لتحرير جريدة “الأهرام” حتى عام 1974. ساهم الكاتب المخضرم في تطوير جريدة “الأهرام” ، حتى أصبحت واحدة من الصحف العشرة الأولى في العالم, كما أنشأ مجموعة المراكز المتخصصة للأهرام ، ومركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، بالإضافة إلى مركز الدراسات الصحفية ، ومركز توثيق تاريخ مصر المعاصر.

ظهر أول مقال له في جريدة “الأهرام” ، تحت زاوية : بعنوان “بصراحة ” يوم 10 آب\أغسطس 1957 بعنوان “السر الحقيقي في مشكلة عُمان”، و كان آخر مقال له في 1 شباط\فبراير 1974 بعنوان “الظلال.. والبريق”.

في سبيل البقاء كرئيس لتحرير “الأهرام” ، رفض هيكل ، الوزارة أكثر من مرة، حتى اضطر لقبول وزارة الإرشاد ، قبيل وفاة عبدالناصر، وحين اشتُرط ألا يجمع بينها وبين “الأهرام” ، تركها بمجرد وفاة عبدالناصر، ورفض بعد ذلك ، أي منصب ، مهما كان كبيراً ، طالما سيبعده عن “الأهرام”.

وبعد وفاة الزعيم (ناصر)، وتولي محمد أنور السادات ، حكم مصر، وقف هيكل بجانب الرئيس الجديد للتغلب على مراكز القوى، وبعد حرب أكتوبر ، ولخلافات بينه وبين السادات حول تداعياتها ومباحثات فض الاشتباك، خرج هيكل بقرار رئاسي من “الأهرام” عام 1974، وبعدها ، اتجه لتأليف الكتب ومحاورة زعماء العالم، وتم ترجمة كتبه إلى 31 لغة.

ونتيجة لكتبه ، التي كان ينتقد فيها سياسات السادات ، اعتقله الرئيس الراحل ضمن اعتقالات سبتمبر 1981، وخرج بقرار من الرئيس حسني مبارك ، وبعدها اعتكف هيكل ، وإن واصل إنتاج الكتب والمؤلفات.

هيكل وطلال سلمان

استأذن في الانصراف.. وتراجع

اعتزل هيكل ، الكتابة المنتظمة والعمل الصحافي في 23 أيلول\ سبتمبر 2003 بعد أن أتم عامه الثمانين، وكتب مقالاً مثيراً ، تحت عنوان : “استئذان في الانصراف”، إلا أن حاسته الصحافية وعشقه للكتابة ، طغى عليه، فعاد ليواصل عطائه الصحافي سواء في كتابة المقالات ، أو تقديم حلقات تليفزيونية للفضائيات العربية ، والمصرية.

لم يقتصر عمل هيكل على العمل الصحافي المعروف ، بل اتجه للتحليل ، ومحاورة زعماء العالم ، ومنهم الرئيس الفرنسي الراحل “فرانسوا ميتران، وامبراطور اليابان، والخميني”، وعدد من الرؤساء والزعماء السياسيين العرب والدوليين، وهو ما مكنه من الوصول إلى وثائق وأرشيفات غاية في الأهمية، فبدأ بإصدار سلاسل من الكتب السياسية المتميزة.

شارك “محمد حسنين هيكل” في الحياة السياسية ، حيث تولي منصب وزير الإرشاد القومي عام 1970م، وذلك تقديراً لظرف سياسي وعسكري استثنائي بسبب حرب الاستنزاف بعد أن تكرر اعتذاره عنه ، مرات عدة .

شهد “حسنين هيكل” ، الحياة السياسية في مصر بفتراتها المتفاوتة، وعلى الرغم من صداقته الشديدة للرئيس الراحل “جمال عبد الناصر”، إلا أنه اختلف مع “السادات” حول التعامل مع النتائج السياسية لحرب أكتوبر حتى وصل الأمر إلي حد اعتقاله ضمن اعتقالات ايلول\ سبتمبر 1981م.

يُعد هيكل ، أحد ظواهر الثقافة العربية في القرن العشرين، كما أنه مؤرخ للتاريخ العربي الحديث وخاصةً تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي,

حيث قام بتسجيل سلسله من البرامج التأريخية على قناة “الجزيرة” القطرية ، ولديه أيضاً تحقيقات ومقالات للعديد من صحف العالم في مقدمتها “الصنداي تايمز” والتايمز” في بريطانيا ، كما قام بنشر ، أحد عشر كتاباً في مجال النشر الدولي ما بين 25- 30 لغة ، تمتد من اليابانية إلى الأسبانية.

 قرر الكاتب المخضرم “محمد حسنين هيكل” ، اعتزال الكتابة المنتظمة ، وهو في أوج مجده عام 2003م،  وذلك بعد أن أتم عامه الثمانين ، وأثار ضجة كبيره بمقاله الوداعي ذو الجزئين، إلا أنه عاد إلى جريدة الأهرام بنفس العمود الأسبوعي “بصراحة” في أعقاب ثورة 25  يناير، التي أطاحت بنظام الرئيس السابق “مبارك”.

تزوج “حسنين هيكل” من السيدة “هدايت علوي تيمور” في يناير 1955م، هي حاصلة على ماجستير في الآثار الإسلامية ، ولديهم ثلاثة أولاد ، هم : “علي هيكل” طبيب أمراض باطنية وروماتيزم في جامعة القاهرة، و”أحمد هيكل” رئيس مجلس إدارة شركة القلعة للاستثمارات المالية، و”حسن هيكل” رئيس مجلس الإدارة المشارك والرئيس التنفيذي للمجموعة المالية (هيرميس).

قدم هيكل للمكتبة العربية ، عشرات الكتب والمراجع السياسية ، أبرزها: “خريف الغضب”

 “عودة آية الله”

“الطريق إلى رمضان”

“أوهام القوة والنصر”

“أبو الهول والقوميسير”.

 بالإضافة إلي 28 كتاباً باللغة العربية من أهمها :  

“حرب الثلاثين سنة”

 “المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل”

“ملفات السويس”

“لمصر لا لعبد الناصر”

“العروش والجيوش”.

حاز القابا كثيرة منها :

كاتب السلطة – صديق الحكام – “صانع الرؤساء” – “مؤرخ تاريخ مصر الحديث”

كمثل يوم 23 أيلول\ سبتمبر 1923م ، ولد الكبير “محمد حسنين هيكل” ، وفي يوم الأربعاء 17 شباط\ فبراير عام 2016 ، توفي “هيكل” بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 92 ، حيث نعاه الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي”، ورؤساء العالم العربي