aren

الصحافة الاعتقالية في السجون السورية \\ بقلم : ماجد حبو
الأحد - 24 - أكتوبر - 2021

تاريخ الاعتقال السياسي في سورية ، ليس بالتاريخ القديم ، عندما نتحدث عن الدولة السورية بالمعنى الحديث . المحاولات الأولى ، بدأت مع الاحتلال الفرنسي والاعتقالات ، التي طالت الرعيل المؤسس للثورات السورية المتعاقبة منذ العشرينيات من القرن الماضي ، حيث كانت السجون السورية ، تعج بالمناضلين السوريين في : سجن القلعة بدمشق , المزة , الشيخ حسن , سجن هنانو في حلب , أو سجن جزيرة أرواد ، مقابل مدينة طرطوس …

وحفظ لنا التاريخ السياسي لهؤلاء المناضلين ، صنوف نضالهم الوطني وظروف اعتقالهم ، ومعاناتهم :

ياظلام السجن خيم            اننا نهوى الظلام

ليس بعد الليل الا              فجر مجد يتسامى

والتي قالها العديد من المناضلين ، وتنسب الى الشاعر الفلسطيني الشهيد (عبد الرحيم محمود ), أو للشهيد (محمد أبو جمجوم)، عندما أبلغه مدير السجن في “عكا”، هو ورفاقه : (عطا الزير وفؤاد حجازي) بقرار الأعدام . حيث قاموا بترديد النشيد . ويرى البعض بأنها تنسب للسياسي والوطني السوري “عبد الرحمن الشهبندر” , أو الشاعر السوري “بدر الدين حامد “, لكن ثمه من يشير الى أن الأخ غير الشقيق لـ(حامد)، وهو الصحفي السوري الشهير (نجيب الريس) 1898 – 1952 ، حيث قام بتأليفها عام 1922 ، أثناء اعتقاله في سجن أرواد , ثم دارت على آلسنه كل المناضلين ضد الاحتلال ، والديكتاتورية .

في التاريخ الحديث للدولة السورية بعد خروج الاحتلال الفرنسي من سورية 1945 ، لم يشكل المعتقل السياسي ، ظاهرة مستدامة في الحياة السياسية السورية ، “حالة عابرة قصيرة ومؤقته ” في زمن الوحدة السورية المصرية ، كانت أطول فترة اعتقال (سنتين ونصف) تقريبا – .

التجربة الأبرز في المعتقل السوري ” ضرورة التمييز بين المعتقل والسجن – فالأخير هو مختص بالجرائم والجنح المدنية , بينما الأول فهو حكر للنشاط السياسي المحظور” ، بدأت مع مطلع الثمانينات من القرن الماضي في ظل النزاع المسلح بين السلطة وتنظيم الأخوان المسلمين في سورية ، ومارافق ذلك من اعتقالات ، طالت كل الحياة السياسية من كل الأحزاب والقوى السياسية على خلفية الموقف من ذلك النزاع , والتي أمتدت الى عشر سنوات بالحد الأدنى ، وتسعة عشر عاما بالحد الأقصى للأحزاب والقوى السياسية بشكل عام ، بغض النظر عن بعض النشطاء السياسيين بشكل شخصي !!!

كانت التقارير والتقديرات السياسية ، تشير الى رقم اربعة عشر الف معتقل سياسي في سورية ، البالغ عدد سكانها اربعة عشر مليون نسمة ” بنسبة واحد بالآلف ” والسمه العامة للمعتلقين ، هي العنصر الشبابي , وغياب الخبرة الاعتقالية في ظل فقدان أي تراكم معرفي للمعتقل ، وشروطه .

غلب الأنفعال والحماسة على حياة وسلوك المعتقلين , وطغيان التجاذبات السياسية الحادة ، والتي تم نقلها سلفا من الحياة السياسية العامة في المجتمع الى داخل المعتقلات. غياب أي تصورات مسبقة ، وتراكم خبرات لدى المعتقل , عدم وضوح أي تصور مسبق لزمن الأعتقال . ” كان الاعتقال يتم وفق القانون العرفي وبغياب أي حكم قضائي أو حتى عرفي وبمدد زمنية مفتوحة ….”، وبالتالي كان المعتقل مهيئا بأي لحظة للخروج من المعتقل !!! مما لم يفسح للمخيلة بتصور ذهني لتنظيم حياتهم الأعتقالية .

كانت الغلبة في النشاط ، هي للحركة السياسية الحزبية بالدرجة الأولى, مما طبع كل النشاط العام للمعتقلين بذلك الصبغة ( ومن ضمنها الصحافة الأعتقالية ) .

عش ليومك ….كأنك تموت غدا

وعش لآخرتك …. كأنك تعيش ابدا .

هكذا كان العنوان الأساسي ليوميات المعتقل , والأستثناء الوحيد ، كان ينصب على مستويين :

الشخصي : بالحفاظ على السلامة الجسدية في مواجهه المعتقل .

السياسي : بالحفاظ على الخط السياسي – الحزبي في ظل التناحرات البينية ، وفي مواجهه السلطة كخصم أولي ، وأساسي .

التجارب الأولى ، بدأت مع النشرات الحزبية والتنظيمية الداخلية بين أعضاء الحزب الواحد ، لتحديد الموقف السياسي المطلوب في مواجهه ” الخصوم السياسين داخل المهجع الواحد”, الرسائل ذات الطابع السياسي – الأمني للموقف المطلوب في مواجهه ” المساومات السياسية – الأمنية ” كشرط أساسي وأولي للأفراج عن المعتقل .

تطور النشاط من خلال بعض النشاطات ” الحزبية “، كأرسال الموقف السياسي – الحزبي” الى الحزب بالخارج، كموقف محدد من المعتقلين أنفسهم , أو صور وتعبيرات نضالية ” للصمود ” داخل المعتقلات ، ليتم نشرها في الصحافة الحزبية الخارجية .

وتطور الحراك الى تنظيم ” ندوات حزبية ” لتحشيد الموقف – صحافة شفهية – مقابل ارتفاع وتيره المساهمات المكتوبة ” لتصوير حالة المعتقل ، والرد النضالي المطلوب في مواجهته والتي كان يتم تدواولها بين المعتلقين أنفسهم قبل ارسالها الى الخارج ” كوثيقة أو شهادة معتقل ” .

في منتصف التسيعنيات 1993-1996 ، تم تقديم المعتقلين السياسين السوريين الى ” محكمة أمن الدولة”، وهي محكمة غير دستورية وقانونية ، للبت في شأن اعتقالهم المديد … ، وفي ذلك السياق أتيح للمعتقلين ، تقديم “مرافعاتهم” في جلسة الاتهام للرد عليها. وهنا ، تشكلت حالة صاخبة من النشاط السياسي – الأدبي في ” المرافعات السياسية – الحقوقية “.

من الجدير ذكره ، بأن الحق في الأقلام والورق ، لم يتم بشكل تلقائي ،، بل استلزم الأمر ” اضرابات عده عن الطعام لمده سبع سنوات حتى تم الحصول عليها ” وكان هذا الحق موضع مساومه في كل عقوبة تفرض بحق المعتقلين .

لم ترتقي الصحافه الاعتقالية في المعتقلات السورية الى صيغتها الاحترافية المنهجية والمنظمة , بل بقيت في طورها البدائي والابداعي الفردي , على الرغم من بعض التجارب الثمينة والعميقة للبعض في هذا السياق ، وبالأخص ” أدب السجون ” .

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها