aren

السياسة الروسية و العرب \\ بقلم : د. حسام العتوم
الخميس - 13 - يناير - 2022

للعروج على السياسة الروسية وسط العرب، يتطلب الأمر تقسيم المنطقة العربية إدارياً إلى (الجزيرة والمنطقة الشامية وشمال أفريقيا)، وهو الذي من شأنه أن يسهل وضع كل منطقة تحت مجهر التحليل السياسي الموضوعي والمنصف للعلاقة الرابطة بين الاتحاد السوفيتي وروسيا المعاصرة من جهة وبين البلاد العربية الواسعة. وبالمناسبة، يحتل العرب المرتبة الثانية من حيث المساحة الجغرافية عالمياً بعد روسيا الاتحادية (أكثر من 17 مليون كم2 لروسيا مقابل حوالي 14 مليون كلم2 للعرب)، ويتفوق العرب على روسيا بعدد السكان ( 437 مليون نسمة للعرب مقابل 145 مليون نسمة لروسيا).

والعلاقات السوفيتية بقيادة روسيا الاتحادية بدأت مع العرب عام 1926، عبر المملكة العربية السعودية وبواسطة روسيا القيصرية وقتها في القرن العشرين.

ودخلت منطقة الجزيرة العربية مرحلة علاقات بطيئة ومعقدة مع الاتحاد السوفيتي لحزمة من الأسباب الإسترتيجية العميقة، من أهمها وفي صدارتها الفجوة الأيدولوجية الفكرية الدينية، ففي بلاد السوفيت وبعد نجاح ثورتهم البلشفية عام 1917، صعدت المؤسسة الاشتراكية – الشيوعية على شكل حزب، وسجل النجاح للاشتراكية فقط، وعرفت الجزيرة العربية بتشددها الديني الاسلامي السني – إن صح التعبير- وبحكم تمركز المقدسات الإسلامية الهامة فيها (المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة الى جانب المسجد الأقصى في القدس، ولمنافستها لإيران على زعامة العالم الإسلامي بقوة وقدسية موقعها الديني، وبسبب الأغلبية الدينية للسنة بالمقارنة مع الشيعة – (1,8 مليار مسلم تقريبا منهم حوالي 90% من السنّة، أي 1,5 مليار مقابل حوالي 10% شيعه أي حوالي 340 مليون)، وشكّلت الحرب الباردة بين السوفييت وحلف (وارسو) العسكري من جهة، والغرب الأمريكي وحلف (الناتو) من جهة أخرى، بعد قرار واشنطن عام 1945، في أعقاب الحرب العالمية الثانية (العظمى) الانفصال عن جبهة السوفييت المنتصرة، وبقوة على النازية الألمانية بقيادة (أودولف هتلر)، وتشكيل قطب أوحد غربي مواجِه، ومُصعد لسباق التسلح، بهدف السيطرة على أركان العالم كافة، وذهاب الولايات المتحدة الأمريكية إلى أبعد من ذلك، عبر التخطيط لقصف البلاد السوفيتية الناهضة بالسلاح النووي عام 1949، لولا تنبهها لامتلاك سلاح نووي مقابل رادع بعد نصرها الساحق، ورغم مساهمتها بقوة إلى جانب أمريكا وبريطانيا، في تشكيل مؤسسة الأمم المتحدة عام 1945 نهاية الحرب العالمية الثانية، لضبط إيقاع مسار العالم وأزماته المتجددة وفقا لأحكام القانون الدولي.

ومن الأسباب الأخرى التي شنّجت العلاقات بين الجزيرة والسوفييت في عمق التاريخ المعاصر، الحضور الوهابي إلى جانب المقاومة الأفغانية المسلمة، وبمساعدة أمريكا والتعاون المشترك بهدف التخلص من السوفييت من أفغانستان بعد دخولهم إلى هناك عام 1979 في أتون الحرب الباردة وتصاعد سعيرها، وهو الذي حصل فعلا عام 1989، وتناغم مع عمق العلاقات الأمريكية مع شبه جزيرة العرب منذ عام 1933. والمعروف بأن أمريكا لم ولن تقبل بأقل من منافسة السوفييت وروسيا المعاصرة على المكانة الاستراتيجية لشبه الجزيرة – سلة خير العرب – بحكم إمكاناتها الاقتصادية الضخمة البترولية والغازية والطاقة عموماً. فالسعودية لوحدها تشكل ثاني أكبر احتياط بترولي في العالم بعد فنزويلا (42) مليار متر مكعب، وتمتلك قطر ثالث احتياطي غاز في العالم (10%) من احتياطي العالم بعد روسيا وإيران منذ عام 1971.

وفي مجال المصادر المعدنية والمائية، وعلى الموقع الديني المتميز وعلى صعيد الحجيج لبيت الله والسياحة الدينية. والاهتمام الروسي بالجزيرة ينسحب على كل العرب بطبيعة الحال.

وفي التسعينيات، قلقت روسيا الاتحادية، ورغم مواصلة دول الجزيرة العربية علاقاتها الدبلوماسية معها، من ضلوع (الجزيرة) ومن زاوية أيدولوجية بحروب القفقاس المتتابعة، وهو الأمر الذي وضعت أمريكا عينها عليه، ورغبت وقتها باستثماره لصالحها ولإختراق روسيا من الداخل والوصول إلى عمقها وتمزيقها، وهو ما حذر منه الرئيس فلاديمير بوتين، عندما صرح في مؤتمره الصحفي والإعلامي والشعبي الأخير 2021، في موسكو من وسط قصر (الكرملين) الرئاسي؛ بأنه يصعب الانتصار على بلاده روسيا من الخارج، وقصد التعادل النووي العسكري مع أمريكا، وفي مجال القوة الصاروخية البالستية النووية، بينما من الممكن اختراق بلاده من الداخل – حسب قوله- بالتعاون مع أعداء الخارج، وقصد أمريكا وحلفها العسكري الغربي (الناتو) رغم وصفه أمريكا بالحليف الاستراتيجي وفي مجال الرقابة على الصناعات النووية العسكرية الروسية. وفي الجوار الروسي – والكلام هنا لي – أمثلة حية على قول بوتين هذا نلاحظها في (أوكرانيا و جورجيا و حاليا في كازاخستان).

واستمرت العلاقات الروسية مع جزيرة العرب في مد و جزر، ووضعت روسيا الاتحادية نصب أعينها أهمية الفصل بين المحاور السياسية والدينية الأيدولوجية رغم ما لديها من حضور ديمغرافي اسلامي يناهز العشرين مليون نسمة، وبين الاقتصاد الواجب استثماره لمصلحة الجانبين الروسي والعربي في شبه الجزيرة، ومن زاوية قيادتها لنظرية عالم الأقطاب المتعددة والأصل أن تكون متعاونه خاصة والجزيرة غنية بمصادرها الطبيعية مقابل وصول روسيا إلى مرحلة التطور التكنولوجي وتحديدا في مجال المفاعلات النووية السلمية التي زودتهم بها بكميات كبيرة في المملكلة العربية السعودية منها فقط 16 مفاعلا من نوع (فير)، وفي الأمارات عام 2012، وفي مجال السلاح التقليدي المتطور والنوعي. ومما سرع في تقريب روسيا من عرب الجزيرة حادثة 11 سمبتمبر في واشنطن و النيويورك عام 2011 التي اتهم الشرق الأوسط بأسبابها، والأشتباك السياسي واللوجستي والعسكري وسط الأزمة السورية الدموية التي اجتاحها التطرف، وحركات الجهاد، وحتى الإرهاب من 80 دولة عالمية وشرق أوسطية مع اندلاع الربيع العربي ومنه السوري عام 2011، بحجة الدفاع عن الشعب السوري المكلوم من (نظامه السياسي) وتحت مظلة الفوبيا الروسية، وتحويل الرهاب غير المبرر ضدها الى صبغة ممارستها، أي روسيا (للإرهاب) , وهو محض هراء و سراب وغياب لصورة الأعلام الموضوعي الدقيق.

والمعروف هو أن النظام السوي ومعه روسيا الاتحادية عانوا من الإرهاب والتطرف المجند على أراضيهما والمهاجر اليهما، تماما مثل الشعب السوري نفسه، الذين اتهموا بالتطاول على كرامته وأمنه الأنساني وحريته، رغم وجود ملاحظات قانونية وأخرى ذات علاقة بحقوق الإنسان سجلها ضد النظام السوري مرصد المعارضة السورية الذي كان صوته مسموعا طيلة الأزمة ذاتها، وكان لروسيا ولازال صولات سياسية وعسكرية وأمنية وعلى شكل مساعدات إنسانية وطبية وثقافية منذ عام 2015، وجهود ملاحظة وبالتعاون مع الأردن وأمريكا في موضوع فتح مناطق لخفض التصعيد في جنوب وشمال سوريا بهدف إعادة اللاجئ السوري الى عمق وطنه طوعا بعد تأمينه بالبنية التحتية اللازمة لذلك.

وبالمناسبة، فإن الاتحاد السوفيتي وروسيا المعاصرة لم تقتربا من شبه جزيرة العرب مرة واحدة، ففي الذي اقترب في السوفييت من العربية السعودية عام 1926, ومن اليمن عامي 1927 و1991، واقتربو من الكويت عام 1963، ومن الإمارات عام 1971، ومن البحرين عام 1991، ومن سلطنة عمان عام 1985، ومع قطر عام 1988 , وعلاقات مماثلة استراتيجية مع مجلس التعاون الخليجي الذي نطمح نحن العرب بتحويله مستقبلا الى مجلس للتعاون العربي الاقتصادي ليترجم قرارات الجامعة العربية الى واقع مفيد للدول العربية الفقيرة خاصة والمديونة للبنك الدولي .

والجزيرة العربية مؤهلة اليوم أكثر من غيرها من مناطق العرب الشامية وفي شمال أفريقيا لإعادة إحياء صيحة ونداء ملك العرب وشريفهم صوب الوحدة العربية الحقيقية بعد قيادته في التاريخ المعاصر لثورة عربية هاشمية مجيدة عام 1916 هدفت لبناء بلاد الشام والدولة العربية الواحدة، وهي التي أحبطت الصهيونية مشروعها وعبر الأستعمارين الإنجليزي والفرنسي ممثلان بـ ( سايكس – بيكو 1916 ) ووعد بلفور 1917.

كتب سليمان الموسى في مؤلفه (الحركة العربية – سيرة المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة 1908 – 1924 ص694-695) بأن الملك حسين، وقصد شريف العرب ومفجر ثورتهم الكبرى دعا للوحدة، بعلم واحد، ونقد واحد، وجوازات سفر واحدة، ومصالح اقتصادية واحدة، وجيش واحد.

والملاحظ هنا بأن الزيارات الرئاسية بين روسيا الاتحادية و الجزيرة العربية نشطت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي منذ عام 1994، عندما زار رئيس وزراء روسيا جيرنوميردين الرياض، تبعها زيارة مماثلة رفيعة المستوى للرئيس فلاديمير بوتين عام 2007، قلّد خلالها قلادة الملك عبدالعزيز عالية الشأن، من قبل الملك عبدالله بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين وقتها، وفي عام 2007، زار الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع السعودي موسكو، تبعه بندر بن سلطان أمين عام المجلس الوطني 2008، ومقرن بن عبد العزيز رئيس الاستخبارات 2009، والأمير محمد بن سلمان 2017، والملك سلمان بن عبد العزيز 2017، والرئيس بوتين مجددا عام 2019، محتفظا بتوقيت موسكو في الرياض وبتحدثه باللغة الروسية اعتدادا ببلاده العظمى التي قدم منها.

وزيارات مماثلة لكل من ملك البحرين لموسكو حمد بن سلمان ال خليفة عام 2016 وتقليد بوتين سيف الملك الذهبي، ولمحمد بن زايد ال نهيان ولي عهد أبوظبي لموسكو عام 2018، وزيارة للرئيس بوتين للأمارات عام 2019، وهدية لسيادته من قبل ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد وهي عبارة عن صقر أبيض، ومن عادة الرئيس بوتين أن يرد الهدية بمثلها وفوراً.

وعرفت السياسة الخارجية الروسية بوسطيتها واعتدالها، وكذلك الأمر في منطقة الخليج العربي ووسطه، وموقف وسطي روسي بين السعودية واليمن في حربهما، ودعوة للحوار، وأخرى للقوى الخارجية بضبط إيقاعهم وتدخلاتهم، ودور وسيطي روسي أخر مماثل عبر عنه وزير خارجيتها سيرجي لافروف، أثر اندلاع أزمة خليجية عاصفة بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأولى عام 2017 للعربية السعودية، وتوقيع صفقة اقتصادية مليارية كبيرة (350) مليار، ومنها شمل الجانب العسكري .

بعيداً قليلاً عن حدث ( كازاخستان) ورغم أهميته وسخونته هذا العام 2022، وهو المحتاج لتحليل عميق في قادم الأيام من قبلي، وهو ما سيكون بعد انتهائي من الحلقة الثالثة في موضوع السياسة الروسية والعرب، وفي هذه الجولة سوف اسلط الأضواء على المنطقة الشامية وسط بلاد العرب والعلاقة مع الاتحاد السوفيتي وروسيا المعاصرة، وهي التي رغبت ثورة العرب الكبرى الهاشمية عام 1916 بقيادة ملك العرب وشريفهم الحسين بن علي بتوحيدها أولاً، ثم توحيد بلاد العرب، وهي التي أدخلت إليها عام 1924 الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.

وعودة على العلاقة السوفيتية والروسية مع المنطقة الشامية، ألفت الانتباه هنا إلى أن الأقتراب السوفيتي تزامن بوصوله من العراق وسوريا بداية في منتصف اربعينيات القرن الماضي، لأسباب ذات علاقة مباشرة بالحرب الباردة التي استشعر سعيرها السوفييت مبكراً مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية الإنفصال عن الجبهة السوفيتية المنتصرة بقيادة جوزيف ستالين على النازية الألمانية بقيادة أودولف هتلر عام 1945، وبعد رفع العلم السوفيتي فوق الرايخ الألماني النازي، وهو الأمر الذي أعطى مؤشراً جاداً على نهوض الجبروت السوفييتي الشرقي المواجه للغرب وقتها، ولرغبة أمريكا بتشكيل قطب أوحد يسيطر على أركان العالم ومنه السوفيتي، وما يستجد عبر انشطاره إلى الأمام، ومن خلال تصعيد سباق التسلح بوتيرة متسارعة ملاحظة.

وإلى العراق قدم الاتحاد السوفيتي مبكراً لتأمين المعدات العسكرية الأمريكية و البريطانية وغيرها لطرفه أبان الحرب العالمية الثانية التي أطلق عليها (العظمى) في الفترة الزمنية الواقعة بين عامي 1941 و1945، وحط السوفييت قدمهم الأولى في بغداد عام 1944، وساهموا بقوة في بناء بنيته التحتية، لدرجة عندما كنت أزور بغداد و دمشق في نهايات عهد حافظ الأسد، كنت أشاهد ما يشبه البنية التحتية في روسيا السوفيتية مثل الجسور والأنفاق، ووقف السوفييت الى جانب العراق في الوقت الذي وقفت فيه أمريكا الى جانب إيران في الحرب العراقية – الإيرانية 1980 1988، وبلغ حجم المبيعات العسكرية السوفيتية المقدمة للعراق قبل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أكثر من 30 مليار دولار. وجرى دراسة مستقبل العراق وجاهزيته لمواجهة حرب شاملة في اجتماع خاص جمع الروس والأميركان بعد أحداث 11 سمبتمبر عام 2001، وهو ما أكده سفير روسيا الاتحادية حينها (تيتورينكا).

ولعبت روسيا بوتين دوراً بارزاً لإبعاد شبح حرب متوقعة على العراق وبهدف إسقاط عاصمته (بغداد) من قبل حلف (الناتو) العسكري بقيادة أمريكا عام 2003 بحجة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وهو الذي ثبت عدم صدقه وتحول إلى خدعة سياسية دولية، وإلى العاصمة العراقية تحرك (يفغيني بريماكوف) المبعوث الخاص للقيادة الروسية والتقى الشهيد لاحقا الرئيس و الزعيم العربي الكبير (صدام حسين) للعدول عن التصدي لفرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة وللذهاب إلى قيادة حزب البعث، بدلاً من التمسك برئاسة العراق، وهو الذي رفضه صدام من منطلق قومي، ووقع الفأس بالرأس وسقطت بغداد ليس بيد أمريكا فقط، ولكن في الشباك الإيراني لينقسم العراق بعد ذلك إلى سنة وشيعة خارج الإطار الوطني والقومي المعهود. وأدانت روسيا إعدام صدام.

وإلى سوريا وصل الاتحاد السوفيتي عام 1944 في عهد الرئيس (ليونيد بريجينيف) عندما كان (شكري القوتلي) رئيسا لسوريا، وتطورت العلاقات السوفيتية بشكل ملاحظ في عهد الرئيس (حافظ الأسد)، والسوفييت أدانوا سقوط الجولان (الهضبة العربية السورية) بيد إسرائيل والاحتلال الإسرائيلي لأراضي العرب عام 1967، وهددوا عبر وزير خارجيتهم (أندريه غرميكو) بقطع العلاقات مع اسرائيل، وفي حرب تشرين 1973، وقف السوفييت بسلاحهم الصاروخي الباليستي علناً إلى جانب سوريا، وحقق النصر في المعركة وبجهد عربي وأردني ملاحظ عودة جزء من مدينة القنيطرة الجولانية، وبعد دخول هيجان الربيع العربي إلى سوريا وتحوله الى ثورة دموية اختلط نسيج المعارضة بالمواطنين السوريين الآمنين، وزج الإرهاب بنفسه إلى داخل الأزمة قادماً من 80 دولة، وبعد فشل التدخل الأمريكي بداية في الأزمة ذاتها ومن دون دعوة من النظام السوري، وبعد إقحامهم للعرب فيها ولكي يشكلوا صدارتها عام 2011، ارتفعت ألسن الإدانة لنظام دمشق من معظم جهات العرب والعالم وفي مقدمتهم أمريكا وفرنسا وتركيا، من دون الاعتماد على لجان تقصص للحقائق، وإدانة للنظام السوري نفسه من مرصد حقوق الإنسان في سوريا، ومراهنة لروسيا من زاوية الحسابات الجيوسياسية من منطقة البحر المتوسط بدأت عام 2014، وفوبيا روسية لاحقت الدور الروسي في سوريا رغم قدومه بدعوة عام 2015 في زمن الرئيس بشار الأسد، وهو ما أطلق عليه رهاب غير مبرر ولا يشبه الإرهاب، ولا يستهدف المواطنيين السوريين.

والعقلية الروسية والعسكرية في الحرب السورية لم تضع المواطن السوري هدفاً معادياً لها، وتصريح لـ (بوتين) حول تجريب السلاح الروسي في وسط الأزمة السورية فُسر في غير مكانه، ولم يعنِ استهداف مواطني سوريا، وهي التي قدمت لمساعدته، وأثبتت ذلك عبر المساعدات الإنسانية والطبية ومعسكرات الشباب السوري في العمق الروسي، وعبر تشكيل مناطق لخفض التصعيد في جنوب وشمال سوريا. والرئيس (بشار الأسد) أكد على أن الأخطاء العسكرية في حرب بلاده كانت واردة وغير مقصودة.

وإلى فلسطين، دخل السوفييت في عهد جوزيف ستالين عام 1948 معترفين أولا بما يسمى حالياً بإسرائيل لنشر الاشتراكية التي نجحت مؤقتا وسط العرب، وفشلت مظلتها الشيوعية قبل وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 رغم انتشاره على شكل أحزاب في ربوعنا، وارتكزوا على قرار تقسيم فلسطين عام 1947 رغم رفض العرب للقرار ولكل ملف التقسيم، كون أن فلسطين كلها عربية كنعانية التاريخ وعاصمتها القدس يبوسية المنشأ منذ قبل التاريخ في عمق الزمن القديم شاهد العيان. وعملت الولايات المتحدة الأمريكية على تحييد الاتحاد السوفيتي وبعده روسيا الاتحادية عن القضية الفلسطينية العالقة من دون دون إنصاف رغم عدالتها كما وضوح الشمس، وتحول الاتحاد السوفيتي وروسيا إلى معارضة للحضور الاحتلالي الإسرائيلي على أرض فلسطين العربية – إن صح التعبير- رغم اعترافهم بالكيان الإسرائيلي على شكل دولة عبر الأمم المتحدة إلى جانب عدد من دول العالم التي التفت الصهيونية عليهم مبكرا. وأصبحنا نلاحظ وقفات شجاعة للاتحاد السوفيتي ولروسيا أيضا في حروب اسرائيل مع العرب في الأعوام 1956 و 1967 و1973، في وقت ساند فيه السوفييت حرب عام 1948 التي هدفت لبناء اسرائيل هنا في فلسطين، ولتشجيع المد اليهودي والاشتراكي صوبها، وهو الذي أكده المفكر الروسي (يفغيني بريماكوف) في كتابه ” الشرق الأوسط على المسرح وخلف الكواليس”. وواصل الروس نهج السوفييت في الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، ومع تجميد المستوطنات اليهودية غير الشرعية فوق أراضي العرب، ومع دراسة حق العودة والتعويض في الحلول النهائية لقضية فلسطين ذاتها.

وفي لبنان، افتتح الاتحاد السوفيتي قنصلية له عام 1939، وعلاقات دبلوماسية رسمية انطلقت عام 1944، وزيارة هامة لموسكو قام بها الشهيد (رفيق الحريري)، تكررت عامي 2001 و2003، وزيارة مماثلة لـ (سعد الحريري) لموسكو عام 2021، إلتقى خلالها وزير الخارجية (سيرجي لافروف)، وفي عام 2006، وقفت روسيا إلى جانب ضبط الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت عشر سنوات، ونشاط ثقافي روسي لبناني ناجح وملاحظ، وللدبلومسية الروسية في لبنان أيضاً.

ومع الأردن، بدأ ماراثون العلاقات السوفيتية في عهد (نيكيتا خرتشوف) والملك (الحسين) العظيم الراحل، عام 1963 وسط أتون الحرب الباردة، وسعير سباق التسلح مع بين الغرب الأمريكي وحلف (الناتو) العسكري من جهة وبين السوفييت وحلف (وارسو) من جهة أخرى، سبق ذلك رغبة أردنية بالتحرك تجاه السوفييت عام 1956، عندما كان الشيوعي (سليمان النابلسي) رئيسا للوزراء، وشكل الأردن حينها حلقة وصل بين واشنطن وموسكو بعدما كان السوفييت يعتمدون على يوغسلافيا وسوريا، واستفادت أمريكا من موقف الأردن في إدانة الاتحاد السوفيتي ولو متأخرا عام 1983، بسبب إسقاطهم لطائرة ركاب كورية قادمة من أمريكا فوق منطقة سخالين السوفيتية. وأكثر من زيارة (للحسين) الراحل لموسكو وليننغراد وسوتشي بين عامي 1957 و1978، زرع خلالها شجرة للصداقة في حديقة (ديندراري) المشهورة، وحديقة تحمل اسم (الحسين) في غروزني عاصمة الشيشان، وأخرى تحمل اسم (أحمد قاديروف) في عمان، وزيارات لجلالة الملك عبد الله الثاني سنوية لموسكو منذ عام 2001، وفرقتين (لماسييف) و(الويناخ) عزفتا في عمان، وحجم تبادل تجاري أردني – روسي وصل إلى نصف مليار دولار.

وتحتل اللغة الروسية المرتبة الثالثة في الشارع الأردني، وتدرس في الجامعتين الأردنية واليرموك وفي المركز الثقافي الروسي، ومنح سوفيتية وروسية لطلبة الأردن تجاوزت الـ 20 ألف منحة. وطلب روسي حديث عام 2021 بتسمية شارع بعمان بإسم (يفغيني بريماكوف)، أتمنى أن يوازيه طلب أردني بتسمية شارع في موسكو بإسم (الملك حسين) فاتح العلاقات الأردنية – السوفيتية، إلى جانب (نيكيتا خرتشوف). وأول سفير أردني في موسكو كان (الدكتور جميل التوتنجي) والحالي (خالد الشوابكة)، وأول سفير سوفيتي بعمان هو (رفيق نيشانوف) والسفير الروسي الحالي هنا هو (غليب ديسياتنيكوف)، وأندية أردنية ذات علاقة بالشأنين السوفيتي والروسي مثل (ابن سينا) و(جمعية الصداقة) و(نادي السيدات الروسيات) و(الشبيبة).

“عمون”الأردني