aren

السودان: استقال «حمدوك».. هل يُعيد «الانقلابيون» إنتاج نظام «البشير»؟\\ كتابة : محمد خرّوب
الخميس - 6 - يناير - 2022

كما كان مُتوقّعا.. سقطَ رهان الجنرالات, مُواصلة الاتكاء على شخصية مَدنِية «وازنة» باستقالة عبدالله حمدوك.. خصوصاً منذ رفضَ الشارع السوداني وقواه الثورية, «عودة» حمدوك «مُكبّلاً» بشروط العسكر إلى رئاسة الحكومة, إثر الانقلاب العسكري «25/10»… ما أسهم من بين أمور أخرى في رفع الغطاء «المدني» عن الانقلابيين, الذين ظنوا بعدما فرضوا شروطهم على الرجل/حمدوك, الذي راهنت عليه قوى المعارَضة, ووقفت إلى جانبه داعِمة ومُطالِبة بعودته و«فريقه الوزاري» إلى مواقعهم. لكنه/حمدوك من أسف.. عاد الى منصبه «وحيداً» و”قابِلاً» إدخال تعديلات جوهرية على الوثيقة الدستورية, ما أراح الانقلابيين وعلى رأسهم البرهان/وحميدتي, واصَلا بعد ذلك الزعم بالتزام رزنامة الوثيقة الدستورية وصولاً إلى انتخابات ربيع العام 2023.

وإذ فشِل حمدوك في تشكيل حكومة الكفاءات التي ألزمه الجنرالات تشكيلها (مُشترطين إبعاد القوى السياسية عنها وخاصّة قوى إعلان الحريّة والتغيير), و«اكتشافه» أنّه لم يستعِد صلاحياته السابقة كرئيس للوزراء قبل الانقلاب الأخير، سوى بعض القضايا والملفات الثانوية, مثل إلغاء قرارات البرهان إقالة وكلاء الوزارات وعزل حكّام الولايات التي عيّنهم قائد الانقلاب.

ومع تواصُل المليونيات الشعبية الرّافضة للانقلاب، وخصوصاً رفضها «التعاون» مع حمدوك حدّ اتّهامه بالخضوع بل التواطؤ مع العسكر, في الوقت ذاته الذي واصل هؤلاء قمع المتظاهرين وسفْك دمائهم، راح–حمدوك–يبثّ تسريبات عن نيّته الاستقالة من موقعه -ظنّاً منه ربما- أنّه بذلك يضغط على العسكر, ما «قد» يُسهِم بتراجعهم عن الإمساك بقواعد اللعبة, رغبةً منهم في تمرير ما تبقّى من سيناريو الانقلاب الذي قاده الجنرالان البرهان/وحميدتي، لكنّه/حمدوك أخفق في ذلك، فاضطرّ في النهاية إلى إعلان الاستقالة (وجّهها إلى «الشعب» السوداني وليس إلى قائد الانقلاب/البرهان), وهي وإن جاءت مُتأخرة إلا أنها تركَت ارتياحاً لدى قوى المعارضة، كما قد تفضي آجلاً أم عاجلاً إلى أزمة سياسية عميقة، خاصّة إذا ما أصرّ الانقلابيون على مواقفهم ولم يُقدموا أي تنازلات، أقلّها إعادة العمل بالوثيقة الدستورية «الأصلية»، وليست تلك التي عبثوا بها وفرضوها على حمدوك, بعد موافقة الأخير العودة إلى موقعه لتشكيل حكومة جديدة وفق معايير العسكر, الكارِهة بل المعادية لقوى المُعارضة بتشكيلاتها كافّة.

لم يصمتَ الجنرال البرهان بعد «عِلمه» عبر وسائل الإعلام باستقالة حمدوك, بل جدَد دعوته لتشكيل حكومة «كفاءات»، خاصّة أنّها (الاستقالة) جاءت بعد خطاب الجنرال في الذكرى الـ66 لاستقلال السودان (1/1/1956)، وكان خطاباً تقليدياً مُثقلاً بشعارات رنّانة لا يصدّق السودانيون أنّ صاحبها يؤمن بها، وتحديداً حديثه عن بناء «الدولة السودانية الحديثة القائمة على الحريّة والسلام والعدالة، وهذا -أضاف الجنرال- لا يأتي إلّا بالتوافق والتراضي الوطني”, مُعلناً تمسّكه بحماية البلاد من الانزلاق «نحو الفوضى والخراب, والعمل الجادّ للمحافظة على الفترة الانتقالية ونجاحها».

شيء مما ذكره البرهان لم يتحقّق سابقا ولن يتحقق لاحقاً, بل أطاحه الجنرالات في انقلاب 25/10 الماضي، فاتحين الطريق أمام ديكتاتورية عسكرية تسعى لفرض سيطرتها خطوة خطوة, عبر التستّر خلف شخصية مدنية (حكومة حمدوك الثانية بعد الانقلاب), ما وضع وسيضع موعد الاستحقاق الانتخابي ربيع العام 2023 في مهبّ الرّيح.

لافت أيضاً في خطاب استقالة حمدوك, إشارته إلى أنّ الحكومة الانتقالية التي ترأّسها (يقصد الحكومة الأولى قبل الانقلاب), «أنجزَت» رفع اسم السودان من قائمة الدولة الرّاعية للإرهاب وإعفاء كثير من ديونه، وهو هنا تجاهَل عن قصد أنّ ذلك «الإنجاز» كان نِتاج صفقة تطبيع مع العدو الصهيوني برعاية أميركية, وليس نِتاج جهود وطنية أو خطط تنموية وقرارات سياسية.. «سيادية».

الحال.. أنّ ردود الفعل الدولية كما الإقليمية, خصوصاً تلك الدول الداعمة للانقلابيين والتي ما تزال تراهن على اتّخاذ السودان مزيداً من خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني, وفي أجواء إقليمية وخصوصاً عربية مأزومة ومفتوحة على احتمالات عديدة. رغم أنّ واشنطن عبر مكتب الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية, «دعتْ» القادة السودانيين إلى ضمان استمرار الحكم «المدني”, وتعيين رئيسٍ للوزراء تماشياً مع الوثيقة الدستورية. وهي هنا كعادة الأميركيين تستخدم لغة مُلتبسة, عندما تقول: القادة السودانيين بدل أن تقول العسكر، وتتحدث عن الوثيقة الدستورية, ولا نعلم إن كانت تقصد الوثيقة الأولى/الأصلية؟ أم تلك التي عبث بها الجنرالات وفرضوها على حمدوك عند إعادته لمنصبه؟. ولم تنسَ واشنطن الزعم بوقوفها إلى جانب الشعب السوداني في دفاعهم (..) من أجل الديمقراطية, مكرّرة الدعوة إلى وقف العنف ضدّ المتظاهرين (..), ولم تُسمِّ أو تكشف لنا «هوية» الذين يستخدمون العنف ضد المتظاهرين السِلميّين ويسفكون دماءهم؟

تبقى المخاوف قائمة في شأن الخطوة التي سيلجأ اليها الجنرالات, لمواجهة القوى الثورية المُصرّة على مواصلة احتجاجاتها حتى يتم تسليم السلطة للمدنيين, خاصة في ظل مؤشرات على ان البرهان/وحميدتي يستعدان لإعادة الاعتبار لحزب/وأنصار المخلوع عمر البشير.

“الرأي”الأردنية