aren

الزيتون … عنوان الصراع مع الاستيطان \\ كتابة : حلمي موسى
السبت - 3 - نوفمبر - 2018

 

355

استند الصراع العربي «الإسرائيلي»، منذ نشأته، إلى مبدأ التثبيت والتبديد، حيث إن كل تثبيت للحق العربي يعد تبديداً للزعم «الإسرائيلي»، وبالعكس. ولعبت الأرض والسيطرة عليها الدور الأبرز في هذا الصراع، وهو ما تبدى في عمليات التطهير العرقي والتشريد الجماعي لإحكام القبضة عليها. وليس صدفة والحال هذه أن يدور جانب مهم من الصراع حول شجرة الزيتون، التي ظلت فلسطين بين أفضل أوطانها.

شجرة الزيتون المباركة، لم تكن مجرد شجرة تجلب الرزق، وإنما غدت مع مرور السنين مركزاً لحياة اجتماعية وثقافية واسعة. وربما يكون ما نسمعه من اعتداءات منهجية للمستوطنين على أشجار الزيتون في الضفة الغربية، ليس إلا تعبيراً عن التوق لتفكيك العلاقة الأبدية بين الفلسطيني وأرضه.

وبحسب كل التقديرات، فإن موسم قطف الزيتون في فلسطين، يعتبر أهم مناسبة للتعاون المجتمعي وفرصة التلاقي والتسامر. وتعتاش ما لا يقل عن عشرة آلاف أسرة فلسطينية من الزيتون ورعايته، وهذا يشكل نسبة ملموسة في الاقتصاد الوطني. ومعروف أنه رغم عمليات الاقتلاع الممنهج بأيدي المستوطنين وجنود الاحتلال، ورغم الجدار الفاصل وما ابتلعه من أرض، يوجد في الضفة الغربية حوالي 11 مليون شجرة مزروعة في حوالي مليون دونم، تمثل حوالي 20 في المئة من أراضي الضفة.

ويتساءل كثيرون عن سر العداء «الإسرائيلي» لشجرة الزيتون، لدرجة الاعتقاد بأنها نقيض لمشروعها؛ لأنها الدليل الثابت على أن الفلسطيني متجذر في هذه الأرض. وهي نقيض لفكرة أن فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض، وأنها كانت فارغة إلى أن جاء الاستيطان. فشجرة الزيتون المعمرة التي هناك من زرعها ورعاها وعاش من قطف ثمارها، وأنار بيته من زيتها، أقرب ما تكون إلى سجل عقاري يشهد للمالك.

ويذهب خبراء إلى حد القول إن «شجر الزيتون قديم قدم تاريخ فلسطين، ومتجدد بتجدد الفلسطينيين على أرضهم». وكادت الزيتونة تتحول إلى رمز وطني لا جدال بشأنه، تدل ليس فقط على الشجرة، وإنما أيضاً على زارعها وراعيها. وبسبب طول عمر هذه الشجرة وارتباط تراثها بالآباء والأجداد؛ فإنها جذرت علاقة الفلسطيني بأرضه، ولذلك فإن المس بها واقتلاعها، يكرس مبدأ التثبيت والتبديد. فالقناعة المطلقة لدى قادة المستوطنين، هي أن اقتلاع الزيتون سيسهل لاحقاً اقتلاع الإنسان الفلسطيني.

وليس صدفة أن سياسة اقتلاع الزيتون لم تنتهج فقط لأسباب أو ذرائع أمنية، سواء لشق الطرقات أو إقامة مواقع عسكرية واستيطانية، وحتى لإقامة الجدار الفاصل؛ وإنما أيضاً «لأسباب دينية».

واندفع حاخامات كبار بينهم الحاخام عوفاديا يوسف، وحاخامات الاستيطان، لإصدار فتاوى تشجع على قطع أشجار الزيتون، أو سرقة ثمارها أو منع الفلسطينيين من قطفها. وذهب بعضهم لاعتبار ذلك نوعاً من الفريضة الدينية التي يصيب فاعلها؛ لأنه استرد «خيرات اليهود»، وجميع هذه الذرائع لا تخدم إلا هدفاً واحداً، وهو إيصال الفلسطيني إلى اليأس من أرضه، كي يسهل على المستوطنين اليهود السيطرة عليها.

وواضح من السياسة التي انتهجتها «إسرائيل» عن إنشائها الجدار العنصري الفاصل، أنها عمدت إلى إبقاء عشرات ألوف الدونمات المزروعة بالزيتون خلف الجدار، وابتكرت أساليب وقيوداً لمنع أصحابها من الوصول إليها. ولم تكتف بذلك؛ بل شجعت المستوطنين على تعمد إحراق واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة، في محاولة لطمس الحقيقة واغتيال الشهود.

وتقدر معطيات فلسطينية بأن اعتداءات المستوطنين قادت في السنوات الأخيرة إلى قطع وإحراق عشرات ألوف الأشجار المعمرة، التي لا يقل متوسط عمر الواحدة منها عن مئتي عام. وهذا يؤكد أن المقصود حرق إرث وتاريخ، وليس مجرد حرق شجرة. وليس صدفة أن جهود المستوطنين لاقتلاع وحرق أشجار الزيتون تتجدد سنوياً في كل عام تقريباً، في مواسم القطاف. فما يرافق مواسم القطاف من اتحاد وعون وسمر وحياة يثير غيظ «الإسرائيليين»، ويدفعهم إلى القيام بأفعال هدفها أيضاً، تكبيد الفلسطيني خسارة جهد انتظر ثماره طوال عام.

وأشار تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤخراً، إلى أن اعتداءات الاحتلال والمستوطنين على أراضي الفلسطينيين المزروعة بالزيتون هذا الموسم، زادت على 100 اعتداء نصفها تقريباً على الأشجار والنصف الآخر على المزارعين. وأشارت الهيئة إلى أنها سجلت هذا العام، اعتداءات على الأشجار بالحرق والتقطيع والاقتلاع والتسميم والسرقة، كما تنوعت الاعتداءات على المزارعين بين الاعتداءات الجسدية، ومنع أو تقييد الوصول إلى الأراضي لقطف المحصول.

وتقريباً، فإن هذه الاعتداءات شبه يومية وفي مختلف المناطق، وتتم غالباً بحماية جيش الاحتلال. وتزداد نسبة الاعتداءات على أشجار الزيتون في محيط المستوطنات، حيث الرغبة جامحة لدى المستوطنين لتحويل الأراضي إلى بؤر ليسهل الاستيلاء عليها، وإبعاد الفلسطينيين عنها.

وفضحت عميرة هاس في «هآرتس» مؤخراً، حجم التواطؤ بين سلطات الاحتلال والمستوطنين في التعامل مع قضية اقتلاع أشجار الزيتون وحرقها. وأشارت إلى أنه رغم تقديم الفلسطينيين ونشطاء سلام، بيانات موثقة بالصوت والصورة للشرطة، تُظهر اعتداءات المستوطنين على الأشجار والمزارعين، إلا أن الشرطة «الإسرائيلية» لا تفعل شيئاً. كما أن الشرطة تجد سبلاً وذرائع لتمتنع عن إعادة المسروقات من محصول المزارعين، إذا كان السارقون من المستوطنين.

وتنقل هاس عن بيانات للأمم المتحدة، تفيد بأنه تم تسجيل سرقة محصول الزيتون على أيدي مستوطنين في قرية بورين فقط 48 مرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وأن جانباً من هذه السرقات يتم أثناء اقتحامات ينفذها جيش الاحتلال، وتترافق مع اعتداءات على بيوت القرية وأراضيها.

وأشارت البيانات إلى أن المستوطنين اعتدوا منذ عام 2016 على قرية عوريف 16 مرة، وعلى قرية حوارة 35 مرة، من بين مجموع 99 هجوماً وثقت في القرى الثلاث المجاورة. وهذا ليس سوى مثال بسيط على ما يجري في كل القرى الفلسطينية في الضفة الغربية، وخصوصاً تلك المجاورة لمستوطنات.

وظاهرياً تقوم الشرطة «الإسرائيلية» أحياناً باعتقال معتدين صهاينة، ولكن سرعان ما تُفرج عنهم. وتظهر تقارير منظمات حقوقية، أنه حتى إذا ما قدمت لوائح اتهام ضد هؤلاء في محاكم «إسرائيلية»، فإن النتيجة في النهاية لا شيء تقريباً. وغالباً ما يتم الإفراج عن هؤلاء المعتدين بدعاوى فارغة، مثل لا تتوفر دلائل، أو أن المعتدين قصر، أو أن الأمر لا يعني أحداً.

في كل حال كانت شجرة الزيتون وما زالت عنواناً لبقاء الفلسطيني وتجدده على أرضه، ومقابل كل شجرة يقتلعها أو يحرقها الاحتلال، يغرس الفلسطيني اثنتين تأكيداً لحقه في أرضه.

وستظل مواسم قطف الزيتون شاهداً على أوسع حملات تطوعية للعون الجماعي، ودلالة قوية على استمرار التشبث بالأرض، وهزيمة المطامح «الإسرائيلية».

“الخليج”