aren

الرأسمالية والاشتراكية\\ بقلم : د.علي حرب
السبت - 12 - ديسمبر - 2020

     أنا أتابع على صفحات جريدة ” الشرق الأوسط”، مقالات الروائية والناقدة لطفية الدليمي، وهي تشكل إضاءة قيّمة على القضايا الفكرية التي تصنع عالمنا المعاصر، هذا فضلاً عن اهتمامها الفائق بالثورات التقنية والرقمية التي أخذت تغير علاقتنا بمفردات وجودنا، بالزمان والمكان، بالمعرفة والسلطة، بالعمل والملكية، وصولاً الى تغيير علاقة الانسان بجسده وقدراته، بكينونته ووعيه لذاته، وكما تشهد المصطلحات الجديدة في هذا الخصوص مثل، ما بعد الانسان أو الانسانية العابرة.

     لقد قرأت مقالتها اللافتة عن المفكر الايطالي (فرنشيسكو بوديزّوني)، والتي يبيّن فيها تهافت مقولة “ماركس” حول نهاية الرأسمالية. الأمر الذي استدرجني الى الإدلاء برأيي في هذه القضية، خاصة وأني من نقاد ماركس والماركسية. ولا أدخل على المسائل من علم الاقتصاد، بنظرياته ومعادلاته وبياناته… وإنما أدخل من مدخل فكري فلسفي، كما هو منهجي، لأقول بأن ماركس كان قد تنبأ بنهاية الرأسمالية، فكانت النتيجة نهاية الاشتراكية وبقاء الرأسمالية، حية وشغالة، لكي تنمو وتتوسع. ولذلك عِللَهُ وأعطالهُ:

العطل الأول أن الماركسية التي ادعت، في قراءتها وتحليلاتها، الانطلاق من العلم وحقائقه في فهم الظواهر وعقلنة الوقائع، قد نظرت الى الانسان نظرة طوباوية بوصفه يحب العدالة والحرية والحقيقة والسلام… وهذه نظرة ساذجة ومغرقة في التفاؤل يكذبها تاريخ الانسان بصراعاته وحروبه، بجشعه وتكالبه، بفظائعه وبربريته.

هناك عطل آخر وهي أن الماركسية تعاملت مع مقولاتها كالمادية التاريخية والاشتراكية العلمية، بوصفها حقائق مطلقة أو يقينيات نهائية لا يرقى اليها الشك. ومع أن الماركسيين لم يتوقفوا عن الطنطنة والحنحنة حول اعتمادهم، مبدأ ومنهجاً، الفكر التاريخي والتحليل المادي الملموس للوقائع والمعطيات، فإنهم تعاطوا مع أفكار ماركس كما يتعاطى اللاهوتي مع أقانيمه، أي بصورة متعالية، ماورائية، وكأنها فوق التاريخ أو نهاية التاريخ.

ثمة وجه ثالث للعُطل الماركسي، هو أن ماركس اعترض على الفلاسفة لكونهم انشغلوا بفهم العالم، فيما المطلوب تغييره. ولكن ماركس لم يكن مناضلاً في الساحات والميادين، بل فيلسوف يدرس ويحلل. وإذا كان له إسهامه في تغيير الواقع، فعبر نظرياته ومقولاته التي خلقت مجالها التداولي على ساحة الفكر العالمي، بقدر ما فتحت امكانات جديدة للفهم والتشخيص أو للعمل والتدبير. وفي هذا شاهد على أننا نغير العالم بقدر ما ننجح في فهم الواقع وتشخيص مشكلاته.

 بعد هذا النقد لـ(ماركس)، الذي انخرطت في معارضته، منذ كتابي “نقد النص” (1993)، وخاصة في كتابي أوهام النخبة (1996)، استدرك بالقول بأني أفرّق بين أعمال ماركس والمذاهب الماركسية. فالماركسيون تعاملوا مع نصوص ماركس بعقلية إيديولوجية، مدرسية أو نضالية، فاختزلوا أعماله الى وصفات عقائدية أو الى برامج اقتصادية أو الى بيانات سياسية.

صحيح أن ماركس كان صاحب مشروع لتغيير العالم وخلاص البشرية، وهذا المشروع أخفق حيث طُبّق، بقدر ما آل إلى إنتاج أشكال جديدة من القهر والاستعباد والاستلاب. ولكن أعمال ماركس يصعب قولبتها أو اختزالها الى مجرد دعوة سياسية أو أطروحة نظرية. وإنما هي تختزن إمكاناتها وتنفتح على احتمالاتها، ولذا يمكن أن تقبل أكثر  من قراءة، شأنها بذلك شأن سائر النصوص الفلسفية التي هي ملتبسة ومفخخة، بقدر ما هي متعددة الجوانب والطبقات والابعاد، وبقدر ما هي مبنية بصمتها وفجواتها وتناقضاتها.

-بالنسبة الى الرأسمالية كان المنطلق والمصير على نحو مختلف ومعاكس. فالأصل في النظرة الرأسمالية أن الانسان يحب نفسه ويؤثر مصالحه على مصالح غيره. وإذا كان ذلك بفضي الى النزاعات والعداوات، بسبب اصطراع الأهواء وتضارب المصالح، فإنه يفضي أيضاً الى اجتراح الحلول والبحث عن المخارج، بابتكار الاطر والمؤسسات أو القوانين والتشريعات التي تضع حداً للنزاع والاقتتال، بقدر ما ترعى الخير المشترك والمصلحة العمومية، وكما تجسد ذلك في قيام الدول أو في عقد الاتفاقات والمواثيق. ومثال ذلك بناء الاتحاد الاوروبي الذي أنهى قرونا من الصراعات المدمرة والحروب الطاحنة بين الدول الأوروبية.

-وهكذا ، فالنظرة الرأسمالية لم تكن مثالية، بل اتسمت بقدر من العقلانية، وكانت أقرب من الماركسية الى الفكر التاريخي والتطور المجتمعي أو التقدم الحضاري، لأن أصحابه لم يقفزوا فوق الواقع الموضوعي، أو يدّعوا القبض عليه، بل اهتموا بدرسه وتحليله لتغييره وإعادة بنائه.

– يضاف الى ذلك أن الرأسمالية، وكما نظّر لها أربابها، لم تتعامل مع الأفكار (نظريات، مذاهب، نماذج، برامج…) كأيقونات مقدسة أو كحقائق مطلقة ونهائية، بل كأطر وصيغ أو واستراتيجيات وأدوات للفهم والتفسير أو للعمل والتدبير.

      هذه المزايا جعلت الرأسمالية تتمتع بالحيوية والمرونة والقدرة على تجديد أطرها ونماذجها، مما مكّنها من اجتراح الحلول وإيجاد المخارج، عند مجابهة الازمات أو الوقوع في المآزق.  ولا أعتقد أن الرأسمالية آيلةٌ الى نهايتها، إلا إذا عدنا الى عصر المقايضة، أو إذا دخلنا في عصر تقني فائق يتيح للواحد تأمين ما يحتاج اليه من دون التبادل مع الاخر، وكلا التصورين هما من المُحالات.

وأيا يكن المصير، فإن كون الرأسمالية باقية، لا يعني تأليهها وتحويلها الى معتقد أصولي أحادي، كما يجنح كثر من منظّري الليبرالية. فمقتل الأفكار هو تقديسها ومقتل الانظمة السياسية هو عبادة الشخصيات.

      وإذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه، هو أن نحسن قراءة الواقع، لنعيد النظر في علاقتنا بما نقدسه ونعلي من شأنه، من المبادئ والمثل. فالأصل في الواقع البشري هو عكس ما نحسب، أي الهوى والتعصب أو الجهل والنفاق أو الجشع والتكالب أو القهر والتسلط. أما قيم الحقيقة والعدالة والحرية والتعقل والأثرة، فهي قشرة يسهل انتهاكها وتمزيقها. فحالنا معها كحال سيزيف مع صخرته، كلما حاول رفعها الى القمة تدحرجت الى الأسفل، مما يجعلها محتاجة على الدوام الى التعزيز والتفعيل أو التجديد والتطوير.

     ما نحتاج اليه أيضاً هو التواضع، فيما العالم تعصف به الازمات على كل المستويات وفي كل المجالات، من الكوارث البيئية الى الفضائح الخلقية، ومن الازمات المعيشية الى الحركات الشعبوية، ومن المنظمات الجهادية أو الى الاضطرابات الامنية.

     وذلك يقتضي كسر المنطق الاحادي والاصولي، للتعامل مع الهويات والقضايا بلغة أخرى مختلفة، يسهم في صوغها وابتكارها، ليس النخب الثقافية وحدهم، بل المجتمع بكل حقوله وقطاعاته وفاعلياته. وهذه قضايا عالجتها في كتابي الأخير: الانسان على المحك، الدار العربية للعلوم، 2020.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها