aren

الذكاء الاصطناعي في «أميركا القادمة» \\ كتابة : توماس فريدمان
الأحد - 9 - ديسمبر - 2018

merlin_139119339_aa9c74e3-0d4e-4d31-a7da-c17ace51643b-jumbo

أعتقدُ أن انتخابات 2020 الرئاسية في الولايات المتحدة ستكون مختلفة عن أي من الانتخابات التي شهدتها في حياتي، وذلك ليس فقط لأنها ستعرف ترشح دونالد ترامب كرئيس منتيهة ولايته، ولكن أيضا لأن الموضوع الكبير الذي كان ينبغي أن يكون محور انتخابات 2016 سيكون موضوعاً لا مفر منه بحلول 2020. ألا وهو: كيف نحكم «أميركا القادمة»؟

“جوتام موكوندا”، زميل مدرسة كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد ومؤلف كتاب «أساسي: عندما يكون القادة مهمين حقاً»، يقول في مقابلة معه: (أتعرف عبارة الكاتب ويليام جيبسون إن المستقبل موجود بين ظهرانينا، وكل ما هناك أنه ليس موزعاً بشكل متساوٍ؟ حسناً، إن المستقبل وصل. وهذه”أميركا القادمة”. ولكن مؤسساتنا وأحزابنا السياسية لم تتكيف معه بعد). ولكن بحلول 2020، سيكون من المستحيل تجاهل «أميركا القادمة». «إن الأفكار المتعلقة بكيفية اشتغال الاقتصاد تتغير وعلى الحكومة أن تواكب ذلك».

«أميركا القادمة» هذه ستثير شبكةً كاملةً من المواضيع السياسية والقانونية والأخلاقية الجديدة والمتداخلة بسبب التغيرات في التكنولوجيا والديموغرافيا والبيئة والعولمة.

من أين عساي أبدأ؟ لتكن البداية من شبكة الجيل الخامس 5G. فمع شروع عملاقَي الاتصالات «فيرايزون» و«إيه تي آند تي» الآن في استخدام تكنولوجيا 5G عبر البلاد، فإن تحول التجارة والترفيه والتعليم والرعاية الصحية سيتسارع بشكل دراماتيكي في «أميركا القادمة»، اعتباراً من حوالي 2020.

الاستفادة لأقصى درجة من الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي – مثل استخدام مركبات ذاتية القيادة – تتطلب النقل السريع لكميات ضخمة من البيانات مع وقت استجابة قصير جداً. وهذه القدرة ستصبح لدينا في «أميركا القادمة». فمع شبكة الجيل الخامس 5G، ستتقلص مدة تنزيل فيلم من أفلام هوليود على حاسوبك اللوحي من ست إلى سبع دقائق الآن إلى ست أو سبع ثوان، وأدوات الاستشعار الدقيقة على قميصك ستجمع معلومات وترسل إشارات حيوية إلى طبيبك.

هذا التحول قد يمثّل ثورة على غرار الإنترنت. ولكنها ثورة ستطلب كل أنواع التقنين والتنظيم من أجل تنظيم التطبيقات من السيارات ذاتية القيادة، إلى أنظمة التوصيل بواسطة الطائرات بدون طيار، إلى الروبوتات التي ستعمل كحراس أمنيين ومساعدين صحيين في البيوت.

وفي هذا الصدد، ذكر تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» يوم الاثنين أن تقديرات الحكومة تشير إلى أن ثمة حالياً «نحو 110 آلاف طائرة بدون طيار تجارية في المجال الجوي الأميركي، وهذا العدد من المتوقع أن يرتفع إلى نحو 450 ألفاً في 2022».

كل هذه التكنولوجيا الجديدة ستكون لها تداعيات مهمة بالنسبة لقناة «التعليم إلى التربية». صديقتي هيذر ماكغوان، الخبيرة الاستراتيجية في مستقبل العمل تقول: «إن النموذج القديم للعمل كان عبارة عن ثلاث كتل حياتية: (احصل على تعليم، استخدم ذاك التعليم لـ40 سنة. ثم تقاعد. وبعد ذلك قمنا بالافتراض الخاطئ بأن النموذج الجديد المقبل سيكون: احصل على تعليم. استخدمه 20 عاماً. ثم احصل على إعادة تدريب. ثم استخدم ذلك لـ20 عاماً أخرى. ثم تقاعد».

ولكن في «أميركا القادمة»، تقول ماكغوان، النموذج الصائب سيكون هو «التعلم المتواصل مدى الحياة» – لأنه عندما تكون وتيرة التغير متسارعة، فإن «الشركات الأسرع نمواً والعمال الأكثر مرونة هم الذين سيتعلمون بشكل أسرع من منافسيهم».

وهذا يعني أنه بالإضافة إلى شبكتي السلامة الكبيرتين التقليديتين – الضمان الاجتماعي وميديكير – سنحتاج إلى منصات جديدة. ذلك أننا سنحتاج إلى أن نجعل مستوى معيناً من التعليم ما بعد الثانوي مجانياً لكل أميركي يستوفي حداً أدنى من شروط ومتطلبات النقاط والحضور، وذلك حتى يستطيع كل أميركي راشد وكل متخرج من المدرسة الثانوية الحصول على شهادة إتمام سنتي تعليم جامعي أو شهادة تقنية بدون رسوم في الكلية في أي وقت. هذا الأمر شرعت في القيام به ولاية تينيسي منذ بعض الوقت.

هذه التحولات التكنولوجية تعني أيضاً أن «أميركا القادمة» ستحتاج إلى تغييرات في سياسة محاربة الاحتكار. فمنذ عقد الثمانينيات، كانت السياسة المناوئة للاحتكار تقرر ما إن كانت شركة من الشركات قد أخذت تكبر وتتضخم بشكل مبالغ فيه استناداً إلى سؤال واحد عموماً، ألا وهو: هل يضر فقدان المنافسة المستهلكين من خلال أسعار أعلى أو خدمات أقل؟

«ولكن هذا التعريف أصبح متجاوَزاً على نحو متزايد في عصر باتت تقدِّم فيه أقوى الشركات في العالم منتجات وخدمات بــ”المجان” «مقابل بيانات شخصية»، كما تشير إلى ذلك “رانا فوروهار”، كاتبة العمود المتخصصة في التكنولوجيا بصحيفة «فاينانشيال تايمز»، في مقال لها في 24 يونيو الماضي. «هذا الأمر أدى إلى دعوات للعودة إلى تعريف الاحتكار في قانون شرمان لمكافحة الاحتكار 1890، الذي يشدد على ضرورة ضمان ألا تؤدي القوة الاقتصادية للشركات الكبيرة إلى فساد العملية السياسية».

وذلك لأننا أكثر من مجرد مستهلكين، فـ«نحن مواطنون»، كما يلفت إلى ذلك موكوندا، و«لدينا مصالح تتجاوز أسعار المواد الاستهلاكية؛ ومهمة الحكومة هي حماية حرية المواطنين، وليس مصالح المستهلكين فقط. وهذا منصوص عليه في الدستور، ولكننا نسينا ذلك».

باختصار، إن «أميركا القادمة» في حاجة لمعالجة كل واحدة من هذه القضايا وغيرها كثير – من تغير المناخ إلى قواعد تقسيم المناطق – وكيف تتفاعل مع بعضها بعضاً. ولهذا، فالانتخابات المقبلة مطالَبة بذلك أيضاً. وإذا كان الجنون المحيط بترامب قد أخّر جزءاً كبيراً من هذا النقاش، فإن 2020 لن تسمح لنا بفعل ذلك مرة أخرى. ذلك أن «أميركا القادمة» لن تنتظر.

“الاتحاد” الاماراتية