aren

«الديك الرومي».. ومخاطر الإفلات من العقاب \\ كتابة : توماس فريدمان
الخميس - 22 - مارس - 2018

 

قبل عدة سنوات، أخبرني «كلينتون بايلي» الخبير الإسرائيلي المتخصص في البدو العرب قصة زعيم بدوي اكتشف ذات يوم أن ديكه الرومي قد سُرق، فاستدعى أبناءه وقال لهم: «إننا في خطر يا أولاد. فقد سُرق ديكي الرومي. ابحثوا عن ديكي الرومي». فضحك أبناؤه وقالوا: «ما حاجتك لذاك الديك الرومي يا أبانا؟» ثم تجاهلوه.

وبعد بضعة أسابيع، سُرقت ناقة الزعيم البدوي. فذهب إليه أبناؤه وقالوا: «لقد سُرقت ناقتك يا أبانا. ماذا عسانا نفعل؟» فأجابهم والدهم: «ابحثوا عن ديكي الرومي». وأخيراً، بعد بضعة أسابيع، خُطفت ابنته، فجمع أبناءه وقال لهم: «لقد حدث كل هذا بسبب الديك الرومي! فعندما أيقنوا أنهم يستطيعون أخذ ديكي الرومي، فقدنا كل شيء».

إنني أعيد حكي هذه القصة اليوم؛ لأنها تساعدنا على فهم كيف ولماذا فشلنا في احتواء سلوك دونالد ترامب وفلاديمير بوتين. فقد بدأ كل منهما سرقة ديك رومي – مجازياً. وعندما لم نفعل شيئاً للرد على ذلك، واصلا سلوكهما لدرجة بات يعتقد معها ترامب أنه يستطيع إطلاق النار على شخص ما في الشارع الخامس في نيويورك، وبوتين أنه يستطيع تسميم جاسوس خرج عن السيطرة في لندن، ثم النجاة بفعلتيهما.

ديك ترامب الرومي كان هو كشوفه الضريبية. فخلال الحملة الانتخابية، كان قد وعد بالإفراج عنها بعد انتهاء وكالة الضرائب الفدرالية، الـ«آي آر إس»، من تدقيقها. ولكن بعد انتخابه، قال لنا ترامب: آسف، إنني لن أفرج عنها أبداً. ولم يحدث أي شيء. ثم قال ترامب، لأشخاص مقربين منه، وفق ما أخبرتني به مصادر موثوقة: «أتصدقون أنني نجوت بفعلتي؟».

وعندما رأى ترامب أنه يستطيع النجاة بفعلته عن عدم نشر كشوفه الضريبية، أيقن أنه يستطيع النجاة بفعلته في الأمور كافة. فقد كان يدرك أنه عندما يجعل الحزبَ «الجمهوري» يتغاضى عن موضوع الضرائب، فإنه سيرضخ لأي شيء : تشويه سمعة مكتب التحقيقات الفدرالي، التساهل مع بوتين. فحينما يمحو المرء خطاً أحمر كبيراً، يصعب عليه البدء في فرض احترام خطوط حمراء أخرى.

أما ديك بوتين الرومي، فقد كان أكثر جدية بكثير. إنه إسقاط الطائرة المدنية الماليزية، رحلة «إم إتش 17»، فوق أوكرانيا في 17 يوليو 2014، ما أسفر عن مقتل كل ركابها الـ298.

أتتذكرون القصة؟ تحقيق دولي بقيادة الهولنديين – اعتمد على 150 ألف مكالمة هاتفية جرى اعتراضها، من بين أشياء أخرى – وجد أن وكلاء بوتين في شرق أوكرانيا طلبوا من روسيا أن ترسل إليهم منصة إطلاق صاروخ أرض- جو «إس إيه 11». فتم نقلها عبر الحدود الروسية إلى أوكرانيا، حيث أسقطت تلك الطائرة المدنية الماليزية (ربما ظناً منهم أنها طائرة عسكرية أوكرانية)، ثم أعيدت إلى روسيا بعد بضع ساعات.

صحيح أن بوتين لم يضغط على زر ذاك الصاروخ، ولكنه خلق الظروف لإسقاط تلك الطائرة – ونجا من العواقب كما لو أن الطائرة أُسقطت بسبب البرق، مختلقاً قصصاً غير معقولة لا يصدقها العقل. وصحيح أيضاً أنه تعرض لبعض العقوبات، ولكن تواطأه تلاشى واضمحل وسط سيل من الأكاذيب.

ولكن، من كان يريد مواجهة روسيا، بكل صادراتها من الغاز الطبيعي إلى أوروبا وكل أوليغارشييها الذين يستثمرون أموالهم حول لندن أو في شراء شقق في أماكن مثل… برج ترامب في نيويورك؟ لا بد أن بوتين قال لنفسه أيضاً: «أتصدقون أنني نجوت بفعلتي تلك؟ فلماذا لا أسمم جاسوساً روسياً سابقاً في لندن بغاز أعصاب عسكري محظور، أو أرتكب إبادة جماعية في سوريا؟ من سيوقفني؟

إن ترامب وبوتين من طينة واحدة. فاستراتيجيتهما هي: مواصلة الدفع، مواصلة الانتزاع، مواصلة الكذب، مواصلة الإنكار، مهما كان الإنكار غير مفيد – وعدم الاعتذار أبداً. لأنك عندما تكذب بالجملة، فإن ذلك يربك الناس ويخلط عليهم الأمور. ولكن الأشخاص الطبيعيين لا يتصرفون على ذاك النحو وحسب، فمجرد قلة الحياء تنهكهم.

إن الدرس الذي كان يحاول ذاك الزعيم البدوي أن يلقنه لأبنائه هو أنه كان يمكنه عيش حياته من دون ذاك الديك الرومي، ولكنه لم يكن يمكنه عيش حياته مع ما تنطوي عليه سرقة ديكه الرومي والإفلات من العقاب من معانٍ ودلالات: أنه عندما يواصل أشخاص إضعاف قواعد ومعايير مجتمع ما، فإن السرقة – سرقة الديوك الرومية أو الحقيقة – تصبح هي القاعدة في نهاية المطاف.

وهذا الإضعاف المطرد للقواعد والمعايير هو ما يواصل ترامب فعله لأميركا وبوتين للعالم. وإذا تركناهما ينجوان بفعلتهما، فإن أطفالنا لن يكبروا وينشأوا في أميركا مختلفة فحسب، ولكن في عالم مختلف أيضاً.

“الاتحاد”