aren

«الخان الأحمر».. تمايز بين أوروبا وواشنطن \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 18 - أكتوبر - 2018

 

خان الاحمر

شكل قرار المحكمة العليا الصهيونية، بالسماح بهدم قرية الخان الأحمر البدوية قرب القدس، أحدث مرحلة في المشروع الاستيطاني المتدحرج. وقد لقي هذا القرار والإجراءات الصهيونية اللاحقة، معارضة عربية ودولية ميدانية وسياسية واسعة؛ لأسباب ليس أقلها أن هذا يعد تنفيذاً لمخطط E1، الذي يفصل شمالي الضفة عن جنوبها، ويلغي التواصل الجغرافي بينهما. وفي السياق السياسي الاستراتيجي؛ يمثل قرار هدم الخان الأحمر خطوة كبرى في اتجاه دفن «حل الدولتين»؛ وهو ما سعى إليه اليمين الصهيوني منذ عقود.

من الجائز أن قصة الخان الأحمر، تنطوي في تفاصيلها على كل مكونات المشروع الصهيوني من تدرج وطرد للسكان واغتصاب للأرض وتهويدها. فأغلب سكان هذه المنطقة هم من بدو عرب الجهالين، الذين كانت قوات الاحتلال قد طردتهم من أراضيهم في النقب عام 1952 ثم بدأت بملاحقتهم؛ لطردهم من الخان الأحمر بعد عام 1967. وتوضح مخططات جرى كشف النقاب عنها مؤخراً، أن طرد عرب الجهالين من منطقة الخان الأحمر، وإنشاء الاستيطان فيها قائمة منذ أكثر من أربعين عاماً.

ومعروف أنه منذ سيطرة اليمين على الحكم في «إسرائيل» بدأت حملات واسعة للاستيطان فوق كل تلة ورابية -حسب نداء أرييل شارون؛ لمنع أي فرصة لإنشاء كيان فلسطيني؛ ولتكريس يهودية الضفة الغربية. وفي هذا السياق، أنشئت على جزء من أراضي الخان الأحمر، مستوطنة «معاليه أدوميم»، التي صار أمر توسيعها عنواناً لمشاريع الاستيطان الحالية.

وقد بدأت مخططات الاستيطان؛ بإعلان أن أراضي الخان الأحمر منطقة عسكرية؛ ولذلك بدأت عمليات ترحيل السكان البدو منها ومن محيطها. ولم تكن مثل هذه الإعلانات خافية الأهداف عن أحد؛ حيث وجدت ترجمتها في منع بناء أية منشآت ثابتة للفلسطينيين هناك.

ثم شرعت سلطات الاحتلال بهدم ما يوجد هناك؛ بدعوى أنها مقامة دون تراخيص قانونية؛ لإفراغ محيط القدس من أهله، وتسهيل توسيع الاستيطان. وتشهد دراسات معمقة على أن معركة الخان الأحمر بالنسبة للصهاينة، هي معركة «وصل» المستوطنات المحيطة بها من الشرق بأحياء المدينة الغربية وربط الساحل الفلسطيني بالأغوار والبحر الميت.

وهناك أحاديث عن مخططات؛ لجعل المنطقة قاعدة تواصل مع الحدود الأردنية نحو العالم العربي، ومركز جذب سياحي واستثماري لاحق. ولا يهم في هذا المجال إن كانت الخطط الاستيطانية تصادر حق الفلسطينيين في أبو ديس والعيزرية والعيسوية وعناتا في التوسع العمراني، وتحويلها إلى مجرد معازل سكانية.

ومعروف أن مشاريع الاستيطان ركزت بشكل واسع على منطقة القدس ومحيطها شرقاً وشمالاً وجنوباً. وشكل مشروع E1 واحداً من أهم هذه المشاريع، التي رمت إلى منع إقامة الدولة الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من أية فرصة لتوسيع قراهم وأحيائهم في محيط القدس. وربما أن مشروع E1، الذي كانت بدايته مستوطنة «معاليه أدوميم»، التي غدت مدينة ضمن مشروع «القدس الكبرى» كان بين أشد المشاريع، التي وقفت الأسرة الدولية بما فيها الإدارات الأمريكية المتعاقبة ضدها؛ نظراً لاستشعار مخاطرها على التسوية.

غير أن الوضع تغير مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وإعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان؛ إذ فتحت هذه الخطوة كل الأبواب أمام عربدة الاستيطان، الذي رأى في وجود الصهيوني المؤيد للاستيطان ديفيد فريدمان سفيراً لأمريكا في القدس عنواناً للتشجيع.

وكانت قرية الخان الأحمر؛ نظراً لما تمثله من موقع استراتيجي في إبقاء أو فناء فرص التسوية السياسية مدخلاً لمشاريع تعاون أوروبية؛ لتكريس عروبة المنطقة. ورغم الرفض الصهيوني لأية مشاريع تكرّس وجود سكان الخان الأحمر على أراضيهم إلا أن دولاً أوروبية عديدة شجعت على إقامة عدد من المشاريع هناك. ومن بين المشاريع التي حاولت الالتفاف على الرفض الصهيوني، إنشاء مدرسة هناك من الطين وإطارات السيارات بالتعاون مع منظمة «Vento Di Terra» الإيطالية. وليس صدفة أن هذه المدرسة كانت بين أول من واجهت قرارات الهدم الصهيونية.

ولا بد من الإشارة إلى أن استهداف سلطات الاحتلال لتجمعات البدو ليس فقط في منطقة الخان الأحمر، وإنما في كل المنطقة «ج»، التي تشكل حوالي 60 في المئة من أراضي الضفة الغربية وهو يخدم مخططاً واحداً: إفراغ الأرض من سكانها وتسهيل الاستيطان فيها لاحقاً؛ ولذلك كان تمسك الفلسطينيين بكل بقعة في الخان الأحمر وسواها بمثابة وضع عقبات أمام مشروع تهويد الأرض. كما أن محاولة الفلسطينيين منع الفصل الجغرافي، الذي تنويه سلطات الاحتلال خصوصاً في الخان الأحمر يعد تأكيداً لرفضهم التحول إلى معازل وكانتونات غير متواصلة ومعزولة أساساً عن القدس التي هي عاصمتهم الخالدة.

ولاحظ كثيرون أنه كلما طفت على السطح خطوات صهيونية؛ لإبعاد أو هدم الخان الأحمر كان ممثلو الاتحاد الأوروبي والكثير من السفراء والقناصل يشاركون في حملات التضامن مع أهلها. وأصدر الكثيرون من هؤلاء باسم دولهم بيانات تعرب عن الإيمان بأن الخطوات الصهيونية تتعارض مع القانون الدولي، ومجحفة بحق التسوية وضارة سياسياً بعملية السلام. وكان مجلس الأمن الدولي قد دعا منذ عام 2004، حكومة «إسرائيل» إلى وقف هدم المنازل الفلسطينية وفقاً لمواد اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية لاهاي؛ لكن حكومة الاحتلال تضرب بعرض الحائط هذه الدعوات وتتنكر، بتشجيع أمريكي حالياً، للقرارات الدولية.

وقد وقف الاتحاد الأوروبي ضد قرارات هدم الخان الأحمر وآخرها قرار المحكمة العليا الصهيونية. ودعا الاتحاد، حكومة الاحتلال إلى إعادة النظر في هذا القرار، وأعلنت مفوضة الشؤون الخارجية فيه، فيدريكا موجريني أنه «ستكون هناك عواقب خطرة للقرار«الإسرائيلي» بهدم الخان الأحمر، وتهجير العائلات المقيمة فيه، وأن هذا القرار سيؤثر بشكل كبير في «حل الدولتين» ويقوض آفاق السلام».

كما أن رئيس وفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع فلسطين نكلس سلكيوتس، اعتبر أن هدم الخان الأحمر وترحيل سكانها يعد «انتهاكاً خطراً لمعاهدة جنيف الرابعة، ويصل إلى درجة جريمة حرب». وكان البرلمان الأوروبي قد تبنى قراراً يعارض قرار المحكمة العليا «الإسرائيلية» الذي يتيح المجال لتدمير القرية البدوية، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى التدخل الفوري؛ لضمان احتفاظ سكان الخان الأحمر بمنازلهم.

وقد دانت الدول الأوروبية الأعضاء بمجلس الأمن الإجراءات «الإسرائيلية» غير القانونية في قرية الخان الأحمر. وقال ممثل هولندا بمجلس الأمن «كاريل فان أوستيروم» في بيان نيابة عن ثماني دول أوروبية، إن قرار المحكمة العليا «الإسرائيلية» برفض طعن الفلسطينيين على هدم منازلهم بقرية الخان الأحمر؛ يمثل سياسة غير قانونية وغير شرعية، وتتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

وتؤمن أوروبا بأن الهدف الصهيوني من الاستيطان هو عرقلة التسوية السياسية ومنع إقامة دولة فلسطينية وهو ما يتعارض مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي، لما يسميه بالاستقرار في الشرق الأوسط.

“الخليج” الاماراتية