aren

«الحياة».. حينما تتوقف \\ كتابة : عماد الدين حسين
الخميس - 7 - يونيو - 2018

 

انقبض قلبي، حينما قرأت أن جريدة الحياة اللندنية سوف تتوقف عن الصدور في نسختها الورقية ابتداء من أول يونيو الحالي في لندن وباريس والقاهرة. الغريب أنني أعرف منذ شهور طويلة جدا مثل كثيرين أن هذا التوقف سيتم.

أحد طقوسي اليومية منذ سنوات طويلة أن اقرأ جريدة الحياة الورقية، ولم أكن من هواة موقعها الإلكتروني، رغم أن المادة واحدة تقريبا. كل يوم أحمل رزمة من الصحف معي إلى البيت، الاساس في هذه الرزمة هما «الحياة» و«الشرق الأوسط»، والباقي متغير حسب أهمية الأخبار والموضوعات.. «الحياة» كانت الحب الأول.

في بعض الأيام لم أكن أملك الوقت الكافي لقراءتها بالكامل، كنت أحملها في يدي أو في الحقيبة إلى البيت، وأقنع نفسي، أنني سأقرأها ليلا، خاصة بعض المقالات المهمة، ومع كثرة المشاغل تتكوم الأوراق وترتفع الأرفف ويزيد منسوب التراب، وتشكو زوجتي من هذا الإدمان، لكن لم أتوقف عنه حتى اللحظة.

«الحياة» في إصدارها الثاني من لندن منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كانت أول تجربة على حد علمي تصدر بتمويل سعودي، من دون أن يطغى على محتواها أثر هذا التمويل بالصور السافرة التي نراها في الصحافة الخليجية الرسمية.

«الغترة والعقال» و«سموه» و«طال عمره» و«حفظه الله»، لم تكن موجودة في الصفحات الأولى للحياة بفجاجة، بالطبع هي تقوم بالتخديم على التوجهات السعودية بشكل عام، ولكن كان ذلك يتم بصورة مهنية إلى حد كبير.

يحسب لصناع محتواها ومطبخ تحريرها ــ ومعظمهم من الأخوة اللبنانيين ــ أنهم حافظوا على الحد الأدنى الممكن من المهنية، في أخبار الصفحة الأولى كان الترتيب يتم على أساس الأهم فالمهم. حتى فى أخبار تغطية قضايا تكون السعودية الطرف الأساسي فيها، كانت المعالجة مهنية إلى حد ما، بمعنى عدم إغفال وجهة النظر الأخرى، بل أنه في معالجة الملف الفلسطيني . كنت تستطيع أن تقرأ وجهة النظر الإسرائيلية.

إضافة إلى جانبها الخبري المهم ، فإن مقالات الرأي في الحياة كانت إضافة كبيرة. صحيح أن معظمها كان محكوما بسقف لا يمكن تجاوزه، شأن ما هو موجود في كل الصحف العربية بلا استثناء، لكن هامش الحركة لدى الكتاب كان كبيرا، ويقدم تصورات ورؤى وتحليلات معقولة للأوضاع العربية المأزومة دوما.

كنت أنتظر بشغف مقالات غسان شربل قبل انتقاله للشرق الأوسط ، وأتابع «عيون وآذان» جهاد الخازن، خصوصا الفكاهية منها والاثنان التقيهما باستمرار في المنتديات الصحفية العربية. ولا يمكنني أن أترك مقالا لحازم صاغية رغم دأبه على انتقاد جمال عبدالناصر «في الرايحة والجاية» وكثيرون غيرهم، خصوصا في مقالات الفكر والتراث، وبعضهم أصدقلاء أعزاء من مصر والبلدان العربية، ومنهم محمد صلاح مدير مكتب الجريدة في القاهرة.

غروب الحياة أو توقفها الورقي يأتي في ظرف بالغ الدقة للصحافة العربية، وهو نذير شؤم، إلا إذا حدثت معجزة. فإذا كانت الصحيفة التي يملكها الأمير خالد بن سلطان نائب وزير الدفاع السعودي السابق تعاني أزمة مالية ، فكيف يكون الحال في مؤسسات صحفية تصدر في «بلدان الجنوب غير النفطية»؟!

هل التوقف ناتج فعلا عن أزمة مالية أم له صلة بتطورات الأوضاع داخل السعودية التي تعيد ترتيب أوراقها في غالبية المجالات؟!

طبقا لما سمعته من زملاء كثيرين، فإن الأوضاع المالية كانت العامل الأساسي حيث تم الاتفاق على إعادة الهيكلة وضغط النفقات ليكون مكتب الدار في دبي هو الأساس ويوحد كل الجهد في غرفة أخبار موحدة من خلال دمج كل الامكانيات لمنتجات الدار المختلفة بسبب تراجع الدخل من الإعلانات، والمفترض انها سوف تستمر في الصدور إلكترونيا عبر نسخة «البي دي إف».

توقف الحياة خبر مزعج ومحزن لكل محب للصحافة وحريات التعبير، لكنه يطرح مجددا العديد من الأسئلة المهمة عن مستقبل الصحافة الورقية ، وأنه لا يمكن الاطمئنان للدعم السياسي بديلا للاستقلال المهني القائم على نموذج اقتصادي ناجح يلبي احتياجات الجمهور في مناخ يتمتع بحد أدنى من الحريات.

نأمل أن تعود «الحياة» للحياة قريبا، ونتمنى أن تكون النموذج الأخير الذي يتوقف ورقيا، وربنا يستر!!.

“الشروق”