aren

الحوار الوطني السوري – السوري … أ. حسن إسماعيل عبد العظيم
السبت - 24 - ديسمبر - 2016

 

بعد فشل الاتفاق الأمريكي – الروسي الذي تم في شهر أيلول 2016، حول إخراج المئات من جبهة فتح الشام من الأحياء الشرقية من مدينة حلب ، وتوقف العملية السياسية التفاوضية في مؤتمر جنيف /3/، منذ شهر نيسان حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نهاية الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني، لعدم تحقق التوافق الإقليمي من جهة، واستمرار اختلاف الرؤى والمواقف بين قوى المعارضة السياسية والمعارضة المسلحة من جهة ثانية، مع دخول الإدارة الأمريكية مرحلة السبات .

كثرت التصريحات والمبادرات حول الحوار السوري – السوري، تحت شعار الهدف المعلن ” إنقاذ سوريا “، والحفاظ على وحدتها وسيادتها وهو هدف مشروع وضروري ، غير أن تعدد الجهات الداعية إليه سابقاً أو لاحقاُ، تختلف في النتائج المتوخاة من الحوار، وهو اختلاف جوهري .

بين من يريد أن يكون هدف الحوار الوطني الوصول إلى تغيير جذري وشامل وعميق للنظام لجميع أركانه، وتفكيك بنيته الأمنية العسكرية، ونهجه الاستبدادي الشمولي المتواصل  ، وبين من يريد الاكتفاء بإصلاحات تدريجية يقدمها النظام ، والمشاركة في مؤسسات النظام القائمة   ( الحكومة، مجلس الشعب والإدارة المحلية ) على غرار ” أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية” ، مع أن هذه الإصلاحات التدريجية فات أوانها، بعد قيام الثورة في النصف الثاني من شهر آذار 2011، فضلاً عن جسامة التضحيات ، التي قدمها الشعب السوري ، وحجم الدمار.

كما أن بعض قوى المعارضة والعديد من المثقفين الوطنيين المستقلين في المعارضة، وبعض القوى شاركوا في الحوار مع مسؤولين من النظام أحدهم نائب الرئيس سابقاً ، في مؤتمر صحارى في عام 2011، ولم تنفذ أي من المطالب التي صدرت عن المؤتمر، وكذلك الأمر في مؤتمر “سمير أميس” بدمشق في نفس الفترة.

كذلك ، فإن هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي ، التي لم تحضر مؤتمر صحارى رغم توجيه دعوة رسمية لها من نائب الرئيس، عقدت مؤتمرها الوطني في حلبون بتاريخ 17/9/2011، تحت شعار “لا للاستبداد، لا للتدخل الخارجي ، لا للعنف ، لا للطائفية “.

وتضمن بيانه الختامي مطالب وطنية مشروعة للتغيير الوطني الديمقراطي، غير أن جميع المطالب الوطنية، ذهبت أدراج الرياح، الأمر الذي أدى إلى تدخل الجامعة العربية لحل الأزمة، وتضمنت مبادرتها نفس مطالب قوى المعارضة ، وعززتها ببعثة معارضين عرب ، وقد رفضها النظام ، كما أن السيد كوفي عنان مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية لسوريا تابع نفس المبادرة ، وعززها ببعثة مراقبين دوليين ، ولم تجد أية استجابة من النظام .

إلا أن السيد كوفي عنان بخبرته الطويلة ، استطاع أن يحصل من المجموعة الدولية دائمة العضوية في مجلس الأمن، والمجموعة العربية والإقليمية والأمم المتحدة والجامعة العربية، على الموافقة على إصدار بيان جنيف بتاريخ 30/6/2012، ببنوده الستة ، كخارطة طريق واضحة للحل السياسي المتوازن للأزمة السورية ، التي تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الشعب السوري والدولة السورية التي تتسع لكل الأطراف والمكونات السياسية والاجتماعية، ومشاركتها دون إقصاء أو تهميش لأي طرف.

غير أن بيان جنيف على أهميته ، وعلى الرغم من صدور بيان عن هيئة التنسيق الوطنية بتأييده بعد أيام من صدوره ، لم يحصل على موافقة المجلس الوطني، وكان ذلك من أسباب عدم تنفيذ مضمونه كما أن الغموض حول مصير الرئيس السوري في البيان ، حول البقاء في المرحلة الانتقالية وترك مصيره للعملية التفاوضية، أو تنحيته، كان سبباً آخر في تعطيل تنفيذه .

كما يضاف إلى ذلك محاولة حصر تمثيل قوى الثورة والمعارضة بطرف واحد ، هو المجلس الوطني ، ثم الائتلاف الوطني ، الأمر الذي كان سبباً في فشل “مؤتمر جنيف” في شهر شباط  لعام 2014، لاستبعاد هيئة التنسيق الوطنية التي قدمت رؤية واضحة لتفسير بيان جنيف، وآليات تنفيذه ، بعد الاتفاق الأمريكي الروسي على الحل السياسي وفق بيان جنيف في 7/5/2013 .

مما جعلها تبادر إلى محاولة التنسيق مع الائتلاف الوطني على رؤية مشتركة لتوحيد جهود المعارضة ومواقفها ووفدها التفاوضي ، وسعيها مع وزارة الخارجية المصرية والمجلس المصري للشؤون الخارجية لتحقيق ذلك.

وكان لقاء القاهرة التمهيدي بتاريخ 22-24/1/2016 خطوة على هذا الطريق، ثم مؤتمر القاهرة بتاريخ 8-9/6/2015 خطوة أخرى ، كان من ثمارها بيان القاهرة من أجل سوريا بنقاطه العشرة، والبيان الختامي للقاء التمهيدي، ووثيقة خارطة الطريق للحل السياسي ، والميثاق الوطني السوري، والبيان الختامي لمؤتمر القاهرة ، من الوثائق الهامة الصادرة عن منصة القاهرة ، غير أن قيادة هيئة التنسيق حرصت على عدم تشكيل جسم سياسي في المؤتمر ، بسبب استبعاد عدد من قوى المعارضة الفعلية عنه.

ثم شاركت هيئة التنسيق في لقاء موسكو/ 2/ التشاوري بعد فترة وجيزة من مؤتمر القاهرة ، وفي صياغة ورقة مشتركة للأطراف المشاركة في اللقاء ، بما فيها أحزاب مرخصة ، وأعضاء مجلس الشعب ، غير أن الوفد الحكومي برئاسة د. بشار الجعفري رفض مناقشة الوثيقة المشتركة ، وعمل على إفشال اللقاء الذي أطلق عليه منصة موسكو.

وأمام تصاعد موجة الإرهاب في العراق وسوريا ، وسيطرت داعش على مناطق واسعة من البلدين ، وتهديد الأمن الإقليمي والدولي ، تطورالتعاون الأمريكي الروسي ، وتم تشكيل مجموعة دولية برئاسة مشتركة – أمريكية روسية – وتم عقد لقاء فيينا الاول والثاني  ، وقررت المجموعة عقد اجتماع موسع لقوى الثورة والمعارضة ودعوة الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق الوطنية بصفتهما الاعتبارية لحضورالمؤتمر، ودعوة ممثلي فصائل معارضة مسلحة معتدلة ، وشخصيات مستقلة ، وقد بادرت المملكة العربية السعودية لاستضافة المؤتمر في الرياض، ووافقت المجموعة الدولية لتشجيع السعودية وقطر وتركيا على الانخراط في العملية السياسية ، و قد شاركت هيئة التنسيق الوطنية في المؤتمر.

انتهى مؤتمر الرياض إلى تشكيل هيئة عليا للإشراف على المفاوضات، “ككيان وظيفي” وتشكيل الوفد التفاوضي وأصدر بيانه الختامي، وهي نتائج منصة الرياض ، وعلى الرغم من اعتبار ماصدر عن منصة الرياض ، هو الكيان الوظيفي الأساسي في العملية التفاوضية لتنفيذ بيان جنيف.

غير أن القرار 2254 ، أشار إلى تكامل منصتي القاهرة موسكو مع منصة الرياض ، وكان ذلك من أسباب تعدد الوفود الحاضرة في جنيف خلال جولات التفاوض ، التي بدأت في شهر شباط 2016، مع بقاء الوفد التفاوضي المشكل عن منصة الرياض ، هو المعتمد دولياً بشكل أساسي.

 كما أن غياب التوافق الإقليمي مع التوافق الدولي، والموقف المتردد للإدارة الأمريكية ، كان من أسباب توقف العملية التفاوضية منذ شهر نيسان 2016، وعدم إنجاز الحل السياسي قبل الانتخابات الأمريكية .

وأعطى ذلك الفرصة للنظام وحلفائه للعمل على تغيير ميزان القوى على الأرض، وبسط السيطرة الكاملة على مدينة حلب، ودفع ذلك بعض الأحزاب المرخصة لعقد مؤتمر في 26/11/2016 تحت عنوان حوارسوري – سوري.

وتشكيل منصة دمشق ، وتسعى فعاليات أخرى تعتبرنفسها معارضة لعقد مؤتمرات ومنصات مماثلة ، في محاولة للالتفاف على مبادرة مشتركة من هيئة التنسيق والعديد من قوى المعارضة الوطنية لعقد مؤتمرانقاذ وطني لسورية جديد في دمشق – إن سمحت الظروف – مماثل لمؤتمرالانقاذ الذي عقد في ٢٣/٩/٢٠١٢.

والهدف الأساسي من المؤتمر ، متابعة المشروع الوطني الذي عملت هيئة التنسيق منذ تأسيسها لتوحيد جهود المعارضة ورؤيتها وخطة عملها ومواقفها ، والعمل المشترك مع جميع القوى الديمقراطية المتمسكة بالحل السياسي التفاوضي كخيار وحيد ، دون الرهان على خيارات أخرى ، تأكد فشلها وخطرها على الشعب السوري ، ووحدة سوريا وسيادتها ، وتشكيل جبهة عريضة أوتجمع القوى الديمقراطية ، تكون هيئة التنسيق طرفا فيه ، والعمل على انهاء انقسام قوى المعارضة والثورة بشكل نهائي من خلال التنسيق والتفاعل بين كياناتها في الداخل والخارج ، وتوحيد أهدافها ومواقفها ، ومطالبها .

إن الحوار السوري – السوري ، بين السوريين هام وضروري، على أن يقتصر في المرحلة الحالية على أن يجري بين قوى المعارضة الفعلية من منصتي الرياض والقاهرة ، وطرف من لقاء موسكو الثاني ، بهدف توسيع المشاركة في العملية السياسية التفاوضية في مؤتمر جنيف \3\ .

وهو ضروري في المرحلة الانتقالية بعد عملية الانتقال السياسي، من خلال مؤتمر وطني عام يشمل قوى المعارضة والمجتمع المدني وقوى الموالاة ، لصياغة ميثاق وطني يتضمن المبادئ الأساسية للدستور السوري الجديد .

أما الحوار المباشر مع وفد النظام ، فهو غير منتج في ضوء التطورات السياسية ، منذ صيف عام 2000 حت ربيع عام 2011 بسبب فشل مؤتمر صحارى، ومؤتمر سميراميس، وإغلاق المنتديات بما فيها منتدى جمال الأتاسي.

وحملات الاعتقال التي طالت نخبة من المثقفين في عام 2001، كما طالت نخبة من السياسيين في عام 2006 – 2007 ، والإصرار على الحل الأمني العسكري، في موجهة الحراك الثوري السلمي منذ بدايته في 18 آذار 2011 ، والخيار الأجدى هو التفاوض بين وفد معارضة وازن ومقبول، ووفد حكومي يمثل النظام، وهذا ما طالبت به قوى المعارضة وقد تبناه بيان جنيف في 30/6/2012

ولا بد أن يكون هدف التفاوض، هو تحقيق الانتقال السياسي من النظام الحالي بكل رموزه ، وأركانه ، وتشكيل هيئة حكم انتقالي تحتفظ بالصلاحيات التنفيذية الممنوحة للرئيس ، وتوزع الصلاحيات التشريعية، والعسكرية، والقضائية للمؤسسات التي تشكلها، وتشرف عليها ، ولا بد من إعداد دستور جديد، وقوانين انتخابات وأحزاب وإعلام، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وذلك كله تنفيذاً لبيان جنيف والقرارات الدولية 2118، 2254 وغيرها.

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها