aren

الحوار السوري السوري ومقتضياته التاريخية القصوى …… د.طيب تيزيني
الثلاثاء - 13 - ديسمبر - 2016

قد نعمم ، اذ نقول : ان مقتضيات الحوار السوري السوري ، أصبحت الآن بمثابة الاقصى من كل موجبات هذه التاريخية ، وهذا بدوره يضع التاريخية اياها في موضع التفكيك والتدقيق ، بحيث يقودنا ذلك الى اكثر تشخصاته شناعة في الذكرى السورية التاريخية .

اذ ، ان مايحدث الآن في سورية المعْنية المشخّصة ، انْ هو الا استرجاع لاعظم ما أريد له أن يصبح سيد الموقف في الارث الاستعماري الفرنسي ، نعني منظومة اتفاقية سايكس – بيكو .

أما الحيثية الاكثر ظهورا لذلك ، فتتمثل في انها تجسد “أيقونة ” العالم المتوسطي القديم ، كما ايقونة الوطن العربي الحديث ، هكذا ’تفصح عن نفسها بشيء من الخجل سمة تلك الايقونة ، التي جعلت من الكائن البشري ، كائنا قادرا على اختراق ما يجعل منه في موقع التأسيس لتاريخ “الانسان العاقل” ، أي لذلك الذي لا يعقل نفسه بنفسه فحسب ، وانما الذي يفتح آفاق للعالم كله .

نعني بذلك ، الذي اكتشف أكثر الاسرار حصافة ، وهو “لغة الضاد” ’معبرّا عنها بالابجدية ، بالتوازي مع “العمل” ، بمثابته منتجا للحياة البشرية المتملكة لشروط العيش ، والان ، نجد أنفسنا مواربين للقضية الوجودية ، اذا بقينا خارج “المسألة ذاتها” نعني سورية – سوريا ، فقد اتضح أن الايقونة ، التي تحدثنا عنها ، قد غدتْ عرضة للتفكيك والتجزيء والاطاحة .

فبعد انبلاج عالم الطوائف من جديد في العالم السوري العربي ، وبعد أن انبسطت في العام عامة الديموغرافية السورية ، وأصبحت المسألة تتلخص في الفكرة التالية ، الحاسمة والمتمثلة في كون “سورية واحدة ، موحدة أرضا وشعبا ” ، اضافة الى الهوية التاريخية التي اكتسبتها سورية مع ولادة التاريخ الوسيط خصوصا ، نعني الهوية العربية ، التي غدت ’مركّبة بين السوري والعربي .

ان سورية هذه ، اذ ولدت في التاريخ بمثابتها مشروعا سوريا عريبا ، وجدت نفسها وقد راحت تؤسس لبقعة من العالم ، تدخل في حساب التاريخ العالمي بمثابتها السورية العربية ، أو العربية السورية .

فكيف اذن ، اذا جاء من جاء في العصور الحديثة وبامتدادها ، ليعلن ضرورة تفكيك السورية العربية الى ما يفضي الى محاولات ارتباط ملفّق بين السورية العربية ، وبين ما تعايش معها من أقوام ايرانية وغيرها عقودا ، تعايش الصديق مع الصديق والند مع الند ، ولكن دونما تفكيك الهويات التاريخية لصالح أخرى غيرها .

ها هنا ، وقف الحدث التاريخي السوري العربي ، يتساءل تساؤل الجريح الرافض لفعل الجرح : أليس خطأ فاحشا ، ان يقوم الآخر باللعب على الهويات الوطنية والقومية وغيرها ، عبر مسوغات دينية طائفية ؟!.

لم يدرك للاسف المْعنيّون بذلك ، تحت القتال الطاحن ، لم يدرك أن حبال حقيقة زائفة تاريخيا ، لا تستطيع أن تصنع حقيقة جديدة ، بل جلّ ما يمكن أن تصنعه ، انما هو اطالة المدى التاريخي ، وجعله اكثر ارعابا ومأساوية .

كان ذلك ، أمرا حاسما لضبط ما علينا ان نتشارك فيه من حوار سوري سروي ، وهذا عليه أن يبرز بعمق من خلال ضبط المعقد بالمبسّط مما تعيش فيه سورية عموما ، وحلب ضمنها بكيفية مخصصة .

هاهنا يتعين ذكر ان الحوار المذكور ، عليه ان يحدث عبر خانة من الشوك ، فلقد ظهر ذلك في غمرة القتل والحرق وتدمير الكثير ممن ينتمون الى الكثير من البشر ، كذلك في سياق التأكيد على غياب من قد يكون من طرف المقبرة والموت ، نعني من ذهبوا وقودا لاسلحة لا تميز بين البشر (أطفالا ونساءا ورجالا ) ، بل تمارس دورا لم نعهده في الحروب .

والقول بان التمييز بين المقاتلين والقتلة ، أمر معقد ، كلام غير دقيق حتى لو كان دقيقا في عموميته ، ان الحرب هذه ، قد تحدث في مدن ومراكز وقطاعات بشرية كالمدارس وتجمعات العمل وغيره ، ممّا من شأنه ان يضيق حقل القتال ، حفاظا على من يكونون وقوده .

ان تلك المعطيات جميعها تمس سؤالا حصيفا ، يبرز على السطح ، أولا : ما هي أسئلة الحوار المطلوب هنا ، وثانيا : من هم المهيأون للتدقيق في تلك الاسئلة ، هل هم ، كما يرى البعض ، أنهم أصدقاء أوغرباء أو متحدرون في الاساس من أوطان أخرى .

في هذا المجال لا يكتفي المرء بالصفات المتصلة ب “موضوع ” الحوار ، أو بخصوصيته التقنية أو الثقافية أو الاخلاقية ، أو السياسية ، ان ذلك كله يطرح نفسه ، خصوصا على صعيد ، من لم يعد ممكنا أن يحاور ويناقش وغير ذلك من حيثيات الموقف .

في الممكن المفتوح هاهنا ، يمكن القول بأن جميع هؤلاء ، وبدرجات وكيفيات مختلفة ، مهيأوون أو قد يكونون مهيأين للقيام بذلك ، مع ملاحظة ، أنه في هذا السياق تختلط الخيارات وامكانية السماح بوجود مثل هذه الخيارات ، لكن تبقى المسألة الأكثر اقترابا من الحقيقة ، وهي أن مقولة ” المظلومين ” – على الأقل – هي ضمن عملية  العبور ، الذي يحقق شروطا ، أو بعض شروط ، للوصول الى قضاياهم ، سلبا وايجابا .

أما في الاخير ، فليس الأمر متصلا بعدد من السجناء المسجونين المعنيين بذاتهم ، بل نمط من السجناء القادرين على التعبير عن ضرورات ذلك الحوار ، بصيغة أكثر اقترابا من العدالة السياسية والمستويات الحوارية ، والوصول الى “حقيقة ” ما .

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها