aren

الحفلة الكبرى … والتي كانت مدتها أقل من دقيقة ! \\ بقلم : أ. عبد الله ثابت
السبت - 21 - يوليو - 2018

 

أشهر وأعمق حوار في رواية/فيلم الرسوم المتحركة “أليس في بلاد العجائب”:

( تسأل الطفلة أليس..

– كم يستغرق الأبد؟

يجيبها الأرنب:

– أحياناً ثانية واحدة فقط! )

حسناً ! إن ما حدث بمسرح المفتاحة عظيم !

لم تكن مجرد حفلة من ترتيب هيئة الترفيه، ولا ساعتين أو ثلاث، من تقليب الأغاني. كانت تلك اللقطة بالذات، وتلك الثواني العارمة! … وعندي – على الأقل – ألفان وثمانية عشر سبباً لشرح هذا!

أول الأسباب.. ولماذا؟

لأني أعرف ركاماً مهولاً من الوقائع والأسرار والشخوص والسير، وكيف اشتغلت جماعات الصحوة، بنو “صحيون” أو “الصحاينة” (وهذه سخرية شائعة على شيوخ وعناصر وأتباع الحركات الإسلامية عندنا، وفيها مناكفة ذكية، وتحمل دلالة مضحكة ومعبرة) في عقود هيمنتهم، وعملهم على اقتلاع عماد المجتمع. وأخص هنا المجتمع الريفي الجبلي، ذو القيم المدنية بالفطرة، وأعني بعماد المجتمع؛ النساء!

لنبدأ..

من يعرف أبها، ومدنيّتها الفطرية بالتقادم، فإنه لن يصدق ما آلت إليه من حجم التوحش، ولا من أشباح الوجوه المنكرة والطارئة، التي وزعها أولئك الأوغاد في كل شبر وشارع ومسيل ومفيض، ولا القتامة التي دهنوا بها حيطان البيوت ونوافذها الموصدة، ولا أشلاء سفرة الطعام المشتركة المختلطة، بين الجيران والقربى، وحتى العائلة الواحدة!

بالعموم.. خذوا هذه الطرائف المخزية، ولو على سبيل الذكريات، واستجلاب الجنون، والضحك الأسود:

كان أول ما حدّوا عليه شفارهم: المرأة، والقبض على التعليم، وغسيل المنابر… وإلخ، هذه لعنتهم وخطتهم الميدانية الفورية، أينما حلّوا!

(لا حاجة للحديث عن أي خطط بعيدة المدى، اختر بلداً مضطرباً، وانظر ماذا يفعلون فيه).

عن المرأة.. وصوت الفتيات في حفلة الدقيقة :

تجنّب ما يمكن من كلام الشرح والتهوين، عصابة الشاشات والسياق والحقائق والثرثرات، والحوادث والظروف، وتحولات التاريخ، ونشوب النزاعات الإقليمية، والتسويات والمعاهدات، واسخر مطمئن البال من ثلاثة أرباع شخير الذين يلومون النفط وطفرة المال المباغتة بأيدي الناس.. من عشرات الجوانب، في تفسير الخراب المعاصر!

هناك قصة تتعلق بجماعة، كانت ستجد لنفسها مكاناً في أي ظرف، تفسر العالم بسرديات وسيرورة تاريخية يعتقدونها بشكل مطلق، ولديهم مرويات مدمرة من التراث، وكانت وما زالت وستعمل في كل الظروف والأحوال، بنفس الأداء، والذهاب لنفس النتائج!

 ما الذي سيفعلونه دوماً بالمرأة؟

حدث هذا في أبها، والسعودية بأكملها، حين سنحت لهم الفرصة: لم يكتفوا بتعطيل شراكتها الحيّة والفاعلة في الحقل والسوق، ولا ندّيتها في المشورة والقرار والمصير، بل ذهبوا بعيداً في التخلص منها.. سرقوا أغانيها ونشائدها، وخطوتها وسمرها، كتموا صوتها، وطمسوا حتى تمايزها البشري البسيط، ما يمكن التفريق به بين امرأة وأخرى: هوية وجهها! ثم أخفوا كل ما يدل عليها، من رأسها، حتى أنامل قدميها!

اسمع في الجوامع والجامعات والمدارس والأشرطة  رمي النساء بالزواني والعاهرات والملعونات، على رشة عطر، أو تلوين شعرة في حاجب، سموهنّ بالنواقص، وحرضوا أقاربهن لحرمانهن من لقمة الرزق والوظيفة، ومن توظفت منهن هوّلوا على أهاليهن ألا يتركوا المال بأيديهن، لأن المال بأيديهن مظنة المفسدة، وهكذا سطا كثيرون من الأزواج والآباء والأخوة على رواتبهن الزهيدة!

قالوا إن تعليمهن شرّ، ومن يسمح لهنّ، من ذويهن، بالعمل في مستشفى أو سوق، فهو بلا شرف ولا غيرة! حذروا الشباب من الزواج من أي فتاة تكدح لتساعد أهلها، ووصموا البيوت التي خرجت إحدى بناتها للعلم والمستقبل والابتعاث بالدياثة، وأفتوا طولاً وعرضاً بضربهنّ، وشبّهوهن بالكلاب السود والحمير وقرينات الشيطان، واعتبروهن من جنس البهائم!

وقد حدث كثيراً أن بعض مجانينهم، ممن كانوا قد جالوا زمناً في مراكز التسوق، لاحقوا النساء، وكالوهنّ بصنوف السباب والمهانة والبهتان، ومن منا لم ير مقطعاً للاعتداء، والسحل أحياناً، والخوافي أشنع!

إن قائمة ما فعلوه بالنساء يمكن أن تملأ ألفي ألف كتاب، ولها خاتمة من لعنة واحدة؛ القذف بكل من تخرج عن كلمتهم، ولو في قطعة قماش، أو مقعد معيشة، في قعر السعير، اجتماعياً في أيام الدنيا، والحريق السرمدي في الآخرة!

لقد كانوا بارعين وخلّاقين، ليس في وضع الكذب اليومي فحسب، بل أيضاً في توليف فانتازيا رهيبة من الهراء الدنيء والمفزع، ويصممونه بمهارة موغلة في الشرّ لترويع الناس، وللعبث بضمائر بشرٍ في حالتهم الخام، أولئك الذين تقلق وسائدهم اللغة، اللغة التي هي خبرتهم الوحيدة في الحياة!

بكل حال..لقد حدث هذا في سائر البلاد، لكني أخصّ شغلهم المتقن في أبها تحديداً، وأمّا السبب، والـ لماذا الألف:

فلماذا كانت أصوات فتيات أبها والجنوب في المسرح حقاً مذهلة وتاريخية وخارقة ومدوية؟

لماذا أعتبر أن حدثاً صغيراً، وعابراً كهذا، يحمل كل هذه الأهمية؟

ببساطة.. لأن هذه الأصوات كانت إعلاناً هائلاً، ومباغتاً جداً، فيما يخص حالة هذه المدينة الفطريّة: فتياتها في صف الحياة!

عظيمات عسير، حضرن من كل صوب، وهتفن بصوت عال وجماعي، وبملء رئاتهنّ: إننا هنا!

سنين السبي والوأد الوجودي، ونخر المعنى والفاعلية، لم تفلح في نسف عماد المكان، ولا أطاحت بركن المنزل، بالرغم من كل ما نالوه منه، مهما ملأوه بالشروخ، ومهما دسّوا فيه فئران طواعينهم!

‏تمجدت أبها، وتلك الليلة، في الأعالي!

‏طبعاً ، لا بدّ أن نسدي الشكر الوفير لمحمد عبده. ولصوت الفتيات في بلاد العجائب.. والأبد الذي استغرق هذه الثواني!

الصورة بالخارج : من حفلة “محمد عبده” ، في (أبها⁩) -أول أمس- الخميس ١٩ حزيران\يوليو ٢٠١٨

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها