aren

الحروب السورية : من درعا إلى درعا \\ كتابة : ناصيف حتي
الثلاثاء - 17 - يوليو - 2018

 

درعا ، هي المدينة التي انطلق منها في مارس ٢٠١١ الحراك السوري في إطار الربيع العربي حينذاك ، الواعد والحامل لحلم التغيير. الحراك الذي أطلق الصراع في سوريا والذي سرعان ما تحول إلى صراع حول سوريا بعد أن خطفته صراعات وأجندات الكبار الدوليين والإقليميين.

ولا عجب في ذلك، إذا تذكرنا موقع سوريا في قلب الجغرافيا السياسية في المنطقة أيا كان الممسك بمفاتيح القرار في دمشق.

درعا اليوم، صارت رمزا ونموذجا لصفقات الكبار وتقاطع المصالح بينهم، حلفاء وخصوم، في المسرح الاستراتيجي السوري.

المواجهة الكبرى، بالوكالة أولا، وبشكل مباشر ثانيا بالنسبة للبعض، بين الغرب الداعي للتغيير وحامل راية الديمقراطية ومعه تركيا الأطلسية الإسلاموية وأكثرية المنظومة العربية المصطدمة بالسياسة الخارجية لسوريا وليس بالضرورة حول القضايا الداخلية مثل طبيعة السلطة، غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من جهة، ومن جهة ثانية، مع تحالف داعم للسلطة السورية تحت عناوين من نوع عالم ثالثي ومقاوم للهيمنة الغربية، طرفاه أساسا إيران الإسلاموية وروسيا الاتحادية بشكل خاص.

هذه المواجهة اندثرت مع الوقت لتختلط الأوراق ويحل محلها تحالف قائم على تفاهمات بـ«القطعة». تحالفات تعكس المصالح الحيوية التي صارت معرضة للتهديد لكل الأطراف الخارجية. إن لم يكن سقط بالفعل، مسار جنيف الأممي الغربي العربي النشأة والرعاية، وحل مكانه بقوة الواقع مسار أستانة الثلاثي، الروسي في دور المايسترو، ومعه إيران وتركيا.

***

يجرى اليوم إخراج وإبعاد المقاومة المسلحة من درعا بعد أن أبلغها أصدقاؤها الخارجيون بانتهاء دورها في الجنوب الغربي لسوريا، ليجري تسليم المنطقة بشكل تدرجي إلى السلطات السورية بضمانات ومواكبة وتواجد روسي.

يحظى هذا الانقلاب على الأرض بتوافق واسع قائم على مجموعة تفاهمات يضم إلى جانب إسرائيل، كلا من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة والقوى الغربية وأكثرية المنظومة العربية، عنوانه أن يكون الجولان، كما كان عند فك الارتباط على الجبهة السورية الإسرائيلية عام ١٩٧٤، إلى حين انفجار الوضع السوري : جبهة هادئة ووقف إطلاق نار كلي وتام، وأن تكون إيران وحلفاؤها من تنظيمات بعيدة عن الجبهة بمسافة تتراوح بين ٥٠ ــ ٦٠ كيلومترا كما يرى الروس، و٨٠ كيلومترا كما تطالب إسرائيل.

هذا التوافق حول فرض الاستقرار الإقليمي في منطقة شديدة الحساسية يعبر عن تلاقٍ بين مختلف الأطراف المشار إليها لمنع إيران من إمساك ورقة أساسية عبر البوابة السورية في دبلوماسية الصراع العربي ــ الإسرائيلي وهي الموجودة بقوة في إطار هذا الصراع عبر حلفائها فى لبنان وأيضا عبر غزة، ولو بشكل متغير وأقل تأثيرا.

قرار نجح به «المهندس» الروسى عبر اتصالاته المكثفة والموازية مع كل من إسرائيل وإيران. يأتي ذلك في لحظة تصاعد الصدام الأمريكي العربي الأكثري مع إيران على مسرح مواجهة يمتد من اليمن إلى لبنان.

ويبدو أن هناك تجاوبا إيرانيا، يعبر عن الواقعية السياسية الإيرانية، الذي قد يكون مؤقتا مع هذا التوجه. وإيران تدرك، كما تدرك روسيا، أن شعار إخراج إيران من سوريا كليا وليس فقط إبعادها عن الجبهة السورية الإسرائيلية أمر غير واقعي في سياق تطورات الأزمة السورية، على الأقل فى المدى المنظور، وطالما لم تتم تسوية نهائية في سوريا تشارك فيها إيران.

منطقة شمال غرب الفرات سلمت إلى تركيا التي أيضا صار لها موطئ قدم فى منبج الكردية بدعم روسي إيراني أساسا، فيما شرق الفرات وشماله التى سلمها الأمريكيون إلى حلفائهم الأكراد مع توفير الدعم لهم، وهي منطقة آبار النفط والغاز الأساسية هى من نقاط التوتر، إذ إن واشنطن تريد الإمساك بها عبر حلفائها وأصدقائها لإقفال إحدى أهم بوابات العبور الإيرانية إلى سوريا. ويبقى اهتمام السلطات السورية ومعها فى ذلك روسيا وإيران بالحفاظ على ما يعرف بـ«سوريا المفيدة» الممتدة من حلب شمالا والمرهون وضعها بتوافق روسي تركي إلى دمشق وصولا إلى الحدود مع الأردن والجولان وإلى الساحل السوري.

***

الحلول التي تحاول أن تفرضها التفاهمات الدولية القائمة على تقاطع وتصادم المصالح قد تكون مؤقتة وهشة فى الزمان وفي المكان بانتظار التوصل إلى تسوية سياسية شاملة لإقفال الملف السوري. تسوية تحظى بالفعل وليس بالشكل بدعم جميع القوى الخارجية المؤثرة والوازنة بحكم وجودها المباشر وعبر حلفائها المحليين في المسرح السوري.

وللتذكير، فقد رأينا منذ صيف ٢٠١٢ (في مقالة فى صحيفة لوريان لوجور اللبنانية) أن المدخل الواقعي لتسوية الأزمة السورية، بعد سنتها الأولى حينذاك، يمر عبر مؤتمر «طائف دولي» يحدد إطار الحل بشكل عام، يلحقه «طائف سوري» يشارك من خلاله مختلف مكونات الشعب السوري في صياغة الحل الوطني (على غرار تسوية الأزمة اللبنانية عام ١٩٨٩ في الاجتماع الذي رعته المملكة العربية السعودية في مدينة الطائف).

ختاما، أجد من الضروري العودة إلى قراءة كتاب باتريك سيل بعنوان «الصراع حول سوريا ١٩٤٥ــ ١٩٥٨». اللاعبون يتغيرون، والعناوين الأيديولوجية والسياسية تتغير، ولكن المصالح الحيوية لمختلف القوى تبقى هي هي.

إنها لعنة الجغرافيا السياسية الجاذبة للتدخل في لحظات الضعف والوهن والانكشاف، ولبنان، لسنوات طويلة، كان خير نموذج لذلك قبل أن تخطف منه سوريا، بثقلها وموقعها، مركز الصدارة.

“الشروق” المصرية