aren

الحرب على سوريا تدخل مرحلتها الثالثة والأخيرة… بقلم: أنيس نقاش
الثلاثاء - 28 - فبراير - 2017

 

كنت ، وما زلت أعتقد على أن تحديد المرحلة التاريخية ، التي تمر فيها أية أمة ، وسمات التحديات التي تواجها ضمن معادلات الموقف الدولي والاقليمي ، اضافة الى حدود ، ومستوى الوعي ، والقدرات المادية ، والبشرية التي تمتلكها .

هي ، التي تحدد مدى نجاح أو اخفاق هذه الأمة أو تلك ، على تخطي التحديات ، وتحقيق الانتصارات ، أو الاخفاق ، وتلقي الهزائم .

هذا الأمر ، أكثر ما ينطبق على سوريا ، وعلى طبيعة التحدي ، الذي تواجهه بما أصبح يعرف بمصطلح ” الحرب الكونية على سوريا ” ، دون أية مبالغة.

في بدايات هذه الحرب ، كانت المعادلة تبدو بسيطة لمن حركوها ضد سوريا ، من داخل سوريا ومن خارجها, كما كانت تبدو كذلك ، حتى لأصحاب القرار في القيادة السورية.

المعادلة ، كانت تقول : ان هناك محاولة للاستفادة من مناخ ما عرف زيفا ” بالربيع العربي” من اجل اطلاق حركة احتجاجية شعبية ، تشبه ما حصل في تونس ومصر وليبيا, من اجل اسقاط النظام القائم ، أو بأقل التقديرات ، اجباره على تغيير تحالفاته الاقليمية ، وسياساته تجاه الاقليم ، وخاصة مسألتي علاقته بايران ، ودعمه للمقاومة.

نتحدث هنا ، عن الشروط والأهداف الفعلية للحراك المحرك والمدعوم من الخارج, لا عن أوهام من كانوا يتحركون ، ظنا منهم أنهم يجارون ويقلدون الحراكات ، التي جرت في بلدان عربية أخرى .

بعد فشل معادلة تحريك الشارع بالتظاهرات الحقيقية أو المضخمة ، ولكن المدعومة بشكل مكشوف وقوي من قبل جوقة من أجهزة الاعلام العالمية والاقليمية, وهو تكتيك وأساليب الثورات الملونة ، أو الوردية, كما أصبح معلوما للقاصي والداني.

كان لا بد من تغيير التكتيك والأسلوب ، والانتقال من تكتيك وأسلوب تونس ومصر الى تكتيك ليبيا, أي استحضار العنف المسلح ، والاستعانة بالقوى الأجنبية, كما حصل في ليبيا عند تدخل ( الناتو ) والقوات الخاصة الفرنسية ، البريطانية والقطرية مباشرة ، على خط التدخل العسكري المسلح لاسقاط النظام.

هنا ، انتهت المرحلة الأولى من الحرب ، التي شنت على سوريا بوتيرة منخفضة ، وانتقلت الى العنف المسلح .

شروط الوضع السوري ومعادلاته ، وتبلور الموقف الروسي الصيني ، حالا دون تحقيق هذا السيناريو ، الذي كان يفترض القدرة على اتخاذ قرار دولي ، يجيز التدخل ، واعلان مناطق حظر جوي ، كما حصل في ليبيا.

ومع فشل المجموعات ، المشكلة حديثا من قبل ميليشيات محلية ، ولكنها مسلحة من الخارج ، ومن بعض الغنائم ، التي سطت عليها في مخازن القوى الأمنية السورية, كان لا بد من رفع مستوى العنف ، من خلال الاستعانة بما يعرف ب(الجهادية العالمية ) ، للدخول على خط الصراع .

من أجل تحقيق هدفين أساسيين : الهدف الاول ، هو رفع مستوى الصراع المسلح من خلال ادخال أعلى درجات العنف التي يمكن أن تعادل , أو تتفوق , على صمود القوى الأمنية السورية ، التي كانت تقوم بواجبها الدستوري بالحفاظ على الأمن ، الممتلكات ، والأرواح.

لتحقيق ذلك ، فتحت الحدود الشمالية من جهة تركيا ، والجنوبية من الأردن ، وتدفق آلاف المقاتلين ، الذي جلبوا من كل أصقاع الأرض ، لكي يقاتلوا في سوريا.

أما الهدف الثاني ، كان عبر طبع القتال ، بطابع ديني مذهبي ، يؤثر على التوازن الاقليمي ، وعلى طبيعة الصراع ، من خلال التهديد بالفتنة الكبرى ، والاقتتال الاسلامي – الاسلامي ، ان لم يستسلم النظام – كما كانوا يظنون

وبحشد هذه الكتلة الدينية المذهبية ، في وجه حلفاء سوريا والمدافعين عن سيادتها ، وعن مصالح الشعب السوري, الذي أثبت أنه بأكثريته ، لم ينخرط بهذا الحراك الموجه ضد الدولة السورية.

وكانوا يظنون ، أنهم بهذا الحشد ، سيرهبون بأفضل الحالات ، حلفاء سوريا المقاومة ، من قوى اقليمية ودولية, أو يعادلون من خلال هذا الحشد الديني والمذهبي ، قوة التحالف الذي بدأ بدعم الدولة السورية ، بشكل قوي و واضح .

هذه المرحلة ، هي المرحلة الثانية من مراحل الحرب على سوريا, والتي يمكن تسميتها بمرحلة الاستفادة من المنظمات والقوى غير الحكومية, ولكن ذات الصفة المحلية والدولية, لكي يسقطوا الدولة السورية.

حتى هذه المرحلة ، لم تكن الدول المحرضة والممولة والمسلحة لكل هذه الحرب على سوريا ، قد دخلت بقواتها أو بشكل علني ومباشر بالصراع, ولكنها كانت تكتفي بتحريك مجموعات الداخل ، ورفدها بمجموعات من الخارج ، دعما ، تمويلا ، تسليحا ، وتوجيهها وتطعيمها ، ببعض رجال الاستخبارات والقوات الخاصة ، لتوجيها وقيادتها بشكل غير علني ، في ساحات القتال.

بروز العامل الارهابي الدولي العابر للحدود, من خلال تخطي (داعش) الحدود العراقية – السورية واعلانها دولة الخلافة, أظهر عدم القدرة بالسيطرة الكاملة على هذه المحموعات.

فهي ، وان كانت مدعومة ومؤيدة بأشكال عدة في حراكها, الا أن طرح الدولة الاسلامية بصورة الخلافة المزعومة ، وانتشار الارهاب خارج حدود الصراع ، الذي كانت القوى الدولية والاقليمية الداعمة للحرب على سوريا تبتغيه ، أثر على سير هذه الخطة ، وجعل الاستفادة من الجهاد العالمي في الاقليم ، سلاح ذو حدين.

في هذا المناخ ، كانت سوريا وايران وحزب الله ، ومن خلفهم روسيا ، والصين أيضا ، يتحركون ضمن المعادلات التالية :

حزب الله يتحرك في وجه المؤامرة الدولية ، التي حولت الصراع على سوريا من حراك شعبي محلي فاشل ، الى حراك مسلح ، يستقطب ويستخدم القوى التكفيرية المعادية ، لمحور المقاومة ، الموجهة والممولة والمدعومة اعلاميا من قبل المعسكر الدولي ، والاقليم .

الذي وضع ضمن أهدافه ، تغيير موقع سوريا من محور المقاومة ، الى دولة معادية للمقاومة ومنخرطة بالتوجهات العربية والاقليمية للمشروع التركي – الخليجي ، لدول النفط العربية.

ايران دخلت بمستشاريها ، وامكاناتها الاقتصادية والمالية ، لدعم صمود الدولة السورية ، لنفس الأهداف التي دخل فيها حزب الله, بل لتطوير حضور معسكر المقاومة في الاقليم ، من خلال فتح الجبهات في العراق وسوريا ، بوجه الهجمة على الاقليم ، من قبل المعسكر المعادي للمقاومة.

روسيا ، دخلت بقوة بعدما اتضح ، بأن ما يجري في سوريا ، ليس حراكا شعبيا ، يهدف الى اصلاح النظام, بل هي تدخلات دولية ، ذات أبعاد جيوسياسية ، لا تتوقف مفاعيلها عند الحدود السورية ، بل حتى الى الاقليم كله.

الأهداف الروسية ، كانت محددة بالنقاط التالي :

أ – عدم السماح للقوى المعادية ، من تحقيق أهدافها، خلافا للقوانين الدولية ، وتخطي مجلس الامن .

ب – عدم السماح للقوى (الجهادية) من أن تكون ، أدوات قادرة على تحقيق أهدافها ، من خلال التعاون مع المعسكر الغربي ، الممول من قبل دول النفط العربي ، والمدعوم بقوة من تركيا ، لتحقيق أي انتصار في الاقليم.

لأن هذا الانتصار لو تحقق ، لكان مقدمة لانتقال القوى الارهابية الى الفدرالية الروسية ، ولسمح للناتو وحلفائه ، من نقل التجربة وتكرارها ليس فقط في الفدرالية الروسية ، بل ايضا في الصين.

افشال المراحل الأولى والثانية ، أدى الى اجبار الدول ، الدخول بنفسها على خط المواجهة ، من خلال ارسال قوات خاصة في بعض الأحيان ، ومن خلال الضربات الجوية في حالات أخرى ، لكي يكون لها دور عسكري ، تستطيع من خلاله ، أن تؤثر في سير المعارك.

هذا الأسلوب ، وهذه التدخلات المحدودة ، فشلت أيضا بالتأثير بشكل كبير ، في سير الأحداث والمعارك ، فاضطرت أن تدخل بقواتها مباشرة ، كما حصل مع تركيا ، والقوات الأميركية والبريطانية ، وبعض الحلفاء ، على ساحة الاشتباك المباشر.

هذه المرحلة الثالثة ، ما زالت في بداياتها ، وهي مرشحة للتوسع, وان كانت اليوم ، تختبئ فيها قوات الدول ، خلف قوى غير حكومية ، لتوسيع نطاق نفوذها وتأثيرها في المعارك.

كما تفعل الولايات المتحدة ، من خلال دعم واسناد قوات (سوريا الديموقراطية), وكما تفعل تركيا من خلال دعم  واسناد ، ومشاركة قوات أطلقت عليها (درع الفرات) ، وهي في الحقيقة ، بقايا من ما سمي بالجيش الحر ، والمليشيات ، التي نظمتها ، ومولتها تركيا منذ بداية الازمة.

في هذه المرحلة ، والتي انخرطت فيها جيوش الدول مباشرة ، ولو خلف مجموعات مسلحة محلية, يكون المشهد الدولي للحرب على سوريا قد بدأ بالاكتمال.

عنوانه الاساسي ، انخراط جيوش اقليمية ودولية ، تحت ذرائع ومسميات مختلفة ، بالحرب الدائرة في الاقليم ، لتغيير وجهته وتحالفات الدول فيه ، بما أصبح معروفا بين معسكرين :

معسكر المقاومة ، الذي يسعى للتحرر الوطني وتحرير الاراضي المحتلة من قبل العدو الصهيوني, والمعسكر المعادي ، الذي يتوسل بكل الاساليب التخريبية والتدميرية ، من خلال حروب محلية دينية ومذهبية ، من اجل منع تحقق أهداف محور المقاومة, هذا المحور ، المدعوم دوليا من قبل روسيا والصين ، اللتان تسعيان الى تحقيق ما أسلفنا من أهداف.

المرحلة الثالثة ، هي المرحلة النهائية ، التي سيتوسع فيها التدخل المباشر لجيوش الدول ، وتتراجع أهمية المنظمات المسلحة ، لصالح الاشتباك الواضح المعالم .

عنوان هذه المعركة ، لن يكون سوى استكمال معركة التحرر الوطني , سوريا وحلفاؤها سيخوضون هذ الحرب ، تحت هذا العنوان, ومن غير المقبول ، أن يتقاعس أحد مّنا ، عن هذه المعركة.

المرحلة الثالثة و(الاخيرة ) ، هي معركة الجيوش المدعومة بتنظيمات وتشكيلات غير نظامية ، هدفها الأساسي ، استكمال عملية الصراع على الخارطة السياسية للمشرق ، تحدد فيها الأحجام ، والحجوم السياسية الاقليمية مجددا ، وهي مفتوحة على كافة الاحتمالات , بالرغم من محاولات البعض طمأنة الاخرين ، بأنه يحترم ، ويحافظ على وحدة بلدان المنطقة.

هل نستعد ونكون على مستوى التحدي لهذه المرحلة ؟ وان أول الاستعداد لها ، هو معرفة طبيعتها وشروطها ، وقد أوضحناها هنا.

منسّق شبكة الأمان للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها