aren

الحرب بين السوريين أصبحت “أصغر” حروب سوريا المندلعة \\ كتابة : جهاد الزين
الأربعاء - 21 - فبراير - 2018

damas

 

تصف دراسةٌ لـ “مركز بيغين – السادات للدراسات الاستراتيجية” كتَبَها الباحث يعاكوف لابين، الحربَ التي تشنّها إسرائيل على مواقع التواجد الإيراني في سوريا بأنها، نقلاً عن خبراء التخطيط الأمني الإسرائيلي، “حرب بين حروب”. المقصود أنها حرب منفصلة تجري في وضع يشهد حروبا أخرى في الوقت نفسه.

لكن وضعاً من هذا النوع يمكن أن يتطوّر إلى حروب تتحارب إذا جاز الاشتقاق! أي أن نشهد حالاتٍ تصطدم فيها هذه الحروب ببعضها البعض بأشكال مختلفة، ليس فقط بمعنى وقوع الأخطاء في مجالات جوية وبرية تضيق أكثر فأكثر وأحيانا تتداخل وإنما أيضاً والأهم بمعنى تصادم المصالح والتحالفات على رقعة “واحدة” وغير وحيدة هي سوريا.

هل يمكن لطائرة عسكرية ذاهبة للمشاركة في حرب ما، أن تجد نفسها متعرضة لنار آتية من حرب مختلفة فتسقط بصاروخ من عدو غير عدوها؟

هذا السؤال الممكن أن يكون سورياليا أو مادة من فيلم سينمائي يكاد يقترب حصوله في الأجواء السورية! (وربما حصل ولا نعرف) بسبب لا فقط تَعَدُّدِ الجيوش التي باتت منخرطة في الصراع على سوريا بل بسبب عدد الحروب “المنفصلة” التي باتت تندلع على أرض سوريا. والتي هي منفصلة بالأهداف المباشرة ولكنها طبعا متداخلة في الاستراتيجيات.

طائرة تركية تسقط ثم طائرة إسرائيلية (أي أميركية) وطائرة روسية وطائرة إيرانية؟ من المؤكّد أنها سقطت في حروب متنوعة وليس في حرب واحدة؟

الحرب تقع بين أطراف أكانت دولاً أم فئاتٍ. لكن ماذا عن الحروب التي تتحارب؟ الحروب المتحاربة؟

ربما يكون هذا الوصف أكثر ملاءمة لأدبيات الأزمة السورية في مرحلتها “المتطورة” الآن إلى مناطق تدخُّل وتمركز لجيوش دول كبرى وإقليمية: روسيا على الساحل والوسط والشمال والجنوب، تركيا في أقصى الشمال وإدلب، أميركا في شرق الفرات من منبج إلى الرقة، الحرس الثوري الإيراني، الجيش الإسرائيلي الذي بدأ يحضر أكثر فأكثر في جنوب سوريا وربما اقترب من تشكيل شريط حدودي على الطريقة التي عرفها لبنان خلال حربه الأهلية، وطبعا الجيش السوري الذي يسيطر على أطول شريط من “سوريا المفيدة” وعاصمتها والامتدادات السكانية الأكبر.

دولٌ مسيطرة على مناطق وإلى جانبها وتحت مظلتها ميليشيات.

على أرض سوريا اليوم ليس كما كان يُقال عن لبنان أيام أزمته بأن فيه حروبا صغيرة داخل الحرب الكبيرة. في سوريا اليوم يكاد يكون الموقف معاكساً: الحروب الكبيرة التي تدور داخل “حرب صغيرة” هي الصراع على السلطة في سوريا.

الجيش الأميركي يحكم منطقة عاصمتها مدينة الرقة وفي ظله الميليشيا الكردية، ويتبين بالتالي أن الفراغ الذي تركته “داعش” أو طرد “داعش” ملأَه الأميركيون باتفاق روسي أميركي غير معلن. لنتذكّر إذن ما كان يقال أيام سيطرة “داعش” على الموصل والرقة أن الذي يؤخِّر حسم قرار طرد “داعش” هو البحث عمن سيملأ فراغها وهذا ما يحصل في هذه الحالات.

لا هجوم نهائي قبل الاتفاق على البديل. يظهر الآن أن البديل هو سيطرة الجيش الأميركي على الرقة “تعاونه” الميليشيا الكردية في “الرقة”، وحضور مباشر في غرب العراق وإشراف بعيد على الموصل التي تديرها القوى الأمنية العراقية ومن ضمنها ذلك التعايش الدائم المثير منذ 2003 بين النفوذَيْن الأميركي والإيراني.

الجيش التركي تحت قيادة الرئيس رجب طيِّب أردوغان ينخرط مجددا وبقوة داخل سوريا لقطع الصلة بين أكراد تركيا وأكراد سوريا وليعيد، وهذا مشروع لم يتحقّق، تشكيل الحدود السورية التركية من حيث إلغاء طابعها الكردي الغالب؟ ها هو الآن في أقصى الشمال الغربي في محاولة، بدأت تصبح إتنية ديموغرافيا، في عفرين يواصل محاولة السيطرة الكاملة على هذا الجيب الكردي المفترض أنه معزول عن الشريط الكردي الأوسع شرقا لولا مرور التموينات الداعمة للميليشيا الكردية عبر خطوط الجيش السوري النظامي وهو وضع لربما تطوّر سريعا إلى دخول وحدات من الجيش السوري إلى عفرين بالاتفاق مع القوات الكردية.

في إدلب اللعبة التركية قد تنتهي إيجابيا في نهاية الأمر من حيث أن إدلب وبتوافق تركي إيراني روسي أميركي أصبحت “مزبلة” تجميع الفلول التكفيرية المتطرفة تمهيدا ربما لمرحلة يسهل فيها تنظيم إجلائها عن الأرض السورية ويتركها للسوريين “الطبيعيين” من موالاة ومعارضة.

الجيش الروسي الذي يبدو أكثر تجذّرا في سوريا، يتمركز على طول الساحل، الشريط الوحيد على البحر الأبيض المتوسط الذي يقع تحت التواجد والحماية المباشرَيْن لروسيا. إضافة طبعا إلى حضور “عملياتي” في محيط حمص ودمشق وحلب.

الحرس الثوري الإيراني هو الأكثر يقينية والأكثر غموضاً معاً بين هذه الجيوش الذي يشكل وجوده السوري المتعدد الأشكال حلقة من حلقات امتداد متصلة خارج الحدود من العراق إلى لبنان رغم كون سوريا الحلقة الأكثر مصيرية.

الجيش الإسرائيلي الذي يستعد للمزيد من التدخُّل المنظّم داخل الجنوب السوري كما يكشف تقرير لـ”منتدى التفكير الإقليمي” وهو مركز أبحاث إسرائيلي يستعرض بالاستناد إلى مصادر أمنية إسرائيلية مباشرة إلى أن عمليات تسليح لمجموعات محددة بدأت في بعض مناطق جنوب دمشق (ستنشر “قضايا النهار” هذا التقرير – الدراسة لاحقا). ويجب ذكر أن هذا التقرير يشير إلى أن عدد الجرحى السوريين الذين يُعالَجون في المستشفيات الإسرائيلية حاليا هم خمسة آلاف.

الحرب الإسرائيلية الإيرانية والحرب الروسية الأميركية والحرب الخليجية الإيرانية والحرب الأميركية التركية (عبر الأكراد) والحرب السورية التركية:

التقسيم العسكري الواضح لسوريا بين جيوش كبرى هل هو مدعاة للتفاؤل بأن حجم الأزمة المدوّلة والمؤقلَمة سيسهِّل البحثَ عن حل للحرب التي أصبحت “الصغرى” وهي الحرب السورية السورية!؟

“النهار”