aren

الحرب التجارية.. وخطأ الرسوم الجمركية \\ كتابة : توماس فريدمان
الإثنين - 19 - أغسطس - 2019

 

ترمب

لقد سررتُ لرؤية البورصة تنتعش، بعد الخبر الذي أفاد بأن المفاوضين التجاريين الأميركيين والصينيين استأنفوا محادثاتهم من جديد، وبأن الرئيس دونالد ترامب تراجع قليلاً، وسحب بعض الرسوم الجمركية التي كان مخططاً لها.

ولكن ينبغي ألا ننخدع بذلك، ذلك أن ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ ما زالا عالقين في صراع حول من هو الأقوى حقاً في اقتصاد العالم اليوم، وكلاهما لا يتوق إلى «الفوز» فحسب، ولكن أيضاً إلى أن يُنظر إليه على أنه الفائز، وإلى عدم التعرض للتهكم من قبل منافسيهما أو منتقديهما على وسائل التواصل الاجتماعي.

ولأن لا أحد من الزعيمين يستطيع تحمل ذاك المصير تحديداً، فإن كليهما يبالغان في استخدام أوراقهما، ذلك أن «شي»، بشكل عام، يعتقد ألا شيء ينبغي أن يتغير – وأن كل شيء يمكن أن يبقى على حاله بقوة إرادته، في حين يعتقد ترامب، بشكل عام، أن كل شيء ينبغي أن يتغير – وأن كل شيء يمكن أن يتغير بقوة إدارته، ونحن ماضون معها في هذه الرحلة.

لننظر إلى حسابات كلا الرجلين – وإلى حساباتها الخاطئة، الواقع أن ترامب كان محقاً حين أكد على أن أميركا لا ينبغي أن تستمر في التسامح مع بعض الممارسات التجارية الصينية المتعلق بالملكية الفكرية، وفرض نقل التكنولوجيا، والإعانات الحكومية الضخمة، وعدم معاملة الشركات الأميركية في الصين بالمثل – الآن وقد باتت الصين نداًّ تكنولوجياً لأميركا تقريباً وبلداً صاعداً ذا دخل متوسط.

غير أن حل تلك المشكلة لا يبدو أنه هدف ترامب الوحيد، أو حتى الرئيسي، فالرئيس الأميركي مهووس بالفوائض التجارية المستمرة التي تحقّقها الصين مع أميركا، رغم أن الخبراء الاقتصاديين يقولون له باستمرار إن أسباب تلك الفوائض التجارية لا تقتصر على الحواجز التجارية الصينية فقط، ذلك أن ما يقف وراءها بالأساس هي السياسة المالية الأميركية، ومعدلات الفائدة، وإنفاق أميركا لأكثر مما تنتج، واستيراد الفرق.

ووسط ارتباكه، لم يوضح ترامب أبداً ما يعتبره «انتصاراً» في الحرب التجارية مع الصين، التي بدأها، وقال إنه من «السهل» كسبها، فهل نسعى وراء معاملة بالمثل للشركات الأميركية في الصين (وهو ما ينبغي أن يكون الهدف) أو إلى إزالة عجزنا التجاري مع الصين؟ الواقع أن الأول يتطلب كثيراً من العمل مع الصين، أما الثاني، فيتطلب الكثير من العمل داخل أميركا.

ولكن لنفترض أنه الأول، في هذه الحالة هناك طريقتان للانكباب على هذا الأمر: من خلال الرسوم الجمركية أو من خلال الحلفاء، وترامب اختار ضرب الصين برسوم جمركية على كل الصادرات الصينية إلى أميركا، والتي تفوق قيمتها 500 مليار دولار – من دون بقية العالم – مشدداً على أن الصين لا تفهم سوى القوة.

وشخصياً، أعتقدُ أنه كانت ثمة حجج قوية بخصوص الـ50 مليار دولار الأولى من الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب العام الماضي، وذلك لأنها ركزت على حماية الصناعات الأميركية الحساسة – من الرقائق الإلكترونية الدقيقة إلى تكنولوجيا صنع الروبوتات إلى الماكينات – التي تُعد أساس اقتصاد القرن الحادي والعشرين، والتي لأسباب أمنية لا ترغب الولايات المتحدة في رؤيتها تهاجر كليا إلى الصين.

ولكن في ما عدا ذلك، فإن الاعتماد على مطرقة الرسوم الجمركية فقط خطأ، وذلك لأن الرسوم الجمركية تؤذي المستهلكين والمزارعين الأميركيين بقدر ما تؤذي المصنّعين الصينيين، وهو ما يفسر تراجع ترامب عنها، كما أن لها عواقب غير مقصودة.

وبالمقابل، هناك طريقة أخرى: إذ كان ينبغي على ترامب أن يوقّع اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادي» التجارية، التي كانت ستوحّد اقتصادات المحيط الهادي الأثني عشر الأكبر، من دون الصين، حول قواعد تجارة عالمية مصمَّمة من قبل الولايات المتحدة، كما كان ينبغي عليه أن يوحّد بلدان الاتحاد الأوروبي، التي تعاني من المشاكل التجارية نفسها مع الصين مثلنا، إلى جانبنا، ثم كان ينبغي عليه أن يقول للصينيين إننا نريد التفاوض، بعيداً عن كاميرات الصحفيين، حول مجموعة جديدة من الاتفاقيات التجارية المتبادلة: فالولايات المتحدة تريد إمكانيات الوصول نفسها التي لدى الشركات الصينية في أسواق بلدان «الشراكة العابرة للمحيط الهادي» والاتحاد الأوروبي.

وبدلاً من تصوير الأمر على أنه تنافس بين أميركا والصين، من أجل معرفة مصالح أي طرف ستنتصر، كان ينبغي على ترامب أن يقدّمه باعتباره تنافساً بين العالم ضد الصين لتحديد أي قواعد عالمية ستنتصر.

إننا نريد عالماً توحّده قواعد مشتركة، وليس عالماً مقسّماً بجدار برلين إلكتروني جديد بين أميركا والصين.