aren

الحدث الكبير “يستسقي” الكلام الكبير \\ كتابة : جهاد الزين
الجمعة - 14 - فبراير - 2020

mouz822

فعلاً الحدث الكبير يستقدم الكلام الكبير. لولا الثورة الشبابية المستمرة منذ 17 تشرين الأول لما كانت صدرت مواقف كثيرة لعل أبرزها على الإطلاق الكلام الذي صدر عن المطران عبد الساتر في خطاب عيد مار مارون بحضور أصحاب العلاقة بهذا الكلام مباشرةً وهم الرؤساء الثلاثة في الدولة وخصوصًا رئيسي الجمهورية والبرلمان…

هذا يستدعي السؤال الشكّاك بأن الكلام الجريء الذي قرّع فيه المطران كبار الدولة والحياة السياسية ودعاهم إلى الاستقالة هل هو كلام الكنيسة المارونية كلها أم كلامه وحده؟ وهل تكون الصياغة – صياغة خطاب المطران – قد تمت بموافقة البطريرك الراعي نفسه وربما بمشاركته؟ فمواقف البطريرك لم تكن بعيدةً عن سقف خطاب المطران منذ زمن طويل.

أيًا يكن الأمر… فالذي يظهر أن الكنيسة المارونية، الراعية الأولى المحلية لتأسيس دولة “لبنان الكبير”، لن تقف متفرجةً على الانهيار الجديد الذي يصادف الذكرى المائة لولادته الفرنسية… وهي تواكب تطلعات الجيل الجديد من الشباب الجامعي، هذا الجيل الذي هو زبدة ما أنتجته الطبقة الوسطى اللبنانية في الداخل. لكنه جيل غير طائفي. فماذا ستفعل الكنيسة مع هذا المعطى إذا بلغ تأثير ثورة 17تشرين الأول حد فرض تغييرات “علمانية” على النظام السياسي الذي انبنى على أساس تعددية طائفية تأخذ بعين الاعتبار عميقاً حمايةَ مسيحيي لبنان بقيادة الموارنة.

هذا يوصلنا إلى سؤال كبير وخطِر وهو هل من تناقض لا حل له بين هدف حماية المسيحيين وهدف بناء نظام غير طائفي؟

هذا لا يجب أن يكون سؤالاً جامدًا بعد مائة عام على تأسيس الكيان اللبناني لسبب أساسي هو أن مُثَلّثَ الانْشِحان والتمأسس والاقتراف البنيوي الطائفي مساحةُ شراكة مع نخب الطوائف الأخرى بل صارت هذه النخب تقوده مما يرفع منسوب مسؤولية الطائفيّات غير المسيحية عن الانهيار الحاصل. الحقيقة بعد اتفاق الطائف باتت هذه المسؤولية غير المسيحية أعلى وأعتى.

هل تحمل ظاهرة التبلور غير الطائفي لدى جيل ثورة 17 تشرين الأول احتمال تغييرات، على الأقل في الأمزجة السياسية لصراعات عتيقة راسخة منذ ما قبل تأسيس الكيان عام 1920 مثل الصراع أو الحساسية المسيحية الدرزية العريقة في جبل لبنان الجنوبي؟

لقد لفتتني تعليقات كتبها مثقفون دروز حول الموارنة ومساهماتهم الحضارية والثقافية على الفايسبوك وتويتر.. تعليقات تتخطى المجاملات وتنم عن تغيير حقيقي عميق لدى النخب الدرزية حيال هذه الحساسية المزمنة مع المسيحيين.

الحالة السنية بات واضحا أنها مستمرة باستعادة تعدديتها التي بدأت بالظهور مع تفكك قوة الحريرية السياسية.

الحالة الشيعية مصادَرة مناطقياً كما نعرف لكنّ حجم التحرر النخبوي من هذه المصادَرة إلى ازدياد رغم الحصار الأمني والسوسيولوجي والخدماتي عليها، كما ظهر في صور والنبطية وكفررمان وبعلبك.الحدث الكبير “يستسقي” الكلام الكبير وما فعله مشكورًا المطران عبد الساتر ليس مجرد كلام.

يمكن لرد الفعل السطحي أن يحصر نتائج الخطاب بتسريع سقوط العهد الحالي ولكن مضمون الكلام ومسرحه يجعلانه مساهما في مزيد من سقوط شرعية الطبقة السياسية الساقطة، أي الشرعية، أصلاً.

صحيح أنه لا تحليل لبناني للوضع اللبناني لكنْ ثمة اهتراء في الدولة اللبنانية لم تعد معالجته سهلة بل ممكنة على أي مرجع أو كونسورتيوم خارجي مهما كان قويا. فبناء الدول كما تثبت كل التجارب لا يحصل من دون بناء القابليات الداخلية.

وللقائلين بنظرية المؤامرة فقد أُعْطينا في لبنان نتيجة الستاتيكو الإقليمي و الدولي المتعلق بنا بعد الزلزال السوري فرصة حوالي تسع سنواتٍ لم يكن السعوديون ولا الإيرانيون ولا الأميركيون يريدون خلالها تفجير لبنان وإنما جعله قاعدة خدمات للحرب في سوريا، فالتقت جميع الأطراف المذكورة على “تحييده”.

لكن الطبقة السياسية اللبنانية التي يتناقض الإصلاح بشكل جذري مع نمطها الزبائني والنهبوي اعتبرت الهدنة الدولية الإقليمية فرصة للمزيد من النهب حتى بلغنا الانهيار ولم يعد ممكنا تلافيه بل حتى تأجيله.

تستخرج الثورةُ جوف تنين الشر كما الروح الخيرة في المجتمع. والمهم هي النهايات. فلا تتبدّد الطاقة التغييرية المبدعة والراقية لجيل جديد بكامله.

لتحمنا الآلهة.

“النهار”اللبنانية