aren

” الجهاد الإسلامى ” … سقوط أسطورة \\ بقلم : د . محمد فياض
الخميس - 9 - نوفمبر - 2017

 

هنا ، قراءة في التطور التاريخي لمفهوم “الجهاد الاسلامي ” ، الذي أصبح المصطلح الاكثر تدولا واستخداما خلال العقد الاخير ، لدى المجتمعات العربية والاسلامية ، وكذلك في الاستنتاجات والخلاصات الفكرية الغربية لفهم ودراسة الحركات والتنظيمات الجهادية .  

…………………………………………………………………………………………………………………………………………..

 

ancient_jihad_by_jihadprincess-d41235z.png

 

ربما لا يوجد مصطلح مفخخ في التراث ، يفوق مصطلح ” الجهاد الإسلامي ” ، فالجهاد الذي كان هدفه الأسمى نشر الدين الإسلامي بمبدأ ” خلوا بيني وبين الناس ” ، أي قتال السلطة الحاجزة بين الإسلام والشعوب وبمنطق البلاغ المبين . لم يلبث إلا وأن فقد هدفه الحقيقي ، وكلما تطورت حركة التاريخ ، كان مصطلح (الجهاد) يتطور هو الآخر ، حتى انتهى به الأمر ، كصفة متلازمة لكل ما هو بغيض ودموي وإرهابي ، وصولاً إلي داعش . وما بين البلاغ المبين وداعش جرت دماء كثيرة ، دماء تسبب فيها هذا المصطلح نتيجة سوء فهمه وضحالة تأويله وصولاً لإفلاسه .

إن الهدف من هذه المقالة ، لا يعني أبداً التقليل من أهمية الجهاد في مرحلة تاريخية قديمة ، صاحبت عصر الرسول ، واقتطعت جزءاً كبيراً من العصر الراشدي ، ولكن ما يعنينا بحق هو رصد مراحل تشوه هذا المصطلح ، والتي أدت إلي إفلاسه ، وفي النهاية سقوطه .

علي أية حال ، فيمكننا أن نرصد المرحلة المحورية في تطور فكر الجهاد ، عقب مقتل الخليفة “عثمان بن عفان ” إبان ما عرف بالفتنة الكبرى ، والذي تحولت فيه دفة الجهاد من فكرة البلاغ المبين إلي صراع إسلامي – إسلامي ، يتمحور حول السلطة ، والذي سنجده في معارك ( الجمل وصفين والنهروان ) وما تلا ذلك من تشويه حقيقي لمصطلح الجهاد . لتنشأ ظاهرة الجهاد (الإسلامي / الإسلامي) ، والتركيز على نمط جديد من أنماط الجهاد ، وهو جهاد الداخل ، والذي بلغ ذروته في العصر الأموي ، و وصل حد التطرف في العصر العباسي.

وربما ، لا يمكننا أن نتغافل عن دوافع أخرى ، شابت حركة الجهاد الأموي ، فعلى سبيل المثال ، فقد دفع طموح ” معاوية بن أبي سفيان” لتولية ابنه يزيد ولاية العهد ، بتسويق “يزيد” للعالم الإسلامي على أنه أحد القادة المسلمين المجاهدين ، أي تلميعه بالمصطلح الإعلامي ، وإظهاره بمظهر التقوى الشخصية ، والدعاية الخاصة له عن طريق الجهاد.

ولذلك وجهه بقيادة جيش للجهاد على الجانب البيزنطي ، وإشترك مع (يزيد) في هذا الجيش بل وتحت قيادته ، وكجنود تحت امرته ، العديد من الأسماء اللامعة مثل ( أبو أيوب الأنصاري ، الحسين بن علي – قبل أن يخرج عليه – عبد الله بن الزبير ) .

وبالفعل أردف هذا الجيش ، فغزا حتى بلغ القسطنطينية في ظروف صعبة ، كان (الجيش الأول) يعاني فيها هناك ، من إنتشار الحمى والجدري وغير ذلك ، وكان ذلك تسويقاً من معاوية ل(يزيد) أمام الرأي العام الإسلامي آنذاك ، فأرادوه بذلك أن يحرز مكسباً أدبياً ، يرفع من شأنه ، ويمحو ما تواتر عنه من تهاون .

ومن المثير للسخرية أن (الحسين بن علي ) سيُقتل بعد ذلك بأمر من يزيد بن معاوية زميله في الجهاد ضد البيزنطيين ، بعد أن خرج الحسين عليه كنمط آخر من أنماط الجهاد ضد الخارجين ، وهو نفس المصير الذي سيلحق أيضاً بزميلهم الآخر ” عبد الله بن الزبير ” لاحقاً .

نفس ذلك الدافع والطموح الشخصي ، نجد صداه في الرغبة المحمومة من قبل الأمويين لفتح القسطنطينية ، وما تواتر وقتها عن نبوءة منسوبة للرسول ” صلعم ” عن فتح القسطنطينة ، وأن بطل الفتح ، سيوافق اسمه اسم أحد الأنبياء .

لذا كان كل خليفة أموي يتوافق اسمه مع النبوءة ، يكثف كل إمكانات الدولة لحصار القسطنطينية ومحاولة فتحها ، ومن المثير أن هذه النبوءة استمرت عالقة في الأذهان ، حتى حسم محمد الثاني   “محمد الفاتح ” هذا الأمر ، بدخول القسطنطينية سنة 1453 م

إننا نستطيع القول ، بأن الحقبة الأموية ، كانت تعتبر نهاية شكل النمط التقليدي للجهاد ، الذي يهدف للتوسع ونشر الدين الإسلامي .حيث استقرت الفتوحات الإسلامية مع التركيز أيضاً على جهاد الداخل ، وقتال المعارضة ، التي تمثلت بشكل أساسي في الشيعة والخوارج وعبد الله بن الزبير ، و ربما لا نستطيع أن نتغافل عن المشاهد المفزعة ،  والتي تجسدت في معركة (كربلاء) ومعركة (الحرة ) ، بل وضرب (الكعبة) نفسها بالمنجنيق .

وفيما يتعلق بصورة الجهاد في الدولة العباسية ، فقد كان موجهاً بصورة أساسية نحو جهاد الداخل ، ومن المثير أن العباسيين قد دشنوا حكمهم الجديد ، بمذبحة لفلول الأمويين ، عرفت بمذبحة نهر أبي فطرس ، في عصر الخليفة ” السفاح ” ، على يد عمه ” عبد الله بن علي ” .

فتتحدث المصادر، بأن “عبد الله بن علي ” أذاع الأمان للأمويين بالاتفاق مع الخليفة (السفاح) ، وعقد لهم سرادقاً ، وبعد أن اجتمعت أعداد ضخمة منهم ، أمر جنوده بقتل جميع الحاضرين ، وأمر بفرش بساط على القتلى ، وأمر بالطعام ، وسط أنين القتلى ، قائلاً : ” لعمري ما أكلت أكلة أهنأ ولا أطيب إلى نفسي من هذه الأكلة ” .

وربما لو كنا بمعرض الحديث عن التفاصيل التاريخية ، لمثل هذه الأحداث ، لتطلب الأمر مئات الصفحات ، لرصد هذا التشوه الفكري ، لأجل عين السلطة والمكتسبات السياسية ، وماتم من صراعات مع المعارضة . وبرصد سريع ، سنجد انحسار تام لفكرة جهاد البلاغ المبين ، لصالح جهاد دولة السلطة والجهاد الطائفي ، وفي نهاية الأمر لن نستطيع أن نقتفي أية آثار لجهاد البلاغ المبين ، وأداء الرسالة عند هذا الحد .

بل إن الانتشار الحقيقي للإسلام آنذاك ، كان بعيداً عن حركة الجيوش ، فارتبط بعمليات التجارة والمصاهرة ، ففي الوقت الذي كانت العديد من مناطق المشرق تلحق بالإسلام ، نتيجة التجارة والمصاهرة ، كانت الجيوش مشغولة بدك المعارضين في الداخل ، وهو ما يمكن توظيفه أيضاً في سياق الإفلاس ، الذي لحق بالمصطلح ، وبوظيفته .

على جانب آخر ، وفيما يتعلق بجهاد الداخل ضد المعارضة ، واحتكار الرؤية ، يأتي حديث الفرقة الناجية ، كأبرز الأحاديث المفخخة ، التي ساعدت على تشويه مصطلح الجهاد ، وإرساء مبدأ الإقصاء والنفور من الآخر .

فكان نصه ” أن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهى الجماعة ” ، وفي الحقيقة ، شكل هذا الحديث ، أزمة حقيقية أرست مبدأ الدين المتعالي ، والقتال ضد الآخر المسلم ، بسيف الفرقة الناجية .

وقد تم استدعاء حديث الفرقة الناجية مراراً ، وتحديداً فيما يتعلق بالاقتتال بين الفرق الإسلامية بعضها البعض ، والذي شكلت عناصره الأساسية السنة والشيعة ، فقد اندرج هو الآخر تحت بند الجهاد ، وتحديداً قتال الفرق المارقة . وهكذا تعرضت الخلافة العباسية في بغداد ، لعملية استنزاف مستمر ، بفعل الاقتتال الداخلي بين السنة والشيعة ، ولم تستطع قوات الأمن في كثير من الأحوال ضبط الأوضاع.

ويعبر أحد الباحثين عن ذلك قائلاً .. ” أن ذلك الصراع كان عامل تمزق وضعف قاست منه الأمة الإسلامية كثيراً فقد حدث من جراء ذلك شيوع حالة الدعة والخمول وانكسار الشوكة واللامبالاة وتركز الصراع على وجهات النظر الضيقة ، فأهمل الجهاد الحقيقي لصالح الجهاد الوهمي ، بل كانت أخبار الغزوات الصليبية في العالم الإسلامي ، تقابل بحالة لا مبالاة ، وعدم اكتراث ، وهي باب الجهاد الأساسي ، الذي تم التغافل عنه لصالح جهاد وهمي “.

وليس أبلغ من تعبير جورجي زيدان عندما قال : ” لما انتشبت الحروب … ، انشغل الناس عن تجارتهم وزراعتهم وتوقف العمال، وغلت الأسعار ، وتعطلت الزراعة لضياع الأمن فقلت الجباية واحتاج العمال والقواد إلى الأموال ، فظلموا الناس في تحصيلها منهم ، فزاد الخراب من هادم للعمران ، كالظلم فإنه يغل الأيدي ويقعد الناس عن السعي ، فينشغل به الزراع عن زراعته ، والتاجر عن تجارته ، والصانع عن صناعته ، ووبال ذلك عائد على الدولة . إذ لا قوام لها إلا بالرعية ..” .

وعندما جاء وقت الجهاد والدفاع عن الدولة ، لم تصمد الدولة العباسية عدة ساعات ، أمام الغزو المغولي ، الذي اجتاح بغداد وقتل الخليفة العباسي ، ودمر مظاهر الحضارة والمدنية . ساعتها ، لم يصدح نداء حي على الجهاد ، الذي طالما صدح للاقتتال الداخلي ، ولم يتبق منه شيء للدفاع عن الوطن ، والمحصلة الأساسية ، أننا لم نعد أمام جهاد حقيقي ، ولا حتى قدرة دفاعية .

وعلى مستوى التراث ، فإن لدينا العديد من النصوص ، التي شرعت لنمط جديد من أنماط الجهاد ، بعيد تمام البعد عن الدفاع عن الأوطان . وكان (ابن ) تيمية بطبيعة الحال ، هو المنظر الأهم لهذه الآراء ، وهو الجهاد واقصاء الآخر، غير المسلم . فعُدت كتابات ابن تيمية ، مرجعية أصيلة للتكفير والقتل ، مرجعية قاتلة بإمتياز ، اعتبرت أساساً فكرياً لحركات الجهاد الإسلامي القاتلة .

حتى أن أحد أكثر الكتابات تطرفاً ، وهو كتاب ” الجهاد الفريضة الغائبة ” لمحمد عبد السلام فرج ، يعتمد فيه ، اعتماداً كلياً على كتابات وفتاوى ابن تيمية ، وغيره من الإطروحات والأفكار المتطرفة ، التى تجد فى استحضار روح وفكر( ابن ) تيمية ، معيناً متجدداً للتطرف والإرهاب .

ولم يتوقف إلهام ابن تيمية عند هذا الحد ، بل تعداه إلى “سيد قطب ” ، وكأننا أمام فكر ” الرائد ” ابن تيمية المتوفى فى القرن الثامن الهجرى و” المجدد ” سيد قطب فى نسخته المعاصرة ” ، والذى استلهم بامتياز شخصيته .فهو الذى اعتمد فى كتاباته على آراء ابن تيمية فى “الحاكمية ” و” التكفير”  و” جاهلية المجتمع” ، و” دار الحرب”  و” دار السلام” ، وفتاوى التكفير والقتل والإقصاء .

بل إننا مثلاً نجد ، أن محمد عبد السلام فرج ، وكتابه (الجهاد الفريضة الغائبة ) في سياقه الأعظم نقولات واقتباسات عن ابن تيمية ، فضلاً عن ضربته القاصمة للمصطلح ، حيث نادى بعدم الاهتمام بقتال الخارج ، بل ضرورة قتال المجاهدين لمجتمعاتهم ، حتى يتحقق مبدأ إقامة الدولة الإسلامية ، والانتصار على المجتمعات الكافرة ، ومن ثم النظر لقتال الخارج ، وأن العدو القريب أولى بالقتال من العدو البعيد . وفيما يتعلق بقدسية الحدود الجغرافية وحرمتها ، والتي من المفترض أنها تمثل الهدف الرئيسي للجهاد ، إلا أن الجماعات الإسلامية ، لا تضعها ضمن بنود جهادها الإسلامي المشوه .

فعلى سبيل المثال ، فكر جماعة ( الإخوان المسلمين ) لا يعترف أصلاً بوجود مثل هذه الحدود ، بل أنها عند (سيد ) قطب ، حفنة من تراب عفن ، حتى أن حسن البنا نفسه قد قال بشأنها ” أما وجه الخلاف بيننا وبينهم ، فهو أننا نعتبر الحدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية …” ، ويستمر قائلاً ” .. ودعاة الوطنية لايعنيهم الا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة الأرض ” ، وتجلى ذلك بامتياز فى مقولة مهدى عاكف : ” طظ فى مصر واللي فى مصر “.

وربما نستطيع أن نبرهن ببساطة ، على سقوط هذا المصطلح واهترائه ، كونه صار باباً ضخماً للدمار والقتل ، بأن المجتمعات حتى الإسلامية ، تحولت إلي دار حرب ، فضلاً عن استلهام تراث غابر للقيام بعمليات قاتلة ، فعلى سبيل المثال ، فإن الحركات الجهادية المتطرفة ، لازالت تحلم حتى الآن بفتح روما ” إيطاليا ” ، وذلك لما يمثله فتح روما ، من وجود أساسي في ذهنية التطرف والإرهاب ، إستناداً لنبوءة أسطورية منسوبة للرسول (صلعم) ، تقول : ” انه عندما سُئل أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية ؟ “، قال : “مدينة هرقل تفتح أولاً “، أي القسطنطينية ، وهنا ترسخ في الفكر الإرهابي ، ضرورة فتح روما ، كما فُتحت القسطنطينية ، ومن المثير ، أن هذا ما أشار إليه ال(دواعش) ، الذين قتلوا الشهداء المصريين في ليبيا سابقاً . إذن ، نحن أمام فكر قاتل ، يتخذ من هذا المصطلح المدمر ، ومن نصوص تراثية قديمة ، ارتبطت بسياقات تاريخية ، شرعية وغطاء .

صفوة القول ، إننا صرنا أمام مصطلح منعدم وساقط ، انتهى دوره التاريخي ، ليتحور ويربط بكل ما هو قاتل ، دموي ، وقبيح في الواقع المعاصر ، رغم ذلك لازالت المآذن ، تصدح كل صلاة قائلة ” اللهم أنصر المجاهدين في كل مكان ” !! فأي جهاد يقصدون ، وأي تطرف يدعمون !!َ!