aren

التهويد.. ومنهج «تقاسم» الحرم القدسي \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 12 - يوليو - 2018

التهويد بالقرب من الاقصى

 

دفع التشجيع الذي تناله حكومة اليمين اليهودي من الإدارة الأمريكية على كل الصعد قيادة هذا اليمين إلى التمادي في مشاريعها ليس الاستيطانية وحسب وإنما الدينية كذلك. وقد اندفعت هذه القيادة إلى تكثيف المشاريع الاستيطانية في القدس المحتلة ومحيطها وصولاً إلى إخلاء الخان الأحمر تمهيداً لمشروع فصل جنوب الضفة الغربية عن شمالها وتعزيز «الحجيج» إلى الحرم القدسي لتكريسه «موقعاً دينياً مشتركاً» بانتظار ظروف أنسب لإعادة بناء الهيكل.

ولم تخفِ «إسرائيل» مطامحها بل أظهرتها ليس فقط في تكثيف الحجيج إلى الحرم القدسي وإنما أيضا في الدعاية لإعادة بناء الهيكل كما حدث في إهداء السفير الأمريكي في الكيان، ديفيد فريدمان، لوحة للقدس حل فيها الهيكل المزعوم مكان مسجد قبة الصخرة.

وتقريبا بعد أن استتب الأمر لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو واطمأن إلى وقوف الإدارة الأمريكية خلفه أزال الحظر الرسمي الذي كان فرضه على الوزراء وأعضاء «الكنيست» ل«زيارة» الحرم القدسي. وكان هذا الحظر قد فرض إثر تزايد الاقتحامات للحرم بقيادة شخصيات سياسية يمينية في إطار تعزيز المطالبة بالسماح في الصلاة في الحرم القدسي بوصفه مكان الهيكل اليهودي المزعوم. ومعروف أن تلك الاقتحامات قادت إلى هبة القدس التي استمرت أشهراً طويلة وأثارت في العالم الإسلامي ردود فعل غاضبة على الاحتلال. ويبدو أن نتنياهو في أعقاب الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان وضعفه الداخلي أمام اليمين المتطرف جراء التحقيقات الجنائية بالفساد ضده، قرر إزالة هذا الحظر.

وعملياً فإن الحظر الذي كان مفروضا على السياسيين للمشاركة في اقتحامات الحرم كان يرمي إلى تقليص المواكبة الإعلامية للاقتحامات وبالتالي تقليص ردود الأفعال الفلسطينية والدولية. ولكن هذا الحظر لم يكن يمنع الجماعات المتطرفة، وخصوصا أنصار إعادة بناء الهيكل، من تكثيف اقتحاماتها بحماية الشرطة ««الإسرائيلية»» للحرم القدسي. ويكفي للدلالة على ذلك أن جمعية «يرائيه» الدينية المتطرفة التي تشجع اقتحامات الأقصى أعلنت أن أكثر من 22 ألف مستوطن شاركوا منذ بداية العام الجاري في اقتحام الحرم القدسي. ويشكل هذا الرقم كسراً للأرقام القياسية للاقتحامات منذ احتلال المدينة المقدسة في العام 1967.

وأظهرت الأرقام التي عرضتها هذه الجمعية ومنظمات إعادة بناء الهيكل أن العام الفائت شهد تنامياً واسعاً في صفوف الشبان اليهود لمطلب إعادة بناء الهيكل وأن «حجيجهم» إلى الحرم يقع في السياق ذاته. وقالت إن بين «زوار» الحرم عرسان يصلون لنيل البركة فضلاً عن صبية يأتون لإجراء احتفالات بمناسبة وصولهم سن التكليف الديني. وهذا يعني أن الزيارات ليست «سياحة» وإنما لإجراء طقوس دينية. وهي تتم في إطار تكثيف الجهود لتكريس ما يصفونه بالحق «المقدس» في الصلاة اليهودية في الحرم القدسي. ومعروف أنه منذ سنوات تسعى جهات يهودية تزداد نفوذاً وقوة داخل المؤسسة الحاكمة لفرض التقاسم الزماني والمكاني داخل الحرم القدسي ورفض مبدأ أن هذا الحرم مسجد ومكان مقدس للمسلمين فقط.

في كل حال أشار تقرير هذه الجمعية إلى أنه منذ مطلع العام وحتى نهاية يونيو/‏‏حزيران 2018 شارك 22 ألفا و206 يهود في اقتحام الحرم القدسي مقارنة بالعام الفائت الذي شارك فيه حتى نهايته 22 ألفا و552 يهودياً فقط. ومعروف أن الاقتحامات للحرم القدسي تتم في كل أيام الأسبوع عدا يومي الجمعة والسبت بحراسة الشرطة اليهودية وعبر بوابة المغاربة التي تخضع للسيطرة اليهودية التامة. وتشكل هذه الاقتحامات اليومية مصدراً للاحتكاكات والصدامات مع المستوطنين والشرطة ««الإسرائيلية»» في الحرم ومحيطه.

ولا تكتفي سلطات الاحتلال بحماية المستوطنين أوقات اقتحامهم للحرم القدسي وإنما تعمد إلى ملاحقة سدنة الحرم وحراسه وتمنع المرابطين والمرابطات من التواجد هناك. ومؤخرا شددت قوات الاحتلال من إجراءاتها لتقليص عديد المصلين المسلمين في الحرم عبر تقييد الوصول إليه من الضفة الغربية ومحيط القدس. كما سعت إلى تفكيك شبكات حماية الحرم القدسي الأهلية عبر اعتقال النشطاء وسجنهم كما حدث مع الشيخ رائد صلاح. ولا يقل أهمية عن ذلك أن مجلس الأمن القومي ««الإسرائيلي»» اتخذ مؤخرا جملة إجراءات ضد العديد من المنظمات العربية والإسلامية التي تحاول مساعدة المقدسيين في حماية الحرم أو في تكريس وجودهم حوله.

وتشكل اقتحامات الحرم القدسي نقطة صدام متواصلة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال. وعلى الدوام تعلن إدارة الأوقاف الإسلامية رفضها لهذه الاقتحامات وتحاول التصدي لها وتطالب سلطات الاحتلال بمنعها كما تطالب الأردن والجامعة العربية بالتدخل لوقفها. ومؤخرا طالبت الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات مؤتمر رجال الدين المنعقد في مدينة باري الإيطالية بالالتفات إلى قضية القدس ومنحها الأولوية جراء ما تعانيه من أشكال التهويد والتضييق من جانب الاحتلال. وشددت الهيئة على ما يعانيه المسلمون والمسيحيون من سياسات التهجير والاستيلاء على الأراضي والمساس بحرمة المقدسات من مساجد وكنائس.

وما يزيد الطين بلة بالنسبة لمستقبل التحركات في الحرم القدسي أن اليمين اليهودي المتطرف يكسب في كل يوم مواقع نفوذ جديدة. وتقريبا يتراجع أمام هذا اليمين الموقف الديني اليهودي الذي كان سائدا على مدى القرون الماضية والذي يحرم الوصول إلى الحرم القدسي والوطء على أرضه. فحاخامات اليمين القومي المتطرف أفلحوا تقريبا في إسكات الأصوات التي كانت تجاهر بحظر دخول المنطقة التي تعتبر الحرم القدسي والصلاة فيها. وكتب نير حسون في «هآرتس»، مثلا، أنه «قبل 30 سنة لم يكن هناك تقريبا حاخامات أو شخصيات عامة دينية تؤيد الحج إلى الحرم. الإجماع الديني، من حاخامات «المزراحي» وحتى «الحريديين» المتعصبين جداً كان قاطعاً وأساسه هو أن الجبل كله يعتبر «دنس». وطالما لا يوجد هناك بقرة حمراء يمكن حرقها والتطهر بواسطة رمادها فلن يكون بالإمكان الحج إلى الحرم بسبب قدسيته والحظر بناء على ذلك هو حظر قاطع، الحظر الديني الأكثر تشددا. الحاخام كوك أبو الصهيونية الدينية قضى بأنه يجب الحذر من إدخال الأصابع بين أحجار حائط المبكى حتى لا تكون أطرافها داخل منطقة الحرم».

وفي نظر حسون فإن «التغييرات الدينية والإيديولوجية التي بدأت في العقود الأخيرة في الصهيونية الدينية رجحت الكفة إلى درجة إحداث ثورة. عشرات من كبار الحاخامات من كل أطياف القوس الصهيوني الديني يسمحون اليوم بالحج إلى جبل الهيكل (الحرم). القاعدة الشرعية للسماح بالحج إلى جبل الهيكل متنوعة، بدءاً من الاستناد إلى حاخامات من الماضي الذين سمحوا وحتى حجوا بأنفسهم إلى جبل الهيكل، ومروراً بأبحاث تاريخية حول الموقع الدقيق للهيكل وقدس الأقداس، التي تحدد مواقع في الجبل يمكن التجول فيها دون خشية وحتى تجديد الشرائع».

غير أن المسألة الأهم هي أن استشعار اليهود بالقوة وضآلة الثمن الذي يمكن أن يدفعوه جراء تماديهم في الاعتداء على الحرم القدسي هو ما يعزز لديهم الميل لإلغاء الحظر الديني والسياسي على اقتحام الحرم. فالقوة التي يمتلكها الكيان حالياً وبدعم أمريكي في مواجهة التشرذم العربي والانقسام الفلسطيني تدفع حتى الهوامش الأقل تطرفاً في الكيان لتقبل الاقتحامات والاندفاع للمشاركة فيها. وبديهي أن هذا ينذر بصدامات قريبة خصوصاً وأن تزايد مساعي تهويد القدس تقود حتماً إلى تزايد المطالبة بتقاسم الحرم القدسي. وهذا ما يدفع للاعتقاد بأن المخططات ««الإسرائيلية»» في هذا المجال ستزداد وضوحاً والمقاومة الفلسطينية والعربية لها ستتعاظم.

“الخليج”