aren

التنين الصيني وإيران \\ كتابة : د. مصطفى اللباد
السبت - 9 - يونيو - 2018

 

منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، والحسابات الصينية تتعقد، بسبب أهمية كلا الطرفين الأميركي والإيراني للمصالح الصينية. يحكم الحسابات الصينية سقفان؛ الأول أنها لن تشارك بالطبع في توجيه ضربات عسكرية إلى إيران، حيث استثمرت عشرات المليارات من الدولارات. وفي المقابل، لن تنخرط في الدفاع عن إيران عسكرياً متحدية واشنطن في ذلك. أميركا هي أكبر اقتصاد في العالم يليه بفارق كبير نسبياً الاقتصاد الصيني، والمصالح بين البلدين متداخلة إلى أقصى درجات التداخل.

في المقابل، تعد إيران من أهم الشركاء التجاريين للصين، سواء على مستوى التجارة البينية أو على مستوى الاستثمارات المباشرة في قطاع النفط، وبالتالي لإيران أهمية، خاصة لدى الصين. وعلى الرغم من الثقل الاقتصادي الكبير للتنين الصيني على الساحة الدولية، فإنه يفضل وزناً سياسياً أصغر بكثير، ويظهر ذلك في مواقف كثيرة، ومنها الاتفاق النووي مع إيران الذي وقعت عليه الصين، ولكنها ما زالت الأكثر تحفظاً في التعليق على انسحاب واشنطن منه.

وحتى زيارات وزير الخارجية الإيراني تركزت على الدول الأوروبية، في حين تكفلت إطلالات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التلفزيونية بإدامة الحضور الروسي في الملف. وبالنظر إلى سابقة الصين التاريخية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، يتوقع أنها ستحاول المناورة بين أهداف متعارضة في حال تم تحويل الملف مرة جديدة إلى مجلس الأمن.

يؤثر في السلوك التصويتي الصيني ثلاثة عوامل متداخلة ومتعارضة في آنٍ معاً، ويتمثل العامل الأول في تبني مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والحفاظ على سيادتها الوطنية. وهو مبدأ أخلاقي يحجب هدفاً سياسياً ملخصه عدم الإخلال بإمدادات الصين من طاقة الشرق الأوسط، ويصب بالتالي في مصلحة إيران.

كانت إيران حتى عام 2005 تصدر ما يقارب %14 من احتياجات الصين من الطاقة، وتأتي بهذه الحصة ثانياً بعد المملكة العربية السعودية. ولكن مع منتصف عام 2006، الذي صدر فيه أول قرار من مجلس الأمن، يفرض عقوبات اقتصادية على طهران، فقد تبادلت السعودية وإيران مواقعهما، وأصبحت الأخيرة من وقتها المورد الأول للطاقة إلى الصين.

أما العامل الثاني فهو عامل المسؤوليات الدولية للصين كعضو دائم في مجلس الأمن يملك القدرات النووية، والمنطقي منه أن يحاول فرض المعاهدة الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية. وهنا بالتحديد تتفق بكين مع واشنطن في هدف منع إيران من امتلاك الأسلحة النووية، وتلتقي في ذلك مع مخاوف الدول العربية النفطية، التي تستورد الصين احتياجاتها النفطية منها أيضاً.

يتلخص العامل الثالث المتحكم في السلوك التصويتي الصيني في المناورة بين واشنطن وطهران، وتأجيل لحظة المفاضلة بينهما لأطول فترة ممكنة. صوتت بكين مع الإجماع الدولي في مجلس الأمن على القرارين 1737 و1747، اللذين تضمنا عقوبات اقتصادية متدنية السقف ضد طهران. وفي الوقت نفسه فقد تسبّبت المعارضة الصينية والتلويح بحق النقض في تعديل مشاريع القرارات الأميركية المعروضة على مجلس الأمن، التي تحيل على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ونقحت بكين بانتظام هذه المشاريع قبل طرحها على التصويت.

ولأن الصين لا ترغب في مواجهة واشنطن مباشرة، فهي تترك روسيا لتلعب الدور الأكبر في مواجهة الرغبات الأميركية في مجلس الأمن، وتشكل معها كتلة المعارضة في مجلس الأمن، التي يتلخّص خطها الأحمر بتوجيه ضربة عسكرية ضد طهران. ويعتقد دينغلي شين، الخبير الصيني في الشؤون الأميركية أن لحظة المفاضلة ستكون قاسية على الصين، بسبب مصالحها الاقتصادية الضخمة مع واشنطن قطب النظام الدولي الوحيد، في الوقت الذي يضغط فيه احتياجها المتعاظم لموارد الطاقة الإيرانية على صانع القرار فيها. لذلك، تناور بكين دبلوماسياً من دون أن تتهم بالوقوف في صف واشنطن أو طهران حتى الآن، ولكن مع تصاعد وتيرة التصعيد في الملف الإيراني ستقترب لحظة الاختيار، التي لا تستطيع عندها بكين الاستمرار في المناورة بين الطرفين.

“القبس”