aren

التنوير والمسألة الشبابية \\كتابة : د. طيب تيزيني
الأربعاء - 6 - يونيو - 2018

 

يمثل العالم العربي حالة للنظر أكثر من البحث، خصوصاً على أيدي الباحثين والمفكرين العرب، وذلك منذ القرن التاسع عشر وما بعده، مروراً بالانفجار المالي الأعظم الذي ألهب معظم مناطق العالم العربي ولا يزال. فقد انفجر العديد من تلك المناطق على نحو جعل البعض يرون في ذلك بداية «ربيع عربي»، بعد أن أخفق هذا في مراحل أخرى سابقة.

لقد أنجب عصر النهضة العربي الحديث أسماء فارقة مارست دوراً ملحوظاً لم ينته إلى التمكين للنهضة والتنوير، وظل الأمر متعثراً بين الداخل والخارج، إلى أن جاءت النظم السياسية مع ازدهار ظاهرة الانقلابات العسكرية، فأنتجت حالات انقلابية متشابهة في عدة بلدان عربية، خاصة العراق وليبيا وسوريا والسودان، مكّنت لنظم ليست بعيدة عن الديمقراطية فحسب، بل معادية لها. وخلال ذلك خسر العرب الوحدة المصرية السورية، ما أدى إلى التمترس وراء أوضاع كلّفت الكثير لتنتهي إلا قليلاً.

وفي ذلك السياق، ظلت حركة التنوير تدعو إلى النهوض العربي العريق، لكن ما دشنته كان قد بدأ يتفسّخ أمام العلن، أما جمال الدين الأفغاني والطهطاوي والبستاني وشبلي شميل وفرح أنطون وآخرين.. فأصبحوا ذاكرة منسيّة. مع العلم أن مسألة التنوير قد أفصحت عن نفسها منذ مطلع القرن التاسع عشر، مقترنة بأمور أخرى، مثل العقلانية والديمقراطية وتحرير المرأة وغيرها من القضايا.

وقد ظهر التنوير والنهضة في سياق متأثر بالأفكار الغربية (الفرنسية خصوصاً)، مثل الحرية والمساواة والإصلاح الديني والعقد الاجتماعي.. وبقيت الحصيلة في مد وجزر، حسب التحولات المجتمعية والثقافية.

من ذلك جاءت حركة التحرر الشبابي والنسائي، إذ تم سحب مسألة المرأة إلى حقل المناقشة، خاصة فيما يتصل بالمدرسة والعمل والحياة العامة المفتوحة، ومرّ الحوار في أحيان كثيرة على نحو حذر وإشكالي ومعقد. وقد اتضح ذلك إلى مدى يعكس نفسه في المدرسة المجتمع العمومي، كما يبرِز الاهتمام المركّز من قبل العائلة والسلطات العامة، لأن الأمر يتصل بجيل الشباب من الجنسين، أي القوى الحيوية التي تناط بها عادة مهام التطوير والحفاظ على التوازن في الحقول المجتمعية. وفي ذلك السياق، تبرز الأهمية الاستراتيجية لفئة الشباب والنساء، كما يبرز الرهان المجتمعي ومدى أهميته بالنسبة للبلد المعني.

وهنا أيضاً نؤكد بأن المرحلة الانتقالية من الطفولة واليفاعة إلى الشباب غير مشروطة بالوقوع في مرض جيليّ، إذا توفرت وسائل التنمية والاهتمام العلمي بشخصية الشاب، ذكوره وإناثه، لذلك ما يمر به هذان الفريقان في مرحلة ما من نموّهما، إن هو إلا ضعف محتمل وليس قطعياً، إذا توافرت أسس المعالجة العلمية الصحيحة.

من تلك الظواهر تبرز مثلاً ظاهرة «انعدام المشاركة» في المدرسة، التي يعيشها تلميذ المدرسة المرشح للدخول في عالم الشباب، وكذا الأمر فيما يتصل بظاهرة الشعور بالتمييز أو الإهمال، فوجود جو ديمقراطي علمي في المدرسة كفيل بمعالجة تينك الظاهرتين.

إن ما نستنتجه من ذلك هو هيمنة مجتمعات تولّد، عبْر أنظمتها الثقافية والتربوية والقانونية والسياسية، مثل تلك الظاهرات المذكورة، ما يحيل على مواجهتها بعوامل تنمي الشعور بالكرامة والحرية والقدرة على مواجهة السلبيات. ولنتذكر في هذا السياق، تطوير النظام التربوي في المؤسسات التعليمية والتدريسية، ليس فقط في حقول المدارس والجامعات، وإنما كذلك في الحياة العامة التي يتعين أن تتحول إلى مهماز عميق يؤسس للمجتمع الديمقراطي التنويري.

إن ما أتينا عليه اليوم إنما يمثل إشارات أولية تسهم في بناء مجتمعات عربية تملك صلاحية العيش بحرية وكرامة وعدل في ذلك المجتمع الديمقراطي التنويري.

“الاتحاد”