aren

التفاوض والتدخل : كيف ، من ؟ ولماذا ! \\ بقلم : د. هيثم مناع
الأحد - 22 - أبريل - 2018

 

محاولة تقييم للوضع الحالي مقدمة الى المؤتمر الوطني الديمقراطي وتيار قمح والاصدقاء في تيار الغد وحزب الارادة الشعبية وشخصيات وطنية ديمقراطية

أعدها هيثم مناع

أرسل لي صديق من وفد المعارضة الى جنيف أثناء انعقاد جلسات جنيف8،القصة التالية عندما علم بنيتي فكّ الصيام عن الكلام:

” دخل الزوج فوجد زوجته تبكي فسألها عن السبب فقالت له : ” العصافير التي فوق شجرة بيتنا تنظر ليّ حينما أكون بدون حجاب وهذا قد يكون فيه معصية لله”.

فقبلها الزوج بين عينيها على عفتها وخوفها من الله وأحضر فأسا وقطع الشجرة .

بعد أسبوع عاد من العمل مبكرا فوجد زوجته نائمة بأحضان عشيقها  !

لم يفعل شيء سوى أنه أخذ مايحتاجه وهرب من المدينة كلها  ..

وصل صاحبنا الى مدينة بعيدة فوجد الناس يجتمعون قرب قصر الملك . فسألهم عن السبب ،فقالو له أن خزينة الملك قد سرقت.

أثناء سيره في السوق ، مرّ رجل يسير على أطراف أصابعه فسأل من هذا ؟!! قالوا هو شيخ المدينة ، يمشي على أطراف أصابعه خوفا أن يدعس نملة فيعصي الله !

فقال الرجل : ” تالله لقد وجدت السارق أرسلوني للملك”.

قال صاحبنا في حضرة الملك وهو بين يديه : “ياصاحب الجلالة ، الشيخ هو من سرق خزينتك وأن كنت مدعيا فاقطع رأسي”.

أحضر الجنود الشيخ وبعد التحقيق اعترف بالسرقة !

فقال الملك للرجل : كيف عرفت أنه السارق ؟!!

قال الرجل : حينما تكون دعوى الاحتياط مضخمة ومبرقشة ، والكلام عن الفضيلة مبالغا به ، فأعلم أنه تغطية لجرم ما ..

يوجد في حياتنا أشخاص صرعونا بالخطاب المزاود والشعارات الفخمة وتبين لنا أنهم أنذل البشر ،

أغمض عينك وفكر من في حياتك يزاود ويعنتر وستجد سارق البلاد والعباد”.

لعل هذه القصة تختصر مأساة المعارضة السورية المعترف عليها رسميا من ” أصدقاء الشعب السوري ” ، منذ التحضير للمجلس الوطني في اسطنبول ، وحتى مؤتمر الرياض الثاني .

منذ تشرين الأول \ أكتوبر 2011 ، قلنا للمجلس الوطني : ” تمضي الخراف حياتها تخشى الذئب ، وفي آخر المطاف يأكلها الراعي ” . تعالوا الى كلمة سواء وبرنامج مشترك للتغيير نتحرك به من أجل انقاذ سوريا ، انسحب الاخوان المسلمون من المفاوضات في أول ديسمبر واستمر وفد من المجلس يقوده الوطني الليبرالي وليد البني بالمفاوضات . وتمكنا من صوغ ورقة عمل مشتركة في نهاية ديسمبر 2012 . لكن أسياد “المجلس” ألقوا بها في القمامة في أقل من 12 ساعة من توقيعها ، لان غايتهم لم تكن التغيير الديمقراطي بل قبر الحراك الشعبي في مسبح الدم .

عدنا في مؤتمر الجامعة العربية للمعارضة السورية في تموز \ يوليو 2012 عبد العزيز الخير وأنا نفسي ، نطالب الحاضرين بالموافقة على “بيان جنيف” الموقع قبل أيام ، أو على الاقل وضعه على جدول الأعمال ، فاذا بالفرنسي والبريطاني العائدين من جنيف للتو يحدثاننا عن الخطة باء .

بدأت دولة قطر التحضير لهيكل جديد في الدوحة ، طلبنا ممن نثق بوطنيته ممن قرر المشاركة ، بأن يدافع عن تثبيت فكرة الحل السياسي على أساس بيان جنيف في وثائق الائتلاف ، وألقى الشيخ معاذ الخطيب محاضرة في الدوحة قبل الاجتماع بأيام بعنوان (التفاوض واجب شرعي وسياسي) .

الا أن الاسياد الفعليين (الممولين) للمشروع ثبتوا عوضا عن ذلك مادة تقول :”لا للتفاوض ولا للحوار”. وزاد حزب المسعورين عليها في اجتماع مراكش استنكارا لتصنيف (جبهة النصرة –  تنظيم القاعدة في بلاد الشام) من وزارة الخزانة الامريكية على لائحة الارهاب .

فكان أن دعونا لمؤتمر في جنيف في آخر يناير 2013 ” من أجل سورية ديمقراطية ودولة مدنية” . لوران فابيوس ، وزير الخارجية الفرنسية ، لم يجد أكثر من خمسة “أسماء” معارضة لدعوتها الى باريس لمؤتمر صحفي في لحظة افتتاح مؤتمرنا ، طالب فيه برحيل الاسد ودعم المقاتلين ” من أجل الحرية” ، وتدخلت الخارجية الفرنسية للحؤول دون نيل 67 تأشيرة دخول للمشاركين في المؤتمر ، الا أن بهلوانيات لوران فابيوس وفريقه لم تنجح ، ويوم صدور البيان الختامي لمؤتمرنا في جيف ، أعلن رئيس الائتلاف قبوله بالتفاوض على أساس ” بيان جنيف 2012 ” ، فأبعد معاذ الخطيب عن قيادة الائتلاف .

انفجرت حنجرتنا وجفّت أقلامنا ونحن نقول ” اذا استقبلتم ألفا من الشيشان فسيأتيكم ألفان من لبنان ، التطبيع مع فكرة المقاتل الاجنبي والتدخل الخارجي والعنف في أي لبوس كان ، ستدمر البلاد والعباد ، كان رد بعض السفهاء : “منّاع وجماعته يريدون بقاء الاسد في السلطة “.

لقد كتبت في مخاطر الثورة المضادة منذ تموز \ يوليو 2011 في “الموند  ديبلوماتيك ” . كانت السلطة الأمنية قد فشلت في مواجهة الحركة المدنية السلمية ، لذا وعوضا عن اطلاق سراح من اعتقلتهم في المظاهرات السلمية ، قامت باصدار عفو عن 1400 جهادي سوري اجنبي من سجن صيدنايا . رموز الحركة المدنية السلمية كان يجري اغتيالهم وقتلهم في وضح النهار ولا يطلب من قدماء أفغانستان حتى مراجعة أمنية.

تساقط من حولنا المهندس جهاد شلهوب والمهندس معن العودات والدكتور عدنان وهبة وعشرات المناضلين في وقت كانت خلايا أحرار الشام وصقور الشام ولواء الاسلام تتشكل تحت أنظار أجهزة الأمن السورية . العسكرة كانت السبيل الوحيد للسلطة لتبرير قمعها الوحشي لمظاهرات شملت وفق تقرير أمني رسمي ، أكثر من مليون شخص في الجمعة الاخيرة من شهر تموز \ يوايو 2011.

أشهر وسنوات قاتمة مرت علينا . من نراهم اليوم ينبحون على القنوات الخليجية ، من ” اخوان ” و”اعلان” وأرباب “الحمدان” ، للحديث عن قرارات “الشرعية الدولية ” ، رأيناهم يزعقون مطالبين بما أسميناه الأساطير الثلاثة (تغيير موازين القوى ، السلاح النوعي والتدخل الخارجي) ، هم من طالب بتدخل الناتو ومناطق حظر جوي وقصف المواقع الاستراتيجية للقوات الخاصة للنظام ووضع سوريا تحت الفصل السابع ونسخ الأنموذج الليبي الخ .

دخلنا في حقبة الحمدين القطرية ثم حقبة بندر المغرور وشقيقه المخمور السعودي ، مرورا بحقبة الخطوط الحمر التركية ، واجتماعات ” أصدقاء الشعب السوري” المكوكية وغرف “الموم” و”الموك” غير السورية التي تشرف على فصائل زاد عددها عن الثلاثة آلاف “فصيل” ، قتلت في صراعاتها البينية أكثر مما سقط لها في المواجهة مع الجيش السوي وحلفائه .

حتى الجهادي الراديكالي حسان عبود أصبح يتمزق ألما لحالة الانحطاط الأخلاقية والتبعية السياسية والفوضى العسكرية وخطاب التطرف .

فعمل مع رهط من الجهاديين والجيش الحر على صياغة ” ميثاق الشرف الثوري” . وطالب بكل جرأة ، يوم كانت الاسطوانة الاخوانية – الجهادية قد انحسرت في ” جمعة نصرة جبهة النصرة” وشعار ” من جهز غازيا فقد غزا” ، بوقف سيلان المقاتلين الأجانب الى سوريا . كان ثمن صحوة مؤسس حركة أحرار الشام الاسلامية اغتياله مع قيادة تنظيمه .

في هذه الأجواء الملوثة بالعنف والتدخل الخارجي ومذهبة الصراع ، دعي الممثل الخاص للامم المتحدة الاخضر الابراهيمي الى مؤتمر جنيف2 . في نهاية 2013 . طلبت من الاخضر الابراهيمي بحضور الدكتور غسان سلامة في اجتماع في بيته ، تدريب المعارضة السورية على التفاوض .

في البدء استغرب الطلب ، فقلت له : ” من يضع في ميثاقه الأساسي لا تفاوض لا يعرف أن التفاوض لا يشكل حالة اعتراف . ياأستاذي الكثير من الشباب في حالة أمية حقيقية بكل ما يتعلق بالتفاوض “.

وافق على المقترح وتم تنظيم دورتي تدريب واحدة في مونترو والثانية في اسطنبول لهيئة التنسيق الوطنية والائتلاف .لكن السيد روبرت فورد و”أصدقاء الشعب السوري”قرروا أن وفد المعارضة سيتشكل حصرا من الائتلاف .

طلب أحمد الجربا الاجتماع معي ومع حسن عبد العظيم في ليلة العاشر من ديسمبر 2013 ، وأعلمنا في هذا الاجتماع بأنه شخصيا مع وفد يمثل الطيف الأوسع للمعارضة . وتوصلنا لصيغة وطنية معقولة ، لكن حزب المسعورين في الائتلاف رفض ما توافقنا عليه ، وأعلمني مساعد روبرت فورد بعدها بأسبوع في باريس أنهم على استعداد لوجود اسمين أوثلاثة من خارج الائتلاف ولكن تحت مظلته وباسمه . فقلت له : معلمك بعده خارج التغطية .. نحن لا نريد مقاعد ، نريد أن يكون اسم الوفد : وفد المعارضة الوطنية الديمقراطية ولن نشارك باسم ائتلاف تحت سيطرتكم . ومهزلة جنيف2 أصبحت بتفاصيلها معروفة .

تمزق الحراك المدني بين الاغتيالات والاعتقالات والمنفى ، وسقطت كل رهانات النصر العسكري على النظام . تدخل الامريكي ، ولكن لدعم ” وحدات حماية الشعب ” الكردية ، وتدخل الروسي لدعم الجيش السوري . تربع التركمانستان في ادلب مع النصرة وقاتل الهازار مع الايراني في البوكمال ضد داعش . طائرات النظام تقصف المدنيين في دوما ، وفصائل دوما تقصف المدنيين في دمشق ! ومازالت قناة “العربية” تتحدث عن “سوريا الثورة” !

بعد خبر بثته عن تصنيف دول الرباعية لحركة الاخوان المسلمين كمنظمة ارهابية ، تجري في اليوم نفسه ثلاث مقابلات مع أسماء اخوانية سورية معروفة .

“الممولون قطريا ” يدخلون حرب المزايدات الاعلامية ، والجميع يتحدث باعتباره ممثل الشعب السوري الشرعي والوحيد؟؟ مشهد درامي يصيب بالجلطة الدماغية كل من يتابع هذا الصورة السريالية المخضبة بدماء السوريين.

لقد أصيب النخاع الشوكي السياسي لمعارضة الارتهان بالعطب التام ، وكما قلت دائما : في التحليل النفسي التبعية تخلق حالة قصور ذهني وضيق أفق بالضرورة“.

لم يعد بامكان المنصّبين أولياء على الثورة والشعب أن يشكّلوا رافعة سياسية للسوريين أو لحل سياسي قابل للتحقق. هرمت البرامج والمفاهيم وبكل أسف لم يعد الكثير يميز بين هذا البرنامج السياسي أو ذاك أو هذا المشروع وذاك .

لقد أعلن عزرائيل المعرفة سقوط جيل من أدعياء الديمقراطية الذين تساقطوا في الحقبتين الحمدية والبندرية ، كما أعلن تهافت الحركة الاخوانية الوصولية والانتهازية ، وانحطاط الحركة الجهادية الى فقه الدم .

وكونهم لم يتوقفوا عن الحديث عن تغيير موازين القوى والسلاح النوعي والنصر العسكري ، فقد قدموا على طبق من فضة لمن حرص على هذه الثلاثية في الميدان وليس في فنادق الخمس نجوم ، معركة حلب ، وهزيمة داعش في دير الزور والرقة والبوكمال ومحارق ادلب والغوطة وعفرين.

تحدثنا مع السيدين ديميستورا ورمزي منذ الدعوة لاستعادة مباحثات جنيف بكل صراحة وأمانة :” لايمكن لمباحثات أممية تحت السيطرة ، وبشروط اقليمية ودولية مسبقة لتحديد من يشارك ومن يتم ابعاده ، ان تنجح ” . الا ان فريق ديميستورا ، طوعا أو كرها ، سار وفق ما توافق عليه أصحاب القرار .

رغم معرفتنا بكل نقاط الضعف السعودية ، وضعنا المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار ، وكان “المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري” أول من طالب بانعقاد مؤتمر الرياض 2 . وقد طالبت شخصيا من السفير رمزي رمزي ايصال وجهة نظرنا الى أصحاب العلاقة .

ونشر الدكتور خالد المحاميد مقالة بعنوان : ” بعد فشل المعارضة ، ما العمل؟” طالب به بعقد هذا المؤتمر . عله يعيد هيكلة المعارضة السورية على أسس تمثيلية حقيقية ويسمح لشخصيات وطنية معروفة بتاريخها النضالي وخبرتها وسمعتها بخوض المعركة السياسية مع وفد الحكومة السورية بشكل متكافىء بعد الهزائم العسكرية والصرعات البينية التي أهلكت المعارضة المسلحة على اختلاف فصائلها ، ناهيكم عن المستجدات ” القطرية السعودية التركية ” منذ الازمة القطرية التي مزقت توافقات الرياض 1 .

وقد أوصلنا للمنظمين رسالة واضحة مفادها أن فكرة جمع المنصات لا تشكل الا ترقيعا محدد الأثر والفعل . فالجميع يعرف أن “منتدى موسكو” مجرد اجتماع تشاوي بين وفد الحكومة ومن يحضر من المعارضة ، ومن الأفضل أن يطلق على المنصة اسم منصة ” قاسيون ” .

وقد جرى اختطاف مؤتمر القاهرة من صانعيه الحقيقيين في وضح النهار ، وتهزيل تمثيله ودوره من قبل السلطات المصرية . أسماء مؤسسة أساسية في الائتلاف استقالت منه ، أما هيئة التنسيق فقد تحولت الى شبه مكتب تنفيذي بدون جنود بعد الاستقالات الواسعة التي طالت أكثر من 27 شخصا كانوا في مكاتبها التنفيذية وقيادتها والعشرات من خيرة شبابها . ومع الأستانة ومعارك الميدان ، أصبح تمثيل الفصائل المسلحة في الهيئة التفاوضية رهن الصراعات الاقليمية وقدرتها على البقاء في الميدان دون أي اعتبار لبرنامجها أو مدى التزامها ببرنامج مشترك .

لقد تغيرت الخارطة السياسية لعام 2012 ، تركيبة ” أصدقاء الشعب السوري” ،أصبحت جزءا من التاريخ ، وباستعارة تعبير صحفي بريطاني متابع old fashion ومعظم الكوادر والشخصيات الوطنية أصبحت خارج الهياكل التي اعتمدت في الرياض2 .اضافة الى قرار “الرباعية” ابعاد شلليات “الدوحة” عن المؤتمر .

ثمة نقمة مجتمعية واسعة على الاخوان المسلمين وبقايا اعلان دمشق ، وقد تحول الائتلافيون الى موظفين يطلب منهم الحديث لاستنكار عمل هذا الطرف أو تأييد السياسات الامريكية الأنجلو فرنسية والخليجية والتركية بشكل فاضح ومفضوح .. فعن أي قرار سوري معارض نتحدث وعن أي تمثيل واسع للمعارضة يثرثرون ؟

ان أية مفاضات جدية ، داخل أو خارج قصر الامم ، تحتاج الى أطراف جدية تتمتع باحترام وثقة السوريين ، أطراف تحمل الحد الادنى من كافات ثلاثة : الكفاءة والكرامة والكاريزما ، وقناعة راسخة بأن الحل في سوريا سيكون سياسيا أو لن يكون ، وان الحل السياسي لن يكون باستمرار ما أوصلنا الى ما نحن فيه ، كما أنه يستحيل أن ينجز ، بمن أسميتهم يوما ” وليمة المتسولين وعش الدبابير” من حملة الحقائب ومأجوري هذه الدولة أو تلك .

قام الطرف السعودي بتحجيم الائتلاف الى 22 من 143 مشاركا في المؤتمر ، محررا الشعب السوري من تفاهة ” الممثل الشرعي والوحيد لقوى الثورة والمعارضة” ، وأعطى المستقلين نصف مقاعد المؤتمر .الا أن خوفه البالغ به من التيار الوطني الديمقراطي المستقل القرار وشخصياته الوطينة واستبعادهم عن المؤتمر ، مكن حزب المزاودين من السيطرة على الرياض2 ، وفرض بيانا ختاميا ناصع الشهادة على أن أغلبية المدعوين للرياض مازالوا دون مستوى فلسفة سياسية ناضجة ومتماسكة مع حامل يتمتع بالحد الأدنى من المصداقية والشعبية .

تعبر احدى المشاركات في المؤتمر عن هذه المعضلة بالقول : ” باتت نقطة الضعف الكبرى في هذا الوفد هي عدم وجود كتلة من روافع الثورة الفكرية المدنية وحوامل التغيير الكامل في المجتمع ، ممن كانوا ضد تسليح الثورة ، وضد أسلمتها ، وضد ارتهانها لتيارات حزبية معينة .

هذه الكتلة الغائبة – وهي تشكل أغلبية في الشارع الثوري اليوم – هي صمام الامان الوحيد لعدم استمرارية الاسد ، اذ انها تشكل صوتا غير قابل للمساومة السياسية مقابل نفوذ وسلطة ، على عكس التكتلات السياسية الموجودة في الوفد اليوم ، وغير قابل للمساومة القانونية مقابل جرائم مرتكبة ، أي أن الغائب هو كتلة لا تباع ولا تشترى ، وكان يفترض أن تؤدي كتلة المستقلين هذا الدور ، لولا أن تم اختطافها وتحويلها الى كتلة تابعة لا معنى لوجودها .

التكتلات السياسية منفصلة عن الشارع والواقع والارض ، وكتلة السلاح تسير نحو الانتهاء ، بعد أن أضرت بأهلها وبثورتهم أكثر مما قدمت لهم ” (سميرة المبيض ، المفاوضات السورية ، غياب الروافع الفكرية المدنية وحوامل التغيير 28 نوفمبر 2018 ).

دعا السيد ديميستورا القوم الى جنيف8 ، فتهاطل 155 مشاركا ( 11 منهم فقط من طرف النظام) ، قامت بعض الدول بتغطية نفقات من لا تغطيه الامم المتحدة . وعادت الحياة للفندق الملكي في شارع لوزان : واصطف السفراء الغربيون والعرب والترك كشجيرات عيد الميلاد في بهو الفندق ، الحرس السويسري يتقاسم البرد مع الصحفيين على الباب الخارجي ، أما موسمات شارع بيرن ، فقد احتفلن بزبائن فوق العادة . الأمر الذي لم يمنع انطلاق حرب الحناجر لاسقاط بشار الاسد بالضربة الاعلامية القاضية . حرب تستعيد في لا وعيها ، نجوى ” المومس العمياء” لبدر شاكر السياب :

” لا تتركوني يا سكارى ،

من ضاجع العربية السمراء لا يلقى خسارة “.

بعد قطيعة مع السيد ديميستورا استمرت لعامين ، عدنا والتقنيا بعد ساعات من اجتماعنا بالسيدين غاتيلوف وفيرشينين في جنيف أحاطانا به علما ، بفكرة وافية عن مؤتمر سوتشي والغاية منها . كان الاجتماع محاولة جدية ومسؤولة للعثور على اجابات منطقية وعقلانية مشتركة ، تعطي الفرصة الاخيرة لمقر الامم المتحدة في جينف باعتباره المكان الأنسب لمفاوضات مباشرة وجدية تخرج الملف السوري من حالة الاستعصاء . فمن حيث المبدأ ، نحن مع كل المحاولات الجامعة لأطراف الصراع مادامت هذه المحاولات تعتمد مبدأ التكامل والتراكم الجمعي .

أعاد مؤتمر الرياض2 المعارضة السورية الى خطاب الاطلال، أطلال من قال بالامس القريب ” دافعنا عن جبهة النصرة أكثر مما دافعت عن نفسها” يعلن حرب التحرير على قوات الاحتلال الروسي ، اخوان “التقية”  يتحدثون عن سوتشي الخيانة والاستسلام ، متسولو التدخل الخارجي يرفضون التدخل الروسي في الشؤون السورية … والازدواجية بين مايقال وما يعلن .

لقد رفضت منذ سبتمبر 2015 زيارة موسكو رغم تلقي ست دعوات من وزارتي الخارجية والدفاع ، وكنا نلتقيهم في مدن أوروبية . وكنت شاهدا بام عيني على استجداء الآخرين تنظيم لقاء في موسكو؟ …

هل من الضروري أن نضع أسماء من طلبوا فتح خط على موسكو ممن يطالبون بمحاكمة المشاركين في سوتشي ؟

مع ترجيديا ” الغوطة ” عاد حزب ” بانتظار اليانكي” الى الظهور ، وكلف أحد أعضاء الهيئة التفاوضية بالعزف على أنغام كلمة نيكي هيلي في مجلس الامن مطالبا بالتحرك العسكري خارج مجلس الامن قبل مسرحية الكيماوي . واجتمعت الهيئة التفاوضية في الرياض لاعلان الحرب على المحتل الروسي والايراني … دون كلمة واحدة عن المحتل الامريكي مع تقريظ للحملة التركية على عفرين .

فهناك احتلال محمود واحتلال مذموم . ورغم أن تسعين بالمئة من وقائع عفرين لا تختلف عن يوميات الغوطة ، تقف الهيئة التفاوضية كالأعور الدجال بعين واحدة…

منصة موسكو وبعض الشخصيات المستقلة أصابها الغثيان من سياسات الارتهان عند هذا الائتلاف أو ذاك الفصيل فأطلقت صرخة تحذير : الهيئة التفاوضية بسياستها الحالية تطلق النار على نفسها … وبعد أن سكتنا على كل حماقاتها ، بل وأعطيناها صوتنا مقابل الانخراط الجدي في المفاوضات حول اللجنة الدستورية ، نتوصل اليوم الى قناعة راسخة ، وهي أن هذه الهيئة لا علاقة لها بالتفاوض ولا بالحل السياسي … ومن واجب المبعوث الاممي والامين العام للامم المتحدة ، ان كانا حريصين على العودة لطاولة مفاوضات ، اعادة النظر في هيكلها ودورها في المرحلة القادمة .

عندما اعتبرت في بداية حملة ” من جهز غازيا فقد غزا ” ، ” ان كل من يطبع مع فكرة التدخل الخارجي يرتكب جريمة وطنية بحق الشعب السوري وليس مجرد خطأ في التقدير السياسي “ ، قامت الدنيا ولم تقعد . سارت الامور بما لا تشتهي السفن ، دخل الامريكي حيث لم يخطر على بال من ناجاه التدخل عشية الكيماوي الاول ،  ودخل الروسي حين لم يتوقع أحد أن يغامر بافغانستان ثانية ، وعبر الايراني الحدود مثلما فعلت القاعدة وداعش قبلا … وهاهو التركي يحتل في عفرين أيضا باسم أمنه القومي واعادة اللاجئين …

لم يتعلم أحد من كل هذه الدروس ، وهاهم يغردون فرحا بقدوم رئيس المخابرات المركزية مايك بومبيو وزيرا للخارجية وبالعدوان الثلاثي على سوريا . فقد أصبح كل فريق ترامب من العسكريين والصقور ويمكن ” يرجعوا يولعوها” …

والمطلوب حسب رمضان الاخوان : قطع رأس الافعى وذيلها … (الفضيحة أن اعلام السعودية كان غطى في الاربعين يوما الاخيرة ، 70 بالمائة من تصريحات قيادي في تنظيم يصنفه ولي العهد محمد بن سلمان بالارهابي ؟؟ ) ..

تحاورنا مع الجانب الروسي وقدمنا ملاحظاتنا على سوتشي (حول التأقيت ، المشاركات ، البرنامج ، اللجان ، موضوع ميثاق وطني سوري يصدر عن المؤتمر وقدمنا اقتراحنا لمشروع البيان الختامي بأيد سورية )… كان النقاش بناء وايجابيا وكانت النقطة الاخيرة الموافقة على كل مرشحينا ، من عرب وكورد وسريان تركمان ، من كل الطوائف والمحافظات ، ويوم موافقتهم على قائمتنا كما هي ، وافقنا على المشاركة في المؤتمر.

توجهنا الى سوتشي ، مع منصة قاسيون وتيار الغد وشخصيات مستقلة دون أوهام ، بفريق قطعت أوصاله وغيب قرابة نصفه . سلاحنا الحكمة والعقلانية والبحث المشترك عن سبل خلاص لشعبنا . وتمكنت المعارضة الديمقراطية ، رغم كل الظروف القاهرة ، من تثبيت بيان ختامي يؤكد على نقطتين جوهريتين وعمليتين : الاولى تتعلق بالدستور والثانية في صلب المنظومة العسكرية الامنية الحاكمة .

القطريون المهمشون منذ أزمتهم مع الرباعية سعوا لتأجيج الوضع قرب دمشق للتذاكي بأن لهم فصائل وصوت . فكانت عملية المركبات العسكرية التي اتخذ اثرها القرار الروسي الحكومي السوري بالتخلص من كل الفصائل المسلحة في ريف دمشق مهما كان الثمن . (مرفق تقرير لزميل لنا شارك مباشرة في كل مراحل معركة الغوطة)*. 

عوضا عن تنظيم شعائر جنازة “الهيئة التفاوضية ” ودعوة المعارضة الوطنية الديمقراطية لاجتماع مستقل الارادة والقرار (بدون دولارات ولا موبايلات ولا خواجات ) لتكوين فد تفاوضي سوري ينال الحد الادنى من احترام المجتمع السوري والناس .

ذهب أبو الخير الى اليابان وأم الخير الى الفاتيكان ، وكأن شيئا لم يكن … وعادوا يصرخون بضرورة رحيل الاسد في بداية المرحلة الانتقالية ” ، لتقديم كل الذرائع للطرف الحكومي بتعطيل أية مفاوضات ..

تقاسم الموظفون الجدد المرتبات والمكاتب … وهو يرتبون أوضاعهم الادارية لتنظيم صرف ثمانية ملايين يورو مخصصة للمتفرغين في مكاتب الرياض وجنيف وبروكسل … وفي حين لا يتعدى مرتب اللاجىء الذي يقاتل في عملية غصن الزيتون 150 دولار، فان مرتب أي موظف منهم لا يقل مرتبه عن 9 آلاف دولار. فلماذا العمل من أجل حل سياسي ، ومرتب الصغير فيهم أكثر من مرتب رئيس الوزراء في دمشق؟

للخروج من هذا الوضع المأسوي ، نتوجه لكل الوطنيين الديمقراطيين من أجل بناء تحالف واسع من مستقلي القرار والارادة من أبناء شعبنا الذين لم يتلوثوا بالارتزاق والتبعية ، تحالف يضم كل الفئات والمكونات المقهورة والتي ناضلت بصدق من أجل دولة مدنية ، دولة قانون وعدل ، دستورها عقد اجتماعي ديمقراطي يضمن حقوق المواطنة والمكونات ، في سورية حرة موحدة ذات سيادة … تخوض بحزم وكرامة مفاوضات جدية لوضع حد للحروب ومنظومات الفساد والاستبداد التي كانت سببا فيها أو ولدتها من رحم مشوه .

أتوجه الى كل الوطنيين الديمقراطيين ، لتنظيم لقاءات تشاورية عاجلة تضع لبنات الانطلاق لبناء القطب الوطني الديمقراطي ، ليكون القوة المستقلة ، المحركة والمبادرة في العملية السياسية ، التي تخرج الحل السياسي من حالة الانسداد والجمود السائدة ، وتخرج أيضا العملية التفاوضية ، من غرفة العناية المشددة ، عبر التواطؤ الدولي الاقليمي ، الذي لم يشبع بعد من دمار أصاب البلاد والعباد ، ومازال يفوض صوت المجتمع والمعارضة ، الى مرتهني القرار لهذه الدولة أو ذاك المحور .

21\4\20018

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

التجدد :

*نعمل على (التقرير ) لنشره (لاحقا) – وهو تقرير توثيقي أعده الوسيط الاساسي بين الطرف الروسي والفصائل المسلحة –

 

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها