aren

التعليم : توسيع الأفق والعيش بذكاء في مواجهة (السمع والطاعة) !! \\ بقلم : د. فؤاد شربجي
الأربعاء - 15 - أغسطس - 2018

 

بينما وزعت منظمة اليونسكو رسالتها حول التعليم والمعنونة ب : (لنعيش في عصر الذكاء الصناعي ) ، نشر مركز دمشق للدراسات ، دراسة للدكتور عقيل محفوض ، تحت عنوان 🙁 وسعوا الأفق قليلا ! حول الدين والتعليم في سورية – ملاحظات اطارية ) .

كلاهما (رسالة اليونسكو ودراسة مركز دمشق ) ، تتناولان فضية التعليم ، الأولى تأخذنا للعيش في عصر الذكاء الصناعي ، والثانية تطالبنا بتوسيع الأفق قليلا ، ويبدو ان (قليلا) هذه ، ناتجة عن احساس الدارس بصعوبة تقبل حال التعليم والعقلانية القائمة عليه ، لفكرة ( توسيع الافق) .

رسالة اليونسكو ، تؤسس للمستقبل ، حيث تقول ان الطلاب الذين يدخلون الى المدارس اليوم 2018 ، سيحصلون على الشهادة الثانوية في العام 2030 ، وسيتخرجون من الجامعات حوالي العام 2040 ، أي ان انهم سيدخلون ميدان العمل في منتصف القرن الحادي والعشرين بكل مافيه ، من تطور تقني ووسائل الذكاء ، لذلك فان اركان التعليم الثلاثة السائدة ( القراءة – الكتابة – الحساب ) ، لم تعد كافية لتأهيل الطلاب للعيش في عصر الذكاء الصناعي ، ولابد أن تضيف أركانا مهمة لعملية التعليم ، وهي : (التعاطف مع الآخر – النزوع للابتكار والفكر النقدي ) .

وهكذا ، فان التعليم يصبح صانعا لشخصية المتعلم ، ليكون واثقا من نفسه ، متعاطفا مع الآخرين ، باحثا ودراسا لكل موضوع ، ناقدا ومشككا للوصول الى الحقيقة ، ميالا للابتكار والابداع .

فهل أخذت الحكومة السورية بمضامين هذه الرسالة ، وهل تفكر في المستقبل ، ونوعية الاشخاص الذين تخرجهم للعيش فيه ؟

للاجابة على هذا التساؤل ، جاء في ملخص دراسة د.محفوض : ( ان الحكومة تسير في سياسات ” أسلمة” متسارعة للمجال العام ، بدءا من مناهج وزراة التربية ، وتزايد البرامج الدينية والدعوية في الاعلام الحكومي وشبه الحكومي ، بالاضافة الى انشاء شبكات وتجمعات للدعاة والداعيات الشباب …الخ ) .

اي أن الحكومة ، وخاصة وزارات (التربية ، الاعلام ، والاوقاف ) ، تعمل على بناء شخصية الفرد السوري ، بدءا من التعليم والاعلام ، لتكون شخصية تعيش في عصر الدين (لا) في عصر الذكاء الصناعي ، وطبعا تحت غطاء شعارات تأييد الدولة ، والهتاف لها .

يلفت النظر في عنوان رسالة اليونسكو ، كلمة (لنعيش) ، أي ان الرسالة اعتبرت التعليم ، هو طريقة عيش ، وأسلوب حياة ، وليس محفوظات يمتحن الطالب فيها ، وينسها فورا . ومن روح الرسالة ، نستشف ان (العيش) يكون في محيط ، ولما كان هذا المحيط قائما على تعدد الاجناس والاعراق والاديان والطوائف ، فان التعاطف والتفاعل ضروري لسلامه وسلامته واستمراره ، ولما كان محيط العيش ، مفعما بالتقنية المعلوماتية ووسائط التواصل الاجتماعي وأساليب واجهزة الذكاء الصناعي ، لابد للانسان من الارتقاء في تفكيره الى مستوى هذا المحيط ، ونهجه في التفكير ، الانتاج ، والعيش .

مقابل ضرورات العيش في القرن الحادي والعشرين ، والقائمة على تنمية القدرات الذاتية الانسانية ، وتنمية احساسه بالتعاطف والتفاعل مع الآخر ، وتدريبه على الفكر النقدي المجادل والمفكر في كل شيء ، مقابل ذلك ، فان مناهجنا ومدارسنا ، تقوم على (التلقين) ، وبمعنى أوضح ، تقوم مناهجنا على (السمع والطاعة) .

الطالب يسمع من استاذه ، ويطيعه ، ويتبع مايقوله له ، وعندما تكون روح المنهج (السمع والطاعة) ، فان الاشخاص الذين ننتجهم ، لن يعيشوا في عصر الذكاء والابتكار ، وما نصنعه يماثل تماما ، الفكر الغيبي ويتوافق مع مبادىء التنظيمات التكفيرية ، القائمة على (السمع والطاعة) .

واستبدال (الاستاذ) ب(أمير) التنظيم ، أو المدير المسؤول ، لا يغير من طبيعة الفرد المعبأ ، ولا من مضمون (السمع والطاعة) . صحيح نحن ضد هؤلاء ، ولكن نتبع نهجهم دون ان ننتبه ، ولكن … لماذا نستمر بعدم الانتباه ؟!!!.

رسالة اليونسكو ، تطالبنا العمل (للعيش) في عصر الذكاء الصناعي ، وتدلنا على الطريق الى ذلك عبر التعليم ، الذي يضيف لاركانه الاولى ، القائمة على القراءة والكتابة والحساب ، أركان العصر ، وهي التعاطف ، والتفاعل مع الآخر ، النزوع الى الابتكار والتجديد والابداع ، واعتماد الفكر النقدي المدقق في كل شيء ، وهذا سهل ويمكن تحقيقه ، وتجربة (مركز المتميزين ) ، هو تجربة رائدة ، ولكن يلزمنا أساليب تناسب الطلاب العاديين ، وتزرع في النفوس ، امكانية العيش في عصر القرن الحادي والعشرين ،عصر الذكاء الصناعي.

د.عقيل محفوض ، يطالبنا بفصل المجال الاجتماعي السياسي ، عن المجال الديني ، وأنا ارى وأطالب بضرورة تخليص التعليم من النهج الديني القائم على التسليم (السمع والطاعة ) ، والذهاب الى الفكر العلمي ، القائم على البحث والتشكيك ، كطريق للوصول الى الحقيقة ، وكأسلوب يكتسب به الطالب الخبرة والعلم ، وهو ينمي ، ويطور فكره العصري الحديث .

نحن نعرف ،ان وزارة التربية لن يرضيها ، أن نقول بانها تعتمد أسلوب (السمع والطاعة ) ، ونعرف الجهود التي بذلتها أثناء الحرب لابقاء العملية التعليمية مستمرة ، ولكن لا نعرف ماهو مبرر ، أن لا تكون وزارة منتبهة ، الى أنه ومع دوران عجلة اعادة العمران ، فان عمران الانسان وبناء تفكيره ، وعمارة وجدانه ، هي الضمانة لمستقبل الوطن وشعبه ، هل سنستمر غير منتبهين ؟ وهل سيستمر كل وزير باعتبار الخروج عن السمع والطاعة لعمله وانجازاته ، كفر وخيانة ؟؟

وعلينا ان نؤهل أبناءنا للعيش الحر المبدع المتعاون ، علينا بناء انساننا بعقل علمي ، ووجدان متعاطف مع الآخر ، وضمير يرفض التكفير والغيبية ، ويتطلع لابداع المستقبل السوري الارقى .

هل تنتبه وزراة التربية والوزارات الشريكة ، أم انها ستهاجمنا ، وتهجم علينا ، لاننا من وجهة نظرها نخرج عن (السمع والطاعة) ؟!!! .