aren

التطبيع مع عدونا\\ كتابة : خليل حرب
الخميس - 17 - سبتمبر - 2020

علينا أن نعترف بأن عدونا منحنا ما يكفي من الوقت لنحاربه بكفاءة، لكننا لم نفعل. وعلينا أن نقر بأن عدونا يتربص بنا منذ زمن طويل، لكننا أحياناً كثيرة، كنا نشيح بوجوهنا جانباً كأننا لا نراه ونصلي ألا يرانا.

عدونا يرانا ويعرف دواخلنا وعيوبنا ونواقصنا، ويتوغل فيها وفينا، باحثاً عن ثغراتنا وأوجاعنا وأمراضنا الكامنة. عدونا قديم، قدم هذه الحياة، ويلبس في كل عصر، زياً يلائم الأزمنة والأمكنة التي يتحين الفرصة ليظهر فيها.

يعرف كيف يسوّق نفسه من دون أن ندري، كمن يأتي منمقاً بكلام معسول ووجه بشوش، ونظن – بحسن نياتنا المعتادة – انه مسالم وودود، لكنه اذا تمكن منا، أحكم قبضته على صغيرنا وكبيرنا، وعلى أحبتنا، يريد انتزاعهم منا.

علاقتنا بعدونا جدلية ومعقدة. يضمر لنا الشر ونريد نحن – بالتأكيد – الموت له. فإذا غزا، لم يميز بين ليل ونهار، ولا بين صبح ومساء، ولا بين صيف وشتاء. يغزو هكذا كما يفترض بأصول الغزو أن تكون. ثم يهادننا أحياناً ونحن نتصارع معه، لأن الهدنة تناسبه في هذه اللحظة بالذات، وليتحايل على مقاومتنا، ويهيئ نفسه لغزو جديد.

عدونا ليس جاهلاً. محنك حد الدهشة، ولقد برهن على ذلك من خلال ضحايانا وموتانا وخرابنا الاقتصادي وعجز عقولنا. ومحنك هو بدرجة تتيح له التحالف مع خصومنا الآخرين، ليعزز حربه علينا، وقهرنا بجبروته.

تعلمنا أن عدونا لا يمكننا التعايش معه. انه يقول بالفم الملآن: “أنا أو أنتم”. لا يعرف ديناً ولا عقيدة. هكذا علمتنا التجارب معه، منذ زمن ليس قصيراً. هو وأجداده ما ضيعوا فرصة للنيل منا ومن حياتنا، ولم يرأفوا بنا، حتى عندما نادينا بالصلح معهم، تحوروا وتبدلوا ليكونوا أكثر قسوة في الغزوات المقبلة.

ولقد هزمنا. علينا أن نعترف الآن اننا أعجز منه وأكثر ضعفاً، وانه أكثر جرأة وبطشاً، وأننا كلما حاربناه يستولد ابناء أكثر حقداً وشيطنة. هو صاحب أنفاس طويلة، ونحن من أصحاب النفس القصير. وكلما اشتد عوده، تعبت أنفاسنا أكثر. هو من أصحاب “صبر أيوب”، ونحن “كعب أخيلنا” مكشوف أمامه كورقة بيضاء. هنا في هذه البقعة يميتنا اذا شاء. أما دفاعاتنا، فلا تصمد ولو كانت لها اسوار حلب والقدس والقاهرة وقرطاجة.

وما زلنا نلهث خلف سلاح لنقهره، فلا نجد الى ذلك سبيلاً، وقد فرقتنا أنانياتنا واهواؤنا وغرائزنا، وكأننا في العراء أمامه. لم نتفق على فكرة أو عقيدة ولا على وسيلة او أداة نرد بها أذيته عنا. اختلفنا على كيفية الموت أمامه، وهو يرمقنا بسخرية.

ويقال الآن انه آتٍ هذه المرة بهجوم كبير. سيستغل ضباب الشتاء وبرده، وسيتفنن في اصطيادنا واحداً تلو الآخر متفرقين كتفرقنا الذي أضعفنا وأنهكنا أمامه.

لقد هزمنا. وعلينا أن نعترف ونقر بذلك مرة واحدة الى أن يقضي الله امراً كان مفعولاً.

عدونا الرقم الواحد، وخطره يحيط بنا من كل حدب وصوب، ونحن على أنانيتنا ولا مبالاتنا السخيفة. نتراشق بالاتهامات بالمسؤولية عن هزيمتنا او بتواطؤ أحدنا معه.

ولهذا فإن الصراع غير متكافئ ولا أمل بخلاص وشيك، ونحن غارقون في طوفان التساؤلات والخوف ومعاني الحياة. هذه هي سيرتنا. أما أخلاقنا وحدها فهي لا تكفينا للنجاة.

مليون إنسان ماتوا. ثلاثون مليون إنسان تحت الخطر في هذه اللحظة بالذات. لسنا الكائنات الأقوى على الأرض. فيروس ضئيل حطم ثقتنا بأنفسنا وعنجهيتنا. متوحشون نحن، وعدونا هو الذي فضحنا، وما من حل أمامنا سوى التطبيع. سنسير بانكسارنا في طوابير التعايش معه.. لا مفر

“النهار”اللبنانية