aren

التصعيد الإسرائيلى فى سوريا.. الأهداف والانعكاسات \\ كتابة : عبير ياسين
الخميس - 25 - نوفمبر - 2021

تصب العديد من التحركات الإسرائيلية، منذ إعلان حكومة نفتالى بينيت فى يونيو ٢٠٢١، فى مصلحة تهميش القضية الفلسطينية، وتعظيم الصراع مع إيران، وتقديم الجبهة الشمالية، ممثلة فى سوريا ولبنان، بوصفها الهاجس الأمنى الرئيسى لإسرائيل التى تعمق علاقاتها مع الجوار العربى ولا ترغب فى تحديد موقعها من مدخل القضية الفلسطينية. وشملت الخطوات الإسرائيلية لتأسيس تلك الرؤية التعامل مع سوريا بوصفها ساحة مواجهة للتهديدات الإيرانية بشكل استباقى عبر الاستهداف المتكرر للأراضى السورية بذريعة وجود أسلحة أو قوات تابعة لكل من إيران أو حزب الله، والتركيز على الوجود الإيرانى فى سوريا بوصفه محور النقاش فى الاجتماع الأول الذى عُقد بين بينيت والرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى سوتشى فى ٢٢ أكتوبر الفائت. ومثّل إعلان استهداف صواريخ إسرائيلية لمبنى غير مأهول فى دمشق، فى ١٧ نوفمبر الحالي، القصف الرابع الذى تتعرض له سوريا منذ سوتشى بكل ما صاحبه من حديث عن ضوء أخضر روسى وتصعيد إسرائيلي. ورغم تزايد التحركات الإسرائيلية فى سوريا منذ تولى بينيت، إلا أن وتيرة العمليات تثير الكثير من التساؤلات حول تفاصيل المشهد على الجبهة السورية.

‎تيرة متصاعدة وأهداف ثابتة

استُهدفت سوريا ٢٣ مرة منذ بداية العام الحالي. ويؤشر هذا الرقم إلى حدوث العمليات الإسرائيلية بمتوسط عمليتين شهرياً. وفى ظل تعرض الأراضى السورية لضعف هذا العدد خلال الشهر التالى للقاء سوتشي، يمكن الحديث عن زيادة فى العمليات خلال الفترة الأخيرة. وبالعودة للتقرير السنوى للجيش الإسرائيلي، تم تنفيذ ٥٠ غارة جوية عام ٢٠٢٠ بمتوسط ٤ عمليات شهرياً. وبهذا، لا يعبر الحديث عن العمليات فى الوقت الراهن عن زيادة فى العدد الإجمالى للعمليات أو متوسطها مقارنة بالعام الماضي، ولكن عن زيادة وتكثيف العمليات خلال فترة زمنية قصيرة من العام الحالي، وفى وقت تبذل الجهود للتهدئة بما يبرز تلك العمليات وأهميتها فى سياق الأحداث.

وتطورت الأهداف الإسرائيلية من عدم السماح بتهديد إيران لأمنها على الحدود الشمالية إلى إخراج الأخيرة وحزب الله من سوريا، والحيلولة دون تحول الجنوب السورى إلى جبهة تهديد أمنى مثل جنوب لبنان. ولهذا تحرص إسرائيل على ترسيخ فكرة ارتباط عملياتها فى سوريا بزيادة التحركات والتهديدات الإيرانية، وبالتالى ربط تكثيف العمليات بتصور تزايد التهديدات. وبشكل عام، وضعت إسرائيل مجموعة من الخطوط الحمراء و”اللاءات” تركزت فى الوقوف ضد التموضع الإيراني، ومنع وصول أسلحة إلى حزب الله والفصائل الفلسطينية فى غزة خاصة الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، وعدم تهديد وجودها فى الجولان المحتل.

‎سوتشى وترتيبات عالم جديد

يحضر العامل الإيرانى بقوة فى سوريا بالنسبة لإسرائيل التى أكدت بعد سوتشى على التوافق مع روسيا على استمرار تفاهمات مرحلة رئيس الوزراء السابق بنيامين نيتانياهو وإجراء العمليات بحرية بالتنسيق مع روسيا، وإعادة تفعيل تفاهم خفض التصعيد وإبعاد الوجود الإيرانى ٨٠ كيلومتراً شمالاً عن الجولان، والعمل على إخراج إيران وحزب الله من سوريا. وتؤكد إسرائيل إمكانية تحقيق المصالح الإستراتيجية العليا فى سوريا دون التعارض مع روسيا من خلال إعلان: تفهم أهمية الوجود الروسى فى سوريا من أجل القواعد العسكرية وتأمين الوصول للبحر المتوسط، ورغبتها فى تجنب الصدام مع دولة كبرى ترى أنها جارها الشمالى بشكل ما كما صرح بينيت، والتأكيد على أن الحفاظ على النظام السورى لا يتناقض مع مصالحها فى حالة تم تقييد الوجود الإيرانى ووقف المساعدات العسكرية إلى حزب الله والفصائل الفلسطينية.

هذا، وتتشكل الكثير من المواقف حول سوريا من التعامل مع التطورات الحالية بوصفها مرحلة نهاية حرب وبداية ترتيبات عملية إعادة الإعمار بكل ما يترتب عليها من سياسات على صعيد سوريا والإقليم. وفى ظل اختلاف مرحلة الصراع والحرب عن مرحلة التهدئة والإعمار، تتغير صور وأدوار الحلفاء، ويمكن أن يكون حليف الأمس فى ساحة الحرب والتصعيد عدو الغد فى ساحة التهدئة والمصالحة. وفى هذا السياق تعبر بعض التحركات السورية الأخيرة عن الرغبة فى تحقيق التهدئة عبر تقييد العلاقة مع الحليف الإيرانى والحفاظ على التوازن الذى يحققه الحليف الروسي، وإن كان من غير المتصور حدوث قطيعة بين سوريا والحلفاء حالياً، يمكن تغيير الأشخاص واختيار غض الطرف والصمت مرحلياً من أجل التهدئة وتقييد فرص الصراعات الجديدة مع دفع جهود الاستقرار والإعمار.

تناقضات وتساؤلات

تثار العديد من التساؤلات حول الموقف الروسى وتبرير العمليات رغم الحديث عن أهمية وضرورة “احترام السيادة السورية”، كما أعلن مبعوث الرئيس الروسى الكسندر لافرنتييف يوم الهجمات الإسرائيلية فى ١٧ نوفمبر. وتحمل التصريحات مجموعة من الأفكار المهمة حول الموقف الروسى الرافض للعمليات بوصفها “لا إنسانية”، والرافض للرد باستخدام القوة، والمُطالِب بالتواصل مع إسرائيل لضمان السيادة السورية ووقف الهجمات دون توضيح طبيعة التواصل والجهة التى يفترض أن تقوم به، وإن كان ضمن الحوار الروسي- الإسرائيلى أو حوار سوري- إسرائيلى مفترض ضمن ترتيبات إقليمية جديدة. بهذا يتعلق الموقف الروسى بالسياق العام، وفى حين ارتبطت الفترة الأولى من حكومة بينيت بمرحلة ما بعد حرب غزة الرابعة وما صاحبها من مخاطر وتهديدات إقليمية وتطورات داخلية إسرائيلية، تميزت مرحلة سوتشى وما بعدها بواقع مختلف على صعيد العلاقات السورية- العربية، وحديث ما بعد الحرب، وما يجب ويمكن أن يقدم من وإلى النظام السورى فى تلك المرحلة.

يسهم تكثيف العمليات فى تحقيق عدد من الأهداف التى ترتبط بالتطورات الإقليمية والرؤية الإسرائيلية للصراعات الإقليمية فى اللحظة والمستقبل. فمن جانب، ترغب إسرائيل فى التأثير على جهود التحضير لمفاوضات فيينا وترسيخ الرؤية القائلة بخطورة إيران وتأثيرها السلبى على التطورات السورية والإقليمية. ومن جانب آخر، تسهم تلك التحركات فى رسم عالم تتحرك فيه إسرائيل بوصفها شريكاً فى الإقليم، تواجه الخطر الإيراني، وتعمل على حماية أمنها عبر التحركات الاستباقية، وتعيد رسم خريطة التهديدات والمصالح حيث تمثل القضية الفلسطينية جزءاً هامشياً من القصة، وتوفر الترتيبات فى سوريا فرصة من أجل إعادة تموضع إسرائيل ذاتها، وليس إيران فقط، فى الإقليم الذى يفترض أن يتشكل مع دخول سوريا فى مرحلة الإعمار وما تتطلبه من خطوات تشمل التحرك على ساحة العلاقات مع إسرائيل والإقليم والعالم.

“الاهرام”المصرية