aren

\ قضية للحوار … \ البوركيني وفرنسا
الإثنين - 7 - نوفمبر - 2016

تطرف (اسلامي) في مواجهة تطرف (علماني) … ؟!!!

اعداد : ( أ . س )

م. اعداد : ( ر . م )

…………………………………………………………………………………….

أصل التسمية ودلالتها :

البوركيني”، هو تسمية لبدلة سباحة ، تغطي كامل الجسم ما عدا الوجه واليدين والقدمين، وقد لاقت رواجاً كبيراً لدى مسلمات أوروبا ، وصارت النساء يرتدينه على  burkini  الشاطىء وفي المسبح ، وكلمة ( البوركيني) هي التعريب للفظ الغربي

المكونة من جزأين ، الجزء الاول يعني البرقع ، وهي كلمة متداولة في أوروبا ، وتعني النقاب الذي يغطي الوجه كاملا وترتديه (المسلمات) ، ويشير الجزء الثاني الى “البكيني” ، وهو لباس البحر المعروف ، والذي يكون (عاريا ) بشكل كبير.

مقدمة :

تُعتبر قضية “البوركيني” في الغرب ، وتحديداً في فرنسا ، مسالة جوهرية تمسّ السيادة الفرنسية ومبادئها ، من حيث الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان .

لكن اشكالية البوركيني ، لاقت رواجا كبيرا بين مؤيد ومعارض ، خصوصا بعد صدور قانون ، فرض حظر البوركيني على شواطىء فرنسا …

وقد عاد السجال حول البوركيني ليدخل هذه المرة من اوسع الابواب الفرنسية ، الا وهي أبواب( قصر) الاليزيه ، فقد أصبحت قضية البوركيني ، مادة أساسية من مواد الخطابات والبيانات الانتخابية، للمرشحين الى رئاسة الجمهورية الفرنسية القادمة والمقررة في العام 2017.

الاشكالية هنا ، ليست متعلقة بمبدأ فرنسا العلماني وازدواجيته ، بقدر ما هي مسالة تطرح في بذورها ازمة تطرف وعبودية واستحضار زمن الاسترقاق ، بسبب الثقافة والممارسات المبنية على ( أفكار) الغلو والاستعباد ، وحجب العقل عن الحوار والنقاش في القضايا الكبرى ، التي تمس جوهر وكيان الانسان، كهوية وكرامة انسانية ، بعيداً عن التعنيف والقمع والظلم.

والسؤال ، لماذا ( الاسلاموية ) في فرنسا ترفض الاندماج في المجتمع الفرنسي ، والتكيف مع مبادئ العلمانية ؟ ولماذا يتم السماع – دائما- عن توترات ونزاعات وعنف ، يتهم بالوقوف خلفها (جماعات مسلمة) ، يعملون على فرض شخصيتهم ورفض منطق الديمقراطية ؟!! ، وهل البوركيني قضية فخ سياسي ، ام مواجهة للعلمانية ؟! .

…………………………………………………………………………………………………….

” فالس” يسرق رمزية  “ماريان”

بداية لا بد من شرح اشكالية العنف السياسي في الميثولوجيا البنيوية للمجتمعات العربية ، وتحديدا ذات الخلفية الاسلامية ، التي تتمفصل في الثقافة العربية الشرقية ، القائمة على فكرة تعنيف المرأة وقهرها.

غير ان العنف وادلجة التناقضات ، تكمن بوصف المراة منذ بداية التكوين ، انها ضلع من الرجل ، وانها تأتي بالدرجة الثانية بعده ، من خلال اعتبار المراة (ضلع) اعوج ، وناقصة عقل ودين .

هذه الثقافة لا تتمثل فقط في النظرة السطحية والضيقة لبعض المجتمعات الاسلامية، أو ذات العمق الاسلامي، فالمجتمعات العربية كلها دون استثناء ، هي قائمة على تلك النظرة لكن بدرجات متفاوتة.

يتمظهر هذا العنف في تلك المجتمعات ، من خلال أسر كيان المرأة ، وجعلها بين ثنائية المقدس والمدنس ، فالعنف في هذه المجتمعات ، له ابعاد فكرية وعقائدية واجتماعية وسياسية ، من الصعب حصرها في عامل واحد.

نتوقف عند اشكالية البوركيني ، على اعتبار ان المرأة ، هي اساس كل شيء في الحياة ، ونواة المجتمع ، وان اي خلل يصيب عاطفة المرأة ، يتاثر بها الابن والرجل والمجتمع ..

وقد يبدو لوهلة ، ان إثارة هكذا موضوع ، يمس بعلمانية فرنسا ، وهو ما استدعى السخرية من بعض الكتاب الغربيين ، أمثال الذين كتبوا في صحيفة ” نيويورك تايمز : ان فرنسا تقوم بنوع من الانتهاك الامني لسيادتها بفضل البوركيني).

اضافة الى عنوان على موقع ال” بي بي سي” : ( المسؤولون عليهم التمييز بين الذي يسبحون في  البوركيني ، واؤلئك الذين يرتدون أبدلة غطس ) ، وأيضا ، عنوان مجلة ” ألتربون” التي قالت : (من المؤسف ان تكون المرأة ، اداة للعنف) .

كل هذه مؤشرات ، الى ان الكيل قد طفح ، وكان من المفترض على فرنسا ، ان تأخذ تدابيرها منذ بداية اندلاع الاحداث الارهابية ، التي تعرضت لها في كل من ( الباتكلان وسان دوني ، نيس وشارلي ايبدو ) .

فمجلة ( لوبز) في عددها- 2703 – الصادر في 31 اغسطس \ آب 2016 ، ذكرت ان قضية البوركيني ، ليس ” البرقع” ، فهو لا يغطي الوجه ، ولا يقع تحت القانون الفرنسي الصادرعام 2010 ، والذي يمنع التقنيع ، والتحجيب في الاماكن العامة.

ويذهب رئيس بلدية ، شاطئ دوي- بلاج، اوليفيه ماجيفيكس : ” نحن نريد الحفاظ على مبائنا العلمانية ، التي تعبر عن روح الشريعة الفرنسية ، وكل الرموز الدينية يجب ان تتمظهر في الاماكن العامة لفرنسا ، وابقائها في المجال الخاص “.

كما سبق ذلك ، قانون منع المحجبات بالمدارس والجامعات في فرنسا ، الذي عرف بقانون 2004 ، وقد رافق ذلك، اجراءات امنية ، منعت محجبات البوركيني من النزول الى شواطئ ( نيس) ، وكان موقف المحكمة الادارية في (نيس) ، ان حظرت ارتداء البوركيني على شواطئ  فيلانوف- لوبيه ، على اعتبار ان هذا المكان ، ليس للتفاخر بزي ديني ، يعبر عن أي انتماء ديني .

وعندما عمدت محكمة نيس، الى منع النزول ب(البوركيني) في المسابح، فانها لاقت اعتراضات واحتجاجات من قبل بعض (المسلمات) ، لان المراة التي تخالف ذلك ، سيتم تغريمها ماليا .

كما تم توظيف ، تمثال ماريان ، الذي يشكل رمزاً للحرية والثقافة الفرنسية ، كنوع من المناكفات السياسية ،التي تراوحت بين مؤيد لنصف صدرها (العاري)، أو لنصف صدرها (المحافظ) ، مما اثار نزعات استفزازية في الاوساط الفرنسية ، على اعتبار ان رئيس الوزراء الفرنسي ، مانويل فالس ، كان استعار رمزية تمثال ماريان ، في تصريح له ، بشان حظر ارتداء الوركيني على الشواطئ الفرنسية

%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d9%88%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a

تمثال (ماريان ) في مجلس الشيوخ الفرنسي

220161312367

رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس

وسرعان ما اغتنم خصوم (فالس) تصريحاته ، في وقت الذي يقترب فيه ، من استحقاق الانتخابات الرئاسية الفرنسية في العام المقبل .

وقال مؤرخ فرنسي : “ ان استعارة فالس بماريان كرمز انثوي يشكل استخدام احمق”، وقالت ماتيلدا لارير، المختصة في تاريخ الثورة الفرنسية : ” ان استخدام رمزية ماريان، كان الهدف منه الاشارة الى صدرها العاري ، والدلالة الفنية لاعلاقة لها بالانوثة ” .

بدورها ماريسول تورين ، وزيرة الشؤون الاجتماعية ، لم تستحسن تصريح فالس ، مشيرة الى ان (ماريان) رمزا للثورة الفرنسية .

كما قالت سيسل دوفلو، من حزب الخضر:” ان تصريحات فالس تثيرالسخرية، لان رأس (ماريان) يغطيه قبعة (فريجيه) – رمز قبعة الحرية والدلالة عليها- كما نشرت “دوفلو”على موقعها الخاص في (فايسبوك) ، صوراً لماريان تقول فيها: “ان ماريان منّا جميعاً”، لافتة الى ان يوجين (ديلاكروا) الرسام الفرنسي الشهير و(مكتشف رمز ماريان ) ، كان يصف في عمله الحرية ، وليس الجمهورية .

و” ساركوزي” يفتي في ” البوركيني ”   

الامر الذي ادى الى انعكاس مفهومين متناقضين للجمهورية الفرنسية ، الصورة الرصينة ل(ماريان) بكامل ثيابها ، وهي تحمل السلاح ، وصورة اخرى لها، وهي تضع القبعة الفريجيه ، وتمسك الرمح وتكشف صدرها.

فقد سألت (سوفي) دي رافينيل ، مراسلة صحيفة ” لو فيغارو” الفرنسية : ” هل البوركيني يمثل تهديداً للعلمانية ام استفزازا للفرنسيين ؟!! ” …

يقول نيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق ، والمرشح الحالي ، في بيانه للترشح لانتخابات الرئاسية 2017 ” ان ارتداء البوركيني عمل سياسي وقد يدعم التطرف ويسبب الاستفزاز ” .

بينما رأت وزيرة التعليم ، نجاة فالو بلقاسم، وبالرغم من عدم تاييدها للبوركيني : ” ان الدوافع وراء هذا الجدل له ابعاد سياسية ويفتح مشاعر العنصرية

1428817-nicolas-sarkozy-au-parc-des-princes-950x0-1

الرئيس الفرنسي (السابق ) ساركوزي والوزيرة نجاة بلقاسم

“.وبالتالي ، فإن (جدلية) البوركيني ، تضع (المسلمين) ، امام ضحية الصراعات السياسية ، من اجل تحقيق مكاسب انتخابية ، لكن لابد من الاضاءة على جانب بالغ الاهمية ، وهو ان البوركيني ، وبغض النظر ، اذا تم افتعال جدليته في فرنسا لاسباب سياسية .

فانه يجعل قضية المرأة في مقدمة الجدال ، من حيث مفهوم الانثى ، ومكانة المراة في المجتمعات الاسلامية ، وحريتها في المقام الاول .على اساس ان البوركيني ، عبارة عن حجاب يعزز الاستعباد ، وليس اداة تحرر، وهذا ما اشارت اليه رمزية تمثال ماريان للحرية ، اضافة الى ان تصريح فالس الذي نفى فيه ، ان تكون فرنسا في حرب على الاسلام ، لان الجمهورية الفرنسية متسامحة مع المسلمين ، فالهدف هو حماية المسلميين من التمييز .

لكن فالس ، راى ان البوركيني ، دعوة دينية تخضع المرأة ، ليأتي الرد من وزيرة التربية ، نجاة بلقاسم ، عبر اذاعة اوروبا 1 :” ان حظر البوركيني غير مرحب فيه ، على اعتباره تفسيرا سيئا لعلمانية فرنسا ، ويضع تاريخ فرنسا النضالي من اجل الحريات وحقوق الانسان ، في موضع شك والتساؤل “…  | يتبع ..|

هوامش ( الدراسة) :

الان غريش، الاسلام والجمهورية والعالم، دار الساقي، بيروت، 2016

مالك بن نبي، مشكلة الحضارة وشروط النهضة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 2011

هاشم صالح ،الاننتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ، دار الساقي، بيروت، 2013

عبد الرزاق الجبران، مبغى المعبد (فقه الجسد)، دارنون للنشر ،بيروت، 2012

جون ليشته ، خمسون مفكرا اساسيا معاصرا من البنوية الى ما بعد الحداثة ، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت، 2008

ريتشارد لوينسون، تاريخ العلاقات الجنسية، دارالكتب والوثائق الوطنية، بغداد، 1965

سيسيل ديفونتان وباريني روكروفت جيوفاني، تشفير قلق فرنسي، مجملة لوبز الفرنسية، عدد 2703 ، 25\31 اغسطس 2016