aren

البحث نخبويا عن “بريطانيا” \\ بقلم : معن حمزة
الأحد - 10 - أكتوبر - 2021

البارحة ، وضعت هذا التساؤل : ما هي الأرضية المشتركة بين التقسيم الإجتماعي الصارم في الهند (والذي يمتد من طبقة البراهما العليا إلى طبقة اللاملموسين مروراً بطبقات الحرفيين والتجار … إلخ) ، وبين حقل علوم آثار الكتاب المقدس (وبالأخص التوراة) في فلسطين؟

الأرضية المشتركة ، هي : “بريطانيا”.

في القرن التاسع عشر, عشية دخول بريطانيا إلى الهند, كان التقسيم  الإجتماعي في الهند ، محض إرث ، تقرأ عنه في كتب الهندوس الدينية . أما في واقع الحياة اليومية، فهذه التقاليد ، لم تكن ملاحظة ، وما من أحد مارسها.باختصار, أشارت الكتب الدينية عند الهندوس إلى ان الآلهة ،خلقت الإنسان في طبقات عديدة. أولها الكهنة العارفون ، وهم (البراهما)، وآخرها من يمارسون الأعمال “السفلى”، كتنظيف الشوارع ، وما إليه.

إذن ، هذه الطبقات تعكس مقامات طبقية ، رافقت الإنسان منذ استقر في القرى والمدن ، صانعاً المدنية والثقافة. إكتشف البريطانيون هذه النصوص ، ورأوا بها نافذة للتفرقة ، تسمح لهم بالسيطرة على الهند.

فقرروا “إطلاق هذا التراث حياً”، وتواصلوا مع نخب من البراهما ، مرسلين أولادهم إلى مدارس بريطانيا، وأقاموا مراكز الدراسات الدينية الهندوسية، التي شددت على التقسميات الإجتماعية، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ، فقد أطلق البريطانيون من خلال أذرع مستقلة ، حملة “حقوق الإنسان” للطبقات السفلى. وهكذا من خلال نخب عليا ، مسلوبة الإرادة, رأت بالتقسيم الإجتماعي مصلحة كبيرة لها, ضربت بريطانيا الطبقات الإجتماعية بعضها ببعض، فمسائل حقوق الإنسان ، والحريات ، تحولت إلى إشكاليات إجتماعية داخلية لا علاقة لها بالوجود البريطاني.

لقد “أحيا”  البريطاني ، التراث الهندوسي الذي كان أسير الكتب الدينية ، وأعادوا تشكيله ، بمايضمن خلق نقاشات إجتماعية بعيدة عن الشأن الإستعماري. أوليس كل هذا موجود في التراث؟

البريطاني ، سيقول لك أنه محض مراقب أكاديمي، همه “الدراسات الموضوعية”، وأن هذه الإشكاليات التراثية ، موجودة سلفاً. هو لن يقول لك أنه أعاد إحيائها إلى واقع الحياة المعاشة بما يناسب  مصالحه الإمبريالية ، مستخدماً نخباً عليا فاسدة ، أصابها الغرور في أروقة (أكسفورد وكامبريدج)، وقد انصبت عليها ، منح “رودس” الجامعية.

لننتقل إلى فلسطين. رأت بريطانيا في المسألة اليهودية الأوروبية ، نوافذ للعمل ، أدهى وأخطر مما تقدم ذكره عن الهند . والمسألة اليهودية الأوروبية ، هي بالتحديد مسألة الإشكنازيم الغربيين من الخزر ، الذين لا يمتون بصلة إلى التاريخ الفلسطيني . فيهود  الشرق من الصفارديين لم يمتلكوا الإشكاليات التاريخية الأوروبية ، ولم ينظروا إلى فلسطين كـ(وطن) الأرض الموعودة ، إلا من خلال تراث ، يرددونه في معابدهم مرة واحدة في الأسبوع.

 مع صعود حملات التنقيب الألمانية ، التي وضعت أسساً علمية تخطت عمليات النهب ، التي كانت فرنسا تقوم بها ، بدأت بريطانيا بإرسال بعثات تنقيب ، كان هدفها دينياً بحتاً: وضع علاقات مخصصة بين الآثار والتوارة. أكان ذلك معبد “سليمان” أو “الطوفان” أو “سفينة نوح”… إلخ… وساهم الأميركان في ذلك من خلال بعثات إنجيلية للتنقيب.

كل ما عن حملات التنقيب في فلسطين ، انصب للبحث عن صلة بين (الأثر) و(التوراة)، وهكذا, شيئاً فشيئاً, تم تهميش كل ما ليس له من صلة بالتوراة ، أكان الكنعانيون ، أو الفلسطو.

هنا لعب “التخصيص”، دوراً في تهميش الثقافات، وإظهارها كدخيل . ليس هنالك من حديث عن فلسطين ، كمسرح مدنية عضوي ، ومجتمع مدني واحد . حيث أن الفلسطو. مثالاً, ذابوا في المجتمع الكنعاني ، وتحولوا معه إلى وحدة إجتماعية متوصلة مع لبنان وسوريا.

إستخدمت بريطانيا ، بادئ ذي بدء ، حكام مكة من الحسين و(أولاده)، وهم من نخب الجهل والسذاجة ، فإذا بفيصل إبن الحسين ، ينادي الخزر الأوروبي من الإشكنازية بـ(اولاد عمه)، وما إليه من تصرفات تافهة.

وهكذا تحول حكم سياسي من (داوود) لم يمتد لأكثر من 100 عام – هذا إن كان لهذا الوجود من حقيقة- إلى مركزية أساسية تاريخية ، مهمشة الكنعانيين ، وتواصلهم التاريخي على امتداد الساحل السوري.

وأنت عزيزي القارئ، إن لم تكن متمرساً بالتاريخ وشؤونه ، فسوف تسقط ضحية هذا التخصيص ، وسوف تشعر بأنك “محض منفي” لا يمت لتجربته التاريخية بصلة. أما البريطاني ، فسوف يقول لك : ان كل همه ، كان “أحياء التراث” بأشكاله “الموضوعية . متناسياً نخب الأوطان المفلسة ، التي تعتاش على فتات منحه الجامعية ، التي ساهمت في تهميش التاريخ الجامع، وجعلك غريباً في تاريخك.

ولولا كل هذا، لما استحق علوم الآثار التوراتية من لحظة واحدة للحياة. حيث كل ما هو تأريخيات زعماء قبائل صغيرة ، مارست غزواتها التافهة وسياسياتها ، التي لا تستحق الذكر. تأريخيات ، جعلت منها الصهيونية, بمساهمة بريطانية كبرى, مقاماً لا تستحقه على الإطلاق.

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها