aren

“الباشا” مشبعا بالتاريخ : قوة الابتسامة السورية \\ بقلم : د.فؤاد شربجي
الإثنين - 16 - نوفمبر - 2020

وليد المعلم …

مهما اختلفت ، أو اتفقت معه ، فانك لاتستطيع الا ان تعترف ، بأنه كان (باشا الدبلوماسية السورية)، حيث ارتقى بالعمل الدبلوماسي ، لتصبح القوة السورية ، صاحبة ابتسامة ، مبنية على معرفة عميقة بالتاريخ ، ومشحونة بجذور الكرامة الشامية ، النابعة من عروبة سورية.

لا فجة . انه هدوء الثقة السورية ، وشحنة التاريخ الحي ، المتجذر بالحضارة الشامية ، وهو عزيمة الكرامة ، وفطرة السيادة ، لذلك كان مدرسة دبلوماسية مشبعة بالتاريخ ، مسكونة بروح الهوية الحضارية السورية.

طبعا، احساسي بـ(الباشا) له جانب شخصي ، لكنه الشخصي ، الذي يكشف ويضيء العام الوطني والحضاري. واذكر، انني بعدما أقلت من ادارة (البرنامج العام) في التلفزيون السوري ، عينت مستشارا للمدير العام ، وكنت اعد برنامجا سياسيا ، استضفت في احدى حلقاته (وليد المعلم)، وكان نائبا لوزير الخارجية ، وبعد انتهاء تسجيل المقابلة ، مشيت مع المعلم “رحمه الله”، ونزلت معه بالمصعد، وشكوت له تصرفات وزير الاعلام – آنذاك- معي.

حيث كان يسعى لابعادي عن العمل ، وعدم تجديد (عقد الخبرة) ، الذي كنت اعمل بموجبه ، والسبب مزاجي التسلطي ، حيث انني لم اعجب هذا الوزير، خاصة وانني كنت معتزا برأيي المهني ، تجاه قرارته المزاجية ، أو توجيهاته الشخصية ، أو نزواته في التعامل مع الاعلام.

المهم ، شكوت للمعلم ، كل ذلك ، فرد علي ، ردا ، صار معيارا لحياتي ، وضوءا أنار لي طريقي حتى الآن ، مع كشفه لجوانب مهمة من تكوين (الباشا).

قال لي : اسمع ، كنت سفيرا في (رومانيا) ، وكان وزير الخارجية عبد الحليم (خدام) لايحبني ، ولايقبلني ، تماما كما يفعل معك وزير الاعلام ، لذلك انهى عملي كسفير، واعادني للادارة العامة ، ووضعني في الارشيف ، كعقوبة لي ، أو تنفيسا عن عقده ، وحقده تجاهي.

وتابع “رحمه الله”، لكنني وبعد ان استوعبت مرارة الافتراء علي ، بدأت استفيد من الارشيف، وغرقت في ملفات التاريخ ، وخلال سنتين من العمل بالارشيف ، كتبت كتابين عن تاريخ سورية ، وبعد طباعتهما ، أهديت النسخة الاولى منها للوزير خدام ، وكتبت له عليهما ، اهداء ، قلت فيه : “شكرا لانك نقلتني الى الارشيف الذي أتاح لي ان اكتب هذين الكاتبين ، الدذين اعتبرهما أهم عمل في حياتي”.

تجربة الاستغراق في التاريخ ، لرد افتراء الوزير خدام ، استمرت مع (الباشا)، عندما عاد سفيرا وممثلا لسورية في امريكا ، ثم وزيرا للخارجية ، وان كان قد كتب كتابين عن تاريخ سورية من 1918 حتى الاستقلال ، الا انه ظل يمارس (التاريخ الحي) في عمله الدبلوماسي.

لذلك ، ظل معبرا عن قوة سوية بقوة وعزيمة ، الامر الذي جعل للابتسامة السورية التي تميز بها، قوة فاعلة ، وقدرة حكيمة ، مع وفاء واخلاص للروح الوطنية الاصيلة.

أخيرا، مهما اختلفت الآراء السياسية السورية ، ومهما تعددت التقييمات للدبلوماسية السورية ، فان (وليد المعلم ) بكل ماله ، وكل ماعليه ، يبقى (الباشا) في ممارسة الدبلوماسية ، وسيبقى (الباشا) في تحويل الدبلوماسية السورية الى قوة فعل سياسية ، تاريخية ، وطنية ، وحضارية.

رحم الله الوزير ، والمؤرخ الشامي السوري العربي الاصيل “وليد المعلم”، وكما قالت دبلوماسية سورية شابة : ” مع الموت ، تغيب الالقاب والمناصب ، وتبقى الابتسامة الودودة”.

انها الابتسامة السورية ، المنفتحة على الحياة ، والمندفعة للتجدد ، التوالد ، والارتقاء …

ولذلك ، سيبقى “الباشا” ، معلما للوطنية والاخلاص ، والاستمرار الحي.

وستبقى يا “وليد المعلم” … ، لانك “باشا الحياة”.