aren

الايزيدية في العراق من التهميش الى الابادة (1) \\ بقلم : خضر دوملي
الإثنين - 7 - أغسطس - 2017

وفقا لكتابات الباحثين والمختصين ، فان الديانة ” الايزيدية ” ، تعد واحدة من الديانات الكردية القديمة ، التي لها امتداد تاريخي في عمق كردستان – ميزوبوتاميا (وادي الرافدين ) ، يتمركز اتباعها الى الان في تركيا وسوريا .

والغالبية منهم في العراق بمحافظتي (الموصل) و ( شمال دهوك) في أقضية ونواحي ، شهدت منذ تشكيل الدولة العراقية ، الكثير من الاحداث التاريخية ، التي أثرت بشكل كبير على واقع الايزيدية ( الاجتماعي ، الديني ، السياسي ، والاقتصادي ).

تعرض الايزيدية ك(مجتمع ) ذات خصوصية دينية مختلفة، الى الكثير من الاساءة والتشويه عبر التاريخ القريب من قبل كتاب مأجورين ، وآخرين لم يتعمقوا في فهم واقع ومكانة الايزيدية ، فتناولوها بصورة سطحية ، وأحيانا بالاستهزاء من خصوصيتهم الدينية، ودفعوا ضريبة انتمائهم القومي الكردي من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة ، وفقا لما يشير اليه ، القاضي والكاتب ( زهير كاظم عبود ) ، في أحدى كتاباته عنهم .

الايزيدية الان ، والذين اصبحوا ضحايا أكبر عملية إبادة تعرضوا لها من قبل مسلحي تنظيم داعش او ما يسمى بـ ( الدولة الاسلامية في العراق والشام ) ، كانت أعدادهم في العراق قبل آب \اغسطس 2014 حوالي 550000 (خمسمائة وخمسون الف نسمة ) ، وفقا لاحصاءات المديرية العامة لشؤون الايزيدية في اقليم كردستان، هاجر حوالي (مائة) الف منهم العراق خلال السنوات الثلاث الماضية ، ينتشرون الان في مدن وبلدات اقليم كردستان وغالبيتهم في مخيمات ، وبلدات محافظة “دهوك” تحديدا .

تواريخ حكومية لقتل الايزيدية 

منذ تأسيس الدولة العراقية ، لم يستقر الايزيدية على حال، فهم في مناطق سكناهم في “سنجار”  اول المكونات ، التي تعرضت الى هجوم بالمدافع والطائرات عام 1929 و1931 و 1933 بسب رفض الايزيدية ، الخدمة العسكرية .

ومنذ ذلك الوقت ، توالت عليهم ، الاحداث المؤسفة والخطط الحكومية ، التي غيرت من واقعهم ، بحيث تم الهجوم عليهم أكثر من مرة ، وفقا لاتهامات باطلة ، واحيانا كانت الحكومة تتركهم لقمة لهجمات العشائر العربية ، التي امتهنت الغزو والقتل في المناطق القريبة من مواقع الايزيدية ، كما حصل في شمال مدينة الموصل عام 1941  ، وجنوب وشرق سنجار .

الى جانب ذلك ، استمرت مناطقهم عرضة للهجمات والاستهداف دون ان تحرك الحكومة ساكنة مرات عدة ، ابان فترة الحكم الملكي في العراق 1923 – 1958 ، وبذاك اصبحوا محاصرين في مناطق نائية ، لم تتوفر لهم مراكز للتعليم ولا خدمات اساسية ، تساهم في تطوير واقعهم الاجتماعي والثقافي ، وصولا الى ان تمت تسمية مناطقهم في جنوب سنجار من قبل الصحفيين بـ (تورا بورا) نتيجة الاهمال ، والتخلف الاقتصادي والمعاشي .

كان انتماء العديد من الايزيدية ، من بدء حركة التحرر الكردية وأيضا لانصار الحزب الشيوعي العراقي ، سببا في استهداف الحكومة المباشر لهم ، اذ في ظل عمليات ملاحقة الثوار ، اختفى مصير الكثيرين ، واصبحوا ضحايا سياسات ” حزب البعث ” ، اذ تمت ملاحقة العديد من اوائل القادة ، الذين حاولوا مساندة مجتمعهم وتطوير واقعهم ، والمطالبة بحقوقهم في سبعينيات القرن الماضي .

لم تتحرك السلطات الحكومية العراقية المتعاقبة ، منذ تأسيس الدولة العراقية في انصاف الايزيديين ، اذ كثيرا ماكانت العمليات التي تتم لاستهدافهم ، تمضي دون التحقيق فيها ،  وهذا كان طابع الكثير  من قضايا الاستهداف من قبل أشخاص أو عشائر ، وخاصة تلك القريبة منهم .

واستمر الحال على هذا المنوال بعد سقوط (النظام) البعثي واحتلال أمريكا للعراق 2003 ، حيث ان عشرات القضايا ، التي استهدفت الايزيدية وأدت الى قتلهم واختفائهم ، سجلت ضد مجهول ، ولم تحقق فيها الحكومة أبدا .

كما حصل في أحداث الخامس عشر من آب \ اغسطس 2007 ، بعدما استهدفت أربع شاحنات كبيرة ، مجمع سكني للايزيدية في (جنوب) سنجار ، أدت الى مقتل وجرح أكثر من (ألف) شخص سماه الايزيدية بـ ” الفرمان الثالث والسبعين”

هذه العملية ، وغيرها الكثير من عمليات الاستهداف ، التي قامت عناصر ” تنظيم ” القاعدة ، لم تحقق الحكومة فيها ، ولم تنصفهم ، ولم تعوضهم تعويضا عادلا ، اذ قبل سيطرة تنظيم ” داعش” على الموصل ، كانت مئات من أحداث القتل والاستهداف التي حصلت ضد الايزيدية ، تمضي دون ان يتم التحقيق فيها ، وفقا لبيان من مجلس محافظة (نينوى) .

منسيون .. رغما عنهم … !

لايزال الكثير من العراقيين ، كما أقرب الناس للايزيدية ، يجهلون كنية ونفسية الفرد الايزيدي ، الذي عاش مضطهدا ، بسبب الاشاعات التي روجت عنهم ، والادعاءات التي الصقت بهم ، أحيانا بتعمد وأحيانا عن جهل ..

الواقع الذي عاشه الايزيديون في العراق ، جعلهم يفضلون الانزواء الى المشاهد الخلفية ، بدلا من المزاحمة في مسارات الحياة المختلفة ، ولذلك فانهم تعرضوا الى التهميش والنسيان ، ولحين الهجمة الكبرى ل(داعش ) عليهم في نينوى ، لم يكن لا القادة السياسيون ، ولا الطبقة المثقفة في العراق ، يتصورون حجم ومكانة الايزيدية ، أو أهمية موقعهم الاستراتيجي ، سواء الفاصل بين شمال مدينة الموصل واقليم كردستان في سهل نينوى ، أو سنجار التي أصبحت محط أنظار العالم.

النسيان الذي اصبح الايزيديون عليه ، لم يكن وليد الصدفة ولا مرتبط بتوقيت أو حالة معينة ، لا بل جاء نتيجة سياسات ممنهجة ، قامت بها أجهزة نظام الحكم في العراق  ، كانت هناك خطط وسياسات متعمدة ، لتهميش الايزيدين في مجال التربية والتعليم خاصة ، او الاهتمام بالارث الثقافي والحضاري أو التراث الديني للايزيدية جهلا واضحا ، اذ لم تكن لهذه المجالات ، أي مكانة في مناهج التربية والتعليم ، لجميع المراحل الدراسية، مما جعلهم منسيون الى أبعد الحدود تحت طائلة الصورة النمطية المرتبطة ، بانتمائهم القومي والديني.

ورغم أمتلاك الايزيدية ، لارث حضاري وثقافي يمتد عمره لالاف السنين ، الا ان غالبية العراقيين يجهلون هذا الامر، كما ان نسيان الايزيدية من قبل الاغلبية ، كان نتيجة الاعتقادات الدينية الراسخة في عقول الغالبية ، بأنه لايمكن لغير المسلمين ، أن يولوا أمر المسلمين ، اذ غابوا عن مراكز القرار والسلطة بتعمد ، وان وجدوا ، فكانوا قلة قليلة ، فرضوا أنفسهم بقوة ومقدرة المهارات ، التي أمتلكوها .

النسيان ، جاء من جانب تهمة الايزيدية ، بأنهم ” عبدة ابليس ” ، واثرت هذه التوصيفة كثيرا عليهم ، فرغم ان الديانة الايزيدية ديانة توحيدية ، وهي امتداد للديانة (المثرائية) و(الشمسانية).

اذ لا تزال الشمس مقدسة لديهم ، وكل النصوص الدينية ، توحد الله باسم ( يزدان – ئزدايى – خودا – يزدان ) ، اذ كانت الديانة اليزدانية واحدة من الديانات الرسمية ، في زمن الامبراطورية (الساسانية) في مناطق شمال “شرق كوردستان” .

 ان نسيان الايزيدية مجتمعيا ، لم يكن وليد المصادفة في العراق ، اذ بعد اقرار  دستور 2005  حصل للمرة الاولى اقرار بوجود الايزيدية فيه ، وبات اسم هذه الديانة ، يرد الى جانب الديانات الرئيسية في العراق ( الاسلام – المسيحية – الايزيدية والصابئة )  ، وهي المرة الاولى ، التي ترد اسم الديانة الايزيدية والصابئة في دستور البلاد ، مما أعطت فرصة للاقرار بوجودهم الشرعي والدستوري .

 ساهمت في ان يحتلوا مراكز ومناصب برلمانية وحكومية ،واصبح لاول مرة في العراق ، حقيبة وزارية ، يتولاها وزير ايزيدي ( د. ممو فرحان ) ، وهي وزارة المجتمع المدني ، في فترة حكم (اياد) علاوي – رئيس الوزراء العراقي الأسبق ، ثم اصبح عدد من الايزيدية ، برلمانيون في مجلس النواب العراقي ، وخصص نظام (الكوتا) الانتخابي ، مقعدا للايزيدية ايضا، مما ساهم في رفع غطاء النسيان عنهم .

باحث مختص في حل النزاعات وشؤون الاقليات

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها