aren

الايزيدية في العراق من التهميش الى الابادة (2) \\ بقلم : خضر دوملي
الخميس - 17 - أغسطس - 2017

BuqjaXiIIAAwFY-

صورة مروعة ل(طفل ) مقتول أثناء هجوم عناصر تنظيم داعش على الايزيديين في جبل سنجار- اكتوبر \ تشرين أول 2014

 

الجغرافية التي غدرت بهم .. !

تعتبر مواقع تواجد الايزيدية في العراق ، واحدة من عوائق الجغرافية التي غدرت بهم، واسهمت الى حد كبير في أن يصبحوا على الحال الذي هم عليه ، فغالبية مناطقهم تقع على الشريط الفاصل بين المناطق الكردية ، وحدود العرب (السنة ) في العراق ، وخاصة شمال وشمال غرب الموصل.

كما ان غالبية المجتمعات ، التي كانت تعيش بالقرب من الايزيدية في تلك المناطق ، لم تكن تقبل بالايزيدية كديانة قائمة بذاتها ، لذا كثيرا ما كانوا يوصفونهم بالكفرة ، أو أتباع يزيد بن معاوية أوعبدة (ابليس) ، حيث دفعوا تلك الضريبة ، بالكثير من الاهمال والتهميش .

الموقع الجغرافي للايزيدية ، تعرض الى حملات تعريب واسعة ، بدأت منتصف سبعينيات القرن الماضي ، بترحيل سكان حوالي 200 قرية للايزيدية ، في ( زاخو وسنجار وشيخان ) ، فبدأت أولى حملات التعريب هنا ، وتم منح أراضي الايزيدية للعشائر العربية ، التي تم استقدامها لمناطقهم ، بينما تم وضع الايزيدية في مجمعات قسرية .

فيما كانت الحملة الاخرى ، هي عام 1987 ، حيث تم تدمير حوالي عشرين قرية جديدة للايزيدية ، وفقا لخطة استبقت عمليات (الأنفال) ضد الشعب الكردي ، رافقتها حملة منح أراضي الايزيدية لعشائر عربية .

استقدمت للمنطقة بهدف تخطيط للتغيير الديموغرافي لمناطقهم في (سهل نينوى ) خاصة ، وجنوب سنجار ، من خلال فصل نواحي تابعة لسنجار يسكنها الايزيدية ،الى قضاء (البعاج ) ذات الغالبية العربية .

دفع الايزيدية ، ضريبة كبيرة بسبب هذه السياسات ، واستمر الحال الى ما هو عليه بعد ربيع 2003 ، اذ عانت مناطقهم من الازدواجية الادارية ، لوقوعها في ظل المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل ، فعانت الاهمال وعدم تخصيص الميزانية الحكومية لمناطقهم ، وخاصة في أقضية ( سنجار ، تلكيف ، و ناحية بعشيقة شرقي الموصل ) .

تغير واقع حال الايزيدية في كردستان

مع الخطوات الاولى لأنشاء المنطقة الامنة في شمال العراق وتشكيل أقليم كردستان ، خطا الاقليم خطوات جدية لأقرار التعددية والتنوع ، وحصلت الاقليات الدينية والقومية ( الايزيدية – المسيحيين – التركمان والارمن ) على حقوق أساسية لهم ، تمثلت في الحقوق الثقافية والحفاظ على الهوية ، والحق في التعليم.

وشأن غيرهم من المكونات رد الاعتبار للايزيدية ، وأقر لأول مرة دعم ومساندة الحركة الثقافية ، حيث تأسس لأول مرة ، مركز ثقافي خاص بالايزيدية في اقليم كردستان ( مركز لالش الثقافي والاجتماعي – دهوك 1993 ) ، كما ان شخصيات ايزيدية تولت حقائب وزارية ومناصب قيادية في مسؤوليات حزبية ، وحكومية  ، كما تغير واقع حال الايزيدية ، وأصبحوا محط أنظار العالم ، فتم منحهم حق تعليم التربية الدينية للايزيدية مع حق التعليم باللغة الأم للمسيحيين – اللغة السريانية والتركمانية للتركمان .

ورغم وجود تحديات ومشاكل ، هي نتيجة توارث الأجيال السابقة في عدم فهم ، والتعامل مع التعددية الدينية ، الا أن الايزيديين أصبحوا على أفضل حال في أقليم كردستان ، وصولا الى منح المزيد من الحقوق ، وفق القانون رقم( 5 ) الخاص بحماية حقوق المكونات في اقليم كردستان لسنة 2015 ، الذي يعد تحولا كبيرا في مسألة ضمانة حقوق الاقليات ، الا انه لا يزال يواجه الكثير من التحديات في تطبيقه .

وجود نسبة 10 – 15% من الايزيدية في اقليم كردستان ، ساهمت في فتح آفاقهم ومساهمتهم في التنمية الاجتماعية والثقافية ، وتعزيز أسس العيش المشترك ، في وقت بقيت النسبة الاغلب للايزيدية في أقضية (تلكيف وسنجار وناحية بعشيقة شمال وشرق الموصل ) ، تعاني الاهمال ، وتردي الأوضاع الأمنية ، الاقتصادية ، والتعليمية .

صفحات الابادة فتحت أنظار العالم على الايزيدية

يفتح العالم أبوابه على تاريخ وحضارة وثقافة الشعوب بابداعاتهم باختراعاتهم ، أو بتقديمهم للاعبين كرة معروفين أو فنانين او مخترعين ، لكنه –  العالم – فتح أنظاره على الايزيدية بعد إبادتهم في الثالث من أب\ اغسطس 2014 ، عندما قام تنظيم داعش بهجمة شرسة عليهم في سنجار، وصفت بالابادة الجماعية ، اسهمت في وقوع اكثر من عشرة الاف ضحية ، بين (مختطف ) او (قتل ) و(مفقود) .

وفتح العالم مشاهداته على القنوات التلفزيونية ، وهم يتابعون قصص سبي النساء ، التي كانت قد اصبحت من قصص المآسي، ورأوا مجازر القتل الجماعي في قرى عدة ومحاصرة عشرات الالاف منهم في قيظ آب\ أغسطس اللهاب ، في مشهد لم يحدق له مثيل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية .

دفع هجوم او غزوة داعش كما وصفه التنظيم ، الى نزوح حوالي اربعمائة الف شخص وخطف ( 6417 ) ،  بينهم ( 3547 ) من الاناث ، و ( 2870 ) ذكور ، نجا منهم الى الان ( 3092 ) شخص منهم ( 1102 ) نساء ، والبقية اطفال ورجال ، فيما لايزال التنظيم يحتفظ بـ ( 3325 ) مصير غالبيتهم مجهولاً ، وفقا لأحصائيات المديرية العامة للشؤون الايزيدية ، ومن مصادرها المعتمدة ، حيث كان اخر تحديث في 02 – 08 -2017.

التنظيم لم يقتصر في هجومه على خطف النساء والاطفال ، بل دمر( 68 ) مزار دينيا ، و ترك خلفه (43 ) مقبرة جماعية تضم رفات المئات، لاتزال ماثلة ، على ضوء هجوم قام به جيران الايزيدية قبل الغرباء ، وحصلت جرائم مروعة ، وفقا لتقارير الامم المتحدة ، والمنظمات الدولية المعنية .

ماهي مطالب الايزيدية في العراق  بعد القضاء على تنظيم ” داعش” ؟

بعد الدمار الحاصل في مناطق الايزيدية ، هناك جملة مطالب مهمة يتناقلها الايزيدية موجهة للمجتمع العربي ، الذي كان يحتضن داعش ، وساعد وساند تنظيم داعش لكي يقوم بهجومه على الايزيدية.

ومطالب أخرى موجهة للحكومة الفيدرالية ، لتتحمل مسؤولياتها ، تجاه هذا المكون وثالثة لحكومة الاقليم ، التي تأوي آلاف الايزيدية في مخيمات للنازحين ، ورابعة للمجتمع الدولي لكي يساهم في دعم مسائل تحقيق العدالة ، وتركز هذه المطالب
في سبيل تحقيق العدالة ، وتقديم الجناة للعدالة والمحاكم المختصة .

من أنه لا بد للذين يعرفون الاشخاص ، الذين كانوا قد قاموا بسبي نساء الايزيدية والمشاركة في مجازر القتل الجماعي ، ان يساعدوا الايزيدية ، لتقديمهم للمحاكم المختصة  ، كجزء من عملية الاستعداد للمصالحة ، ويتبرؤوا منهم ، ولا يقوموا بايوائهم والدفاع عنهم.

الجانب الثاني من هذه المطالب ، يتمثل في أن يقوم أهالي وقادة المناطق التي حصلت فيها المجازر وعمليات السبي والخطف ، مساعدة الايزيدية في كشف مصير المفقودين والمساعدة في الاستدلال للوصول الى النساء المختطفات والاطفال المفقودين، لأنهم تعرضوا الى عمليات غسيل الدماغ ، و ” أسلمة ” بالقوة ، مخافة ان يقوم التنظيم بتحويلهم الى مشاريع الاستهداف ، والتفجير .

الجانب الثالث، يتمثل في اقرار تلك المناطق وخاصة شيوخ عشائرها ورجال دين وخطبائهم بتلك الجرائم ، وتقديم الاعتذار للايزيدية ، كجزء من الدعم العنوي لتحقيق السلام ، اذا كانوا فعلا أبرياء من الافعال ، التي حصلت في مناطقهم بخصوص عمليات السبي وعتق الرقبة ، وبيع النساء.

أما المطالب التي يوجهها الايزيدية للحكومة  الفدرالية فتتمثل في ضرورة  ان يكون هناك خطة حكومية تتوافق لأنشاء لجان تحقيق لمتابعة تحقيق العدالة والاسراع باجراءات التعويض العادل للايزيدية وفرض القانون وعدم السماح لافلات المجرمين من العدالة الى جانب ضرورة التنسيق مع الايزيدية بمختلف توجهاتهم في موضوع اللجان الخاصة بالمصالحة لأن غياب الايزيدية فيها تعني انها لجان غير مرغوبة وفاشلة .

من الأمور المهمة أيضا ، والتي تتطلب من الحكومة العراقية دعمها للايزيدية ، هو الاسراع باقرار ” ابادة الايزيدية ” ، لأن المجتمع الدولي أقر هذا الامر ، لكي تأخذ الحكومة على عاتقها تحقيق العدالة ، ولكي تقوم الحكومة العراقية بمسؤولياتها ، وفقا لما أقره مجلس النواب العراقي من ما حصل ل(سنجار) ، واعتبارها مدينة منكوبة .

ولكون الايزيدية ، فقدوا الثقة بالمجتمعات المحيطة بهم ، صار الايزيديون يدعون  الى ضرورة اشراك الايزيدية ، باعداد اضافية في الاجهزة الامنية ، حتى يتولوا هم مسؤولية حفظ الامن في مناطقهم ، والاسراع باجراءات تعويض النازحين ، ودعمهم وفتح المشاريع في مناطقهم ، لكي تمضي عملية عودتهم بسرعة ، لأنه رغم مضي عامين على تحرير غالبية مناطقهم ، الا انها لا تزال تعاني الاهمال ولاتزال آثار وصور الدمار ، ماثلة للعيان .

بخصوص اقليم كردستان ، ولكون جميع مناطق الايزيدية محاذية لاقليم كردستان ، وهي ضمن المناطق الكردستانية . يرى الايزيدية ، بأنه من المهم بعد تحرير الموصل ، ان تكون هناك مشاريع دعم للايزيدية حتى يستقروا في مناطقهم ، وتشكيل لجان امنية ودعم الايزيدية في مناطقهم ومساندتهم .

باعتبارهم البعد الاستراتيجي لاستقرار اقليم كردستان في حدوده مع نينوى ، ومنحهم الحق في ادارة مناطقهم ، وفقا مشاريع الادارة الذاتية التي أقرت وفقا للمادة( 125 ) من الدستور العراقي.

كما ان الطلب في سبيل البدء بحملة اعمار واسعة في تلك المناطق ، وبذل الجهود لتحقيق الاستقرار في سنجار بالتنسيق مع قادة المجتمع الايزيدي هناك ، و وضع الخطط المستقبلية، لتحقيق العدالة الاجتماعية في مناطقهم ، وفتح مشاريع التنمية ، لأنها مدمرة ومهمشة ولا توجد ميزانية مخصصة لاعمارها من قبل “بغداد” ، كما يعلنها مسؤولو تلك المناطق.

ينتظر المجتمع الدولي أيضا ، مهمة الضغط على الحكومة العراقية للاسراع باتخاذ اجراءات رادعة ، لتحقيق العدالة في قضية خطف وسبي الايزيديات ، والتحقيق في جرائم داعش ضد الايزيدية ، وانظمام العراق لمحكمة “روما” الى جانب الاستمرار وتوسيع الدعم للايزيدية في اعمار مناطقهم ، وتأهيل المجتمع الايزيدية ، لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

 ورغم وحشية وبربرية الجرائم ، التي ارتكبت بحق نساء الايزيدية نتيجة جرائم الاغتصاب والسبي ، الا ان المجتمع الايزيدي ، قدم صورة رائعة ، واحتضن النساء الناجيات ، وأعلن المرجع الديني وأمير الايزيدية ، بيانا أكدوا فيه على ضرورة أن يساهم الجميع في دعم الناجيات ، لكي يعودوا لحياة ، كما ان انعكاس هذا الامر وصل صداه للمجتمع الدولي ، الذي توج الناجية الايزيدية  (ناديا مراد ) سفيرة للنوايا الحسنة للامم المتحدة .

مشهد وواقع حال الايزيدية بعد مضي ثلاث سنوات يشير الى ان التراجيديا مستمرة وتمسكهم بالارض وبهويتهم مستمر رغم الوحشية الكبيرة التي استهدفتهم والجرح ، الذي لايزال نزيفه مستمرا باستمرار اختفاء مصير الاف النساء والاطفال سبايا وعبيد في مدن الموصل – تلعفر – البعاج ، الرقة ، وديرالزور .

مع مرور الذكرى الثالثة لأبادة الايزيدية في العراق الثالث من أب\ أغسطس  2014 ، يتطلع الايزيديون اليوم الى العالم من أجل انصافهم ومساعدتهم ، لكي يتخطوا حاجز التراجيديا الكبيرة ، التي مرت بهم ويعيشوا حياة مستقرة، فهم لم يعتدوا يوما على أحد لأن كل همهم ان يعيشوا بسلام ، لأن منهجهم العيش بسلام مع الاخرين لا يطمعون في سلطة ، ولا سطوة.

باحث مختص في حل النزاعات وشؤون الاقليات

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها