aren

الانتخابات الفلسطينية.. معلقة! \\ كتابة : حلمي موسى
الخميس - 9 - يناير - 2020

فلسطين

فجّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس سجالاً سياسياً متجدداً؛ عندما أعلن في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الفائت، أنه قرر الدعوة لإجراء انتخابات عامة في الضفة الغربية وقطاع غزة فور عودته إلى البلاد. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن تعيش الحلبة السياسية الفلسطينية على وقع الحديث عن احتمال إجراء هذه الانتخابات وأهدافها وفرص حل أزمة الانقسام البغيض.

اختلفت الآراء بين التيارات الفلسطينية حتى الآن حول ما إذا كانت الانتخابات تعد حلاً للمشاكل التي تعانيها الساحة الفلسطينية الداخلية أم أنها تعد تعميقاً لها. وتقريباً كانت هناك قوى من خارج حركتي «فتح» و«حماس» اللتين تديران حالة الانفصال، ترى أن الانتخابات إما أنها أصلاً ليست حلاً في ظل الاحتلال، وإما أنها ليست كذلك في ظل عدم التوافق على إنهاء الانقسام قبل إجرائها.

انتخابات القدس

وبدا الآن وبعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الإعلان عن قرار قرب الدعوة لإجراء الانتخابات، أن السجال تحول نحو إصدار المرسوم الرئاسي من عدمه. فأنصار إجراء الانتخابات فوراً والذين يعلنون يومياً جاهزيتهم لإجرائها، يطالبون الرئيس عباس بإصدار مرسوم الانتخابات، وعدم التأخر في ذلك؛ لكن أعلن الرئيس عباس وحركة «فتح» منذ البداية أن الانتخابات لن تجري أبداً في الأراضي المحتلة إذا لم تجر أيضاً في القدس؛ وفق برتوكول الانتخابات لعام 1995. وتؤيد التيارات المنادية بالانتخابات إجراءها في القدس؛ لكنها تختلف فيما بينها حول اشتراط الموافقة «الإسرائيلية» على الانتخابات في المدينة قبل إصدار مرسوم الانتخابات. فالبعض، يريد ولو ظاهرياً، جعل الانتخابات في القدس حالة صدامية مع الاحتلال، بينما البعض الآخر يصر على الحصول على الموافقة قبل إصدار المرسوم الرئاسي.

ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى مواقف بعض الجهات والمعلقين ممن رأوا أن الإعلان عن النية لإجراء الانتخابات من دون توافق وطني كان اندفاعاً نحو المجهول، وأقرب إلى تكتيك المناكفة منه إلى استراتيجية الحل؛ حيث إن الجميع يدرك أن الفلسطينيين بحاجة لانتخابات عامة؛ لتجديد الشرعيات في السلطة الفلسطينية، بعد انقضاء نحو 14 عاماً على إجراء الانتخابات السابقة.

ومعروف أن قانون السلطة الفلسطينية يفرض إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية مرة كل أربع سنوات. وجاء الانقلاب على السلطة في عام 2007 بعد أن جاءت نتائج الانتخابات في مصلحة حركة «حماس»؛ ليخلق أشد الأزمات خطورة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني؛ إذ ازداد الحديث عن ميول انفصالية تبعد «جناحي الوطن» الفلسطيني عن بعضهما، وتهدد بوأد حلم الدولة الفلسطينية الواحدة المستقلة خصوصاً في ظل الحديث عن «صفقة القرن».

مأزق المصالحة

وهكذا كان الانقسام هو المأزق. وبذلت محاولات عربية وفلسطينية ودولية؛ لإيجاد مخارج من هذا المأزق إلا أن الوضع ازداد سوءاً. ولم تنجح على مدى السنين الفائتة اجتماعات الحوار الوطني على الرغم من توصلها مراراً إلى وثائق تم الاتفاق عليها؛ ولكن اختلف على تفسيرها أحياناً، ولم يتم الاتفاق على أولويات العمل بها. ودفع هذا الأمر إلى خطوات زادت الطين بلة، وبينها إجراءات الإدارة المستقلة في القطاع، وتضييق الخناق على القطاع؛ عبر الشح في دفع رواتب موظفي القطاع العام، إلى جانب ميزانيات وزارتي الصحة والتعليم. ومع ذلك ظل التوافق على ضرورة إنهاء الانقسام هو المخرج من هذا المأزق، ويمكن للانتخابات أن تكون التتويج النهائي لهذا التوافق. ويستند أصحاب هذا الرأي الأخير على واقع أن انتخابات عام 2006 لم تحل أزمات الخلاف الداخلي والتناقض بين السلطة والفعل المقاوم وإنما زادت الوضع سوءاً.

ويقول أصحاب هذا الرأي إن المشكلة في أساسها تكمن في واقع الاحتلال الذي جعل من السلطة نوعاً من الحالة الانتقالية بين حلم السيادة وواقع الاحتلال. صحيح أن السلطة تمتلك شرعية دولية وجمهوراً وقوى تدعمها؛ لكن ذلك لا يلغي واقع أن الاحتلال بقي هو السيد القادر على تسهيل إجراء الانتخابات أو منعها إن لم يكن كلياً فعلى الأقل جزئياً وخصوصاً في القدس. ويشير هؤلاء إلى أن دوافع إجراء الانتخابات ليست فلسطينية بحتة وأن الضغط الأوروبي له دوره في ذلك؛ حيث إن الاتحاد الأوروبي هو الممول الأكبر للسلطة حالياً، يريد ذلك. وهكذا وصلنا إلى الحال القائم غير المعروف فيه إن كانت الانتخابات ستجرى أم لا وإن كان المرسوم الرئاسي بإجرائها سيصدر أم لا.

المرسوم الرئاسي

لقد أنجزت اللجنة المركزية للانتخابات برئاسة الدكتور حنا ناصر حواراتها مع كل من «فتح» و«حماس» وباقي الفصائل، وأعلنت أنها بانتظار صدور المرسوم الرئاسي. وأعلن المتحدث باسم اللجنة، فريد طعم الله، أنه ليس لدى لجنة الانتخابات حالياً ما تفعله، فجميع الفصائل وافقت على إجراء الانتخابات، والموضوع الآن بيد المستوى السياسي وتحديداً بيد الرئيس محمود عباس. ومعروف أن القانون يلزم بإجراء الانتخابات خلال 90-100 يوم من صدور المرسوم الرئاسي بذلك.

وهكذا تحركت الأمور باتجاه معرفة إن كانت سلطة الاحتلال هي العائق الأخير أمام إجراء الانتخابات أم لا. وحسب ما أعلن، فإن السلطة الفلسطينية طلبت عبر وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ من الحكومة «الإسرائيلية» الموافقة على إجراء الانتخابات في القدس. ونشرت «يديعوت أحرنوت» نبأ يشير إلى أن حكومة نتنياهو المرتاحة لقرار أمريكا الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان، قررت «تجاهل» الطلب الفلسطيني، وعدم الرد عليه. وطلب الفلسطينيون من الاتحاد الأوروبي الضغط على الكيان؛ لإجراء الانتخابات في القدس. ولا يبدو أن الكيان، في فترة المعركة الانتخابية، على استعداد للاستماع إلى نصائح أوروبية كما أن الأوروبيين، وفق صائب عريقات، ليسوا على استعداد لضمان إجراء الانتخابات في القدس؛ ولذلك فإن القيادة الفلسطينية، حسب عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» جمال محيسن، قررت عقد اجتماع قريب؛ للبحث في إصرار الاحتلال على عدم الرد بالموافقة على إجراء الانتخابات؛ لاتخاذ القرار المناسب في هذا الموضوع.

ثلاثة سيناريوهات

وهنا تطرح سيناريوهات مختلفة لما يمكن أن ينجم عن هذا الاجتماع. الأول: التذرع برفض الكيان لإجراء الانتخابات في القدس وعدم إصدار المرسوم الرئاسي المقرر. والثاني إصدار المرسوم الرئاسي وإجراء الانتخابات العامة في الأراضي المحتلة مع استعداد لجعل الانتخابات في القدس موضع صدام مع قرار الاحتلال. والسيناريو الثالث هو التوجه نحو الابتعاد عن الانتخابات والاقتراب من المصالحة أولاً.

ومن المؤكد أن لكل واحد من هذه السيناريوهات حسناته وعيوبه وعواقبه. وواضح أن السيناريو الثالث يمكن أن يعيد اللحمة إلى صفوف الفلسطينيين، ويرد كيد أعدائهم. كما أن السيناريو الأول قد يستثير الأوروبيين على السلطة الفلسطينية ولا يحقق شيئاً للفلسطينيين ويزيد من انقسامهم. في حين أن السيناريو الثاني، الصدامي، مع الاحتلال خصوصاً في القدس قد تكون له عواقب خطرة في الوضع الدولي الحالي على السلطة الفلسطينية، ومشروع التهدئة في قطاع غزة.

“الخليج”الاماراتية