aren

الانتخابات الرئاسية فى روسيا.. نظرة إلى الشرق الأوسط وإلى مصر \\ كتابة : د. رضا شحاتة
السبت - 17 - مارس - 2018

 

ـ خلال أيام معدودة ، وتحديداً فى الثامن عشر من هذا الشهر يخوض الرئيس الروسى «بوتين» انتخابات رئاسية لولاية رابعة (2018-2024) ينافسه بعض المرشحين الليبراليين، والقوميين وبعض رموز الشيوعين، وحظوظهم جميعاً تتضاءل بقوة أمام شعبية «بوتين» التى تقدر طبقاً لاستطلاعات روسية حديثة للرأى العام بما يتجاوز السبعين فى المائة حتى فى ظل الانتقادات الحادة من بعض عواصم الغرب وحتى من بعض دوائر الداخل المعارضين لتوجهات «بوتين» داخلياً وإقليمياً ودولياً.

ـ وفى السياق التاريخى، يصبح الرئيس «بوتين» أكثر الرؤساء حظاً من حيث المدة الزمنية بعد ولايات رئاسية ثلاث وحظه الوافر شبه المؤكد فى ولاية رابعة، لا ينافسه ـ تاريخياً فيها «جوزيف ستالين» الذي وصفه المؤرخون بأنه صانع أو مؤسس الاتحاد السوفيتى فى الثلاثينيات والأربعينيات حتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضى إلى أن تسطر الإرث بعد عقود غير قليلة فى منتصف الثمانينيات جورباتشوف لتكتب على يديه نهاية الاتحاد السوفيتى مع مطلع التسعينيات.

ـ فى ظل هذا السياق وسقوط النظام السوفيتى كله بأحلافه وأيديولوجيته ، يواجه هذا الانفجار العظيم ضابط الاستخبارات «فلاديمير بوتين» فى مدينة «درسدن» بألمانيا الشرقية وعمره لم يكن يبلغ الأربعين يواجه آثار هذه التجربة التاريخية بكل عمقها وحدتها ودلالاتها لتغور فى وجدانه وعقله ويستخلص منها الدروس فى أسباب صعود الدول وسقوطها وهو يرى عالم اليوتوبيا الشيوعية وطموحات القوى العظمى تتبخر داخل الاتحاد السوفيتى وخارجه أمام التوسع الغربى باتجاه روسيا وحدودها من الاتجاهات شرقاً وجنوباً ووسطاً، وسقوط معاقل الشيوعية فى موطنها الأصلى وفى دول العالم الثالث، وعواصم أوروبا الشرقية والوسطى وأحزابها فى أوروبا الغربية.

ـ فى هذا السياق الاستراتيجى كان صعود «بوتين» للسلطة من «سان بطرسبورج» حيث عاد إليها بعد أن اختفى اسم (لننجراد) كما اختفى الاتحاد السوفيتى ثم لينتقل بعد إقامة محدودة إلى موسكو حيث دهاليز السلطة والحكم ومفاتيح القوة التى شاء القدر أن يسلمها له أملاً فى الخلاص من الحساب الرئيس السابق يلتسين عشية الألفية الثالثة وكأن «بوتين» وروسيا معه يبدأ عصراً جديداً بعد أن شهدت التسعينيات وسنوات يلتسين العجاف مظاهر التدهور تبلغ مداها فى الانحدار الاقتصادى والحرب الأهلية فى الشيشان والتراجع المنظم أمام التوسع الغربى شرقاً.

ـ على خلفية هذين السياقين التاريخى والاستراتيجى، يمكن أن نقدر اليوم أن القوة الدافعة نحو الإحياء القومى واستنهاض القوى الذاتية الروسية، ثم القوة الدافعة لاستعادة الوضعية العالمية لروسيا، كانت تمثل فى واقع الأمر المحركات التى تولد طاقة التحدى لتداعيات للإرث (الإمبراطورى المنهار) والذى كان على الرئيس الجديد «بوتين» منذ عام 2000 أن يواجهه داخل روسيا وحولها عبر ولاياته الثلاث التى امتدت عشرين عاما حتى 2018.

ـ وإذا كان «جوزيف ستالين» هو الذى صنع التاريخ السوفيتى حتى كتب جورباتشوف نهايته، فان يلتسين هو الذى كشف أمام عيون العالم النقائض والسلبيات فى البنية الاقتصادية، والفوضى السياسية، والخلخلة الاجتماعية.

والأخطر أن قلب الوجود الروسى داخل أوروبا فى ظل ولايته بات معرضاً لعوامل التآكل والتعرية الجيوسياسية والجيواقتصادية والأمنية تحت ضغوط الناتو والولايات المتحدة من كل اتجاه، فخلقت بيئة خصبة لاستزراع بذور جديدة من القومية الروسية تجلت فى عقائد استراتيجية عسكرية وفى مفاهيم وتطبيقات فى السياسة الخارجية،وإن كانت تنطلق من نفس الأرضية .

ولكنها تتعامل مع معطيات دولية مغايرة، لا مكان للأيديولوجية الجامدة منها، وتحاول أن تقيم بناء روسى إقليمى وعالمى، وشبكة مركبة من العلاقات تتعادل فيها من المصالح العالمية وتتكافأ فيها الشراكات على كافة الأصعدة ويسعى «بوتين» فى إطارها لأن يسترد الساحات التى فقدتها روسيا فى ظهورها المعارك فى آسيا الوسطى «وفى الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفيتى» وفى أقاليم القوقاز كما يستعيد مواقعه التى تراجع عنها بعض الوقت إبان رياح الربيع العربى العاصفة برموزه فى أكثر من عاصمة عربية وشرق أوسطية وهى الرؤية التى طرحها الرئيس بوتين أمام المجلس الفيدرالى أول مارس.

ـ الرؤية الروسية المعاصرة للمشهد السياسى فى الشرق الأوسط تمثلت فى أكثر من مقاربة وأكثر من طرح كان قد كرره وزير الخارجية الروسى مرتين متتاليتين على الأقل فى فبراير الماضى، وهو يتحدث أمام (مؤتمر الأمن فى ميونخ) وصناع القرار فى أوروبا والولايات المتحدة خاصة ـ وبعض وزراء خارجية عديد من دول الشرق الأوسط .

حين دعا إلى بناء هيكل أمنى جديد فى الشرق الأوسط المثقل بالأزمات، مؤكداً أن دول المنطقة مصر والجزائر والعراق والسعودية وغيرها من دول الخليج لها مصالحها المشروعة التى يجب الاعتراف بها والبعد بالمنطقة عن الصراع الطائفى والمذهبى من السنة والشيعة أو الاختيار بين الشرق والغرب.

بل دعا (لافروف) صراحة الجامعة العربية للانضمام الى تلك المعادلة لإنشاء (آلية) تستفيد من تجربة الأمن والتعاون الأوروبى، وتدابير بناء الثقة وتجنب تدخل القوى الخارجية فى الصراعات الإقليمية أو الدينية أو محاولة تقسيم الدول وتمزيقها وتحويلها إلى دول فاشلة.

ـ هذه المعطيات التى طرحها لافروف منذ أسابيع قليلة تنطوى على عدة رسائل مباشرة لعواصم القوى الغربية المنخرطة فى صراعات الشرق الأوسط وأزماته، فى سوريا، وإيران واليمن والعراق وليبيا وفلسطين.

ثم يعود لافروف ليتحدث عنها بعد أيام قليلة فى منتجع (فالداى) السنوى بالقرب من موسكو حيث احتشد عدد غير قليل من ساسة ومفكرين من الدول العربية والشرق أوسطية والأوروبية مع الروس فى مؤتمرهم عن الشرق الأوسط وحيث وصف (لافروف) صراحة (الربيع العربى) «أنه تسمية خاطئة» الأجدر أن يطلق عليه المأساة الكبرى بعد التدخلات والتحولات التى انتهت بالمنطقة إلى حالة غير مسبوقة من الفوضى والاضطراب.

ـ هذا التحليل على لسان وزير خارجية روسيا ربما فاق أصدق وأوضح ترجمة لرؤية روسيا ورئيسها بعد ذلك للمعطيات الإقليمية بدءًا من الانخراط العسكرى والسياسى الروسى فى سوريا من منطلق استراتيجى لروسيا تحت عنوان محاربة الإرهاب الذى يهدد بالانتقال إلى داخلها ثم للحفاظ على وجودها الاستراتيجى شرقى المتوسط بحريا وبريا فى سوريا ونظامها الحاكم وبالقرب من لبنان (حزب الله والنفوذ الإيراني) ثم بالقرب من إسرائيل ـ ذات العلاقة النشطة المتطورة مع موسكو)، وكذلك بالقرب من تركيا التى تمكنت الاستراتيجية الروسية الجديدة فى سنوات التوتر والأوقات المضطربة المعقدة بين أنقرة وموسكو من أن تقيم مع قياداتها علاقة عمل رغم التنافر إلى حد التناقض فى الرؤى والمصالح الاستراتيجية (عضوية تركيا فى الناتو بتعقيداتها مع الوجود الكردى حولها)، ثم تطلعاتها الإقليمية فى آسيا الوسطى.

ـ الأفق الجديد للسياسة الخارجية الروسية فى الشرق الأوسط تكمن فى دهاء وبراعة مشهودة أن يختزل هذا المنهج البراجماتى فى الجمع بين تركيا وإيران رغم تنافر مصالحهما فى سوريا فى مسار واحد تحت قيادة موسكو لتحريك الأفق السياسى للمسألة السورية.

بل استطاعت موسكو بدبلوماسية نشطة أن تجتذب عواصم عربية فاعلة ومؤثرة مثل الرياض والقاهرة وعمان للتدخل الإيجابى مع المعارضة السورية لتنظيم المسار السياسى التفاوضى على أرض الواقع (مسارى الاستانة وسوتشى) فى إطار ما أطلقت عليه مناطق «عدم التصعيد» بل استطاعت أن تدفع حتى إسرائيل للانخراط أيضاً لتأمين جنوب سوريا وامتداد تلك السياسة إليها رغم أن إيران أحد شركاء روسيا فى المسيرة السياسية، لها مصالحها ووجودها فى الحاضر والمستقبل فى تلك المناطق كانت من أشد المفاوضين عناداً فيما يتصل بالوجود فى تلك المناطق.

ـ سياسة موسكو تجاه الشرق الأوسط كما نحاول قراءتها هى سياسة الاستخدام الأمثل لكل الأوراق وامتلاك معظم المفاتيح واستثمار القواسم المشتركة فى الوقت الذى تتسع فيه الفجوات والتناقضات بين الأطراف السورية الداخلية والإقليمية، بشكل عام وبين الرؤى التى تتخبط الإدارة الأمريكية فى طرحها أو استخدامها على الساحة السورية عسكرياً وسياسياً حتى إن روسيا دخلت اليوم مرحلة النهاية أو ما هو أقرب إلى النهاية فى رسم المستقبل السورى.

ـ وحتى فى الأزمة اليمنية شديدة التعقيد السياسى والمذهبى والقبلى والإقليمى (وحربها الأهلية الداخلية بالوكالة) بين (الأقطاب الإقليمية)، استطاعت موسكو أن تركز أساساً على «البعد الإنسانى» ليكون هو مدخلها للتعاون مع كل الأطراف والوساطة بصوت مسموع ومؤثر فى قراراتها ثم الحالة الليبية.

ذلك النموذج الذى تستشهد به موسكو دائماً على ظاهر وجود (الثقب الأسود)، فى الكيان العربى والشرق أوسطى وشمال أفريقيا مع تحميل الناتو والغرب عموماً المسؤولية المأساوية التى تجلت فى استشراء الإرهاب ما وراء الصحراء والساحل الأفريقى، حيث لم تترك روسيا تلك الأزمات الإقليمية بل سعت لأن تكون وسيطاً له القول المؤثر مثلما فعلت فى أزمات عربية حين دعت للحوار بين طبرق وطرابلس، وفى نفس الوقت دعت حكومة طبرق والجيش الوطنى الليبى ومساندة جهود مصر والجزائر وتونس فى إطار مساعى تحقيق الاستقرار، ودفع عجلة الحوار الوطنى.

ـ إن علاقات موسكو مع تل أبيب أيضاً أتاحت لروسيا فتح قنوات التواصل مع رئيس السلطة الفلسطينية أبومازن، بالتوازى مع رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو خلال زياراتهما لموسكو ومباحثاتهما بالتوازى أيضاً مع العاهل الأردنى الملك عبدالله الثانى، فضلاً عن اتصالات بوتين ـ السيسى ومقابلات سامح شكرى وسيرجى لافروف فى موسكو وميونخ وغيرها انطلاقاً من الموقف الروسى بأنه ليس ثمة بديل للمباحثات المباشرة وحتمية تسوية الصراع الفلسطينى الإسرائيلى.

ـ أما المنظور الروسى لعلاقاته مع مصر، فلا تحددها فقط الخلفيات التاريخية الثرية للعلاقات بين موسكو والقاهرة، بل عززها ذلك الدور المحورى والمؤثر على المستوى الإقليمى لمصر فى الوقت الحاضر والمتنامى يوماً بعد يوم منذ ثورة الثلاثين من يونيو 2013 التى حظيت بدعم روسى قوى منذ اليوم الأول فى ظل سياسات أمريكية تتأرجح بين الأفكار للواقع الجديد وبين ممارسة الضغوط فى أشد الأوقات حرجاً لمصر، بل إن المنظور الروسى.

وكما نقدر اليوم يتجه إلى التطلع بثقة إلى آفاق أوسع من مجرد ميزان الإطار الثنائى التقليدى للعلاقات، وهو ميزان إيجابى بالطبع، والدولتان اليوم على أعتاب ولاية رئاسية جديدة مرتقبة للرئيس بوتين، وولاية جديدة منشودة للرئيس السيسى، مما يفتح الباب أمام شراكة أقوى وأرسخ.

ـ هذا التطور الإيجابى المرجح فى المستقبل المنظور سوف يكون محوره الدور المصرى الحاسم فى مكافحة الإرهاب والتطرف فى الشرق العربى وشمال أفريقيا، ومن ثم ضمان الأمن والاستقرار الإقليمى والمتوسطى، خاصة فى أعقد إشكاليتين القديم منها والجديد :

أولهما العقدة السورية حيث وقفت مصر منها موقفاً سياسياً فاعلاً متوازياً ومؤثراً لتوافقه مع المصالح المصرية القومية ومصالح الشعب السورى وتلاقيه فى قواسم مشتركة مع المصالح الاستراتيجية الروسية ثم العقدة الفلسطينية الإسرائيلية وهنا أيضاً تتلاقى التقديرات المصرية والروسية فى ساحة واسعة من أساسها الشرعية الدولية.

ـ تبقى بعد ذلك آفاق الغد التى تتمثل فى مستقبل الطاقة فى السنوات القادمة سواء الطاقة النووية بالتعاون المشترك مع روسيا ثم الطاقة المستمدة من الغاز الطبيعى شرق المتوسط وكلتاهما الطاقة النووية والغاز الطبيعى تفتحان إمكانيات ضخمة وجديدة لشراكات استراتيجية واقعية سياسية واقتصادية وأمنية بين الدولتين على مستوى الشرق الأوسط والبحر المتوسط زهو ما يستوجب من الآن المزيد من التفعيل لمبادرات السياسة الخارجية المصرية فى هذا الاتجاه.

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

“المصري ” اليوم