aren

الانتخابات التركية في أوجهها المتعددة \\ كتابة : د.محمد نور الدين
السبت - 30 - يونيو - 2018

 

اردوغان يعلق على وصفه ب”زعيم العالم السني”

انتهت الانتخابات التركية المزدوجة النيابية والرئاسية، إلى نتائج متناقضة وتحمل دلالات متعددة.

ففي الانتخابات النيابية تمكن «تحالف الجمهور» المكوّن من حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية، من تحقيق نتائج جيدة، وحصل على ما مجموعه 54 في المئة من الأصوات، فيما حصل «تحالف الأمة» من أحزاب الشعب الجمهوري، والجيد، والسعادة، على 36 في المئة. وحصل حزب الشعوب الديمقراطي الكردي على 11.6 في المئة. وبذلك يؤكد التحالف المؤيد للرئيس رجب طيب أردوغان تفوقه على معارضيه وبفارق ملموس. لكن عند الدخول في الجزئيات، فإن المشهد يختلف بعض الشيء.

فحزب العدالة والتنمية بمفرده نال 42.5 في المئة، بتراجع سبع نقاط عن آخر انتخابات نيابية قبل ثلاث سنوات (نال حينها 49.5 في المئة)، وهذا تراجع كبير. وحصل الحزب بمفرده على 293 نائباً، وهذا يعني أنه فقد الغالبية المطلقة في البرلمان البالغ عدد نوابه 600 نائب. في حين كان يمتلك في البرلمان السابق 317 نائباً؛ أي أكثر من النصف المطلوب، وهو 276 نائباً في برلمان كان عدد نوابه 550 نائباً.

وهذا يعني أن حزب العدالة والتنمية فقد المبادرة في البرلمان، في أي نوع من أنواع المشاريع العادية أو تلك التي تحتاج إلى 3 من 5 من أصوات البرلمان، أو ثلثي الأصوات. وهو ما يجعله بحاجة بشدة إلى حليفه حزب الحركة القومية، الذي نال 11.1 في المئة من الأصوات مع 50 نائباً.

وفي الجانب الكردي، أكد حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، أنه لا يزال رقماً صعباً في مواجهة أردوغان، مع نجاحه بمفرده في تخطي عتبة عشرة في المئة وحلوله في المركز الثالث ب 67 نائباً، بعد حزبي العدالة والتنمية، والشعب الجمهوري.

أما في الانتخابات الرئاسية فإن أردوغان لم يجد صعوبة في الفوز ومن الدورة الأولى، على منافسيه وبفارق كبير من الأصوات، وتجنّب بالتالي الانتقال إلى دورة ثانية، كانت حساباتها ستختلف عن الدورة الأولى. وقد نال أردوغان نسبة قريبة من النسبة التي نالها تحالفه في الانتخابات النيابية. نال أردوغان 52.5 في المئة، وهي قريبة جداً من النسبة التي نالها في انتخابات الرئاسة عام 2014.

لكن الانتخابات كانت تعكس الدلالات التالية:

1- أكدت الانتخابات أن أردوغان لا يزال الأقوى وبفارق كبير عن خصومه، رغم أنه مضى على حكمه 16 عاماً. وستكون تركيا أمام تعايش مع الحالة «الأردوغانية» لخمس سنوات أخرى قابلة للتجديد وفق الدستور.

2- إن فوز أردوغان بالرئاسة مختلف هذه المرة عن كل الانتخابات السابقة؛ إذ سيبدأ منذ اليوم نظاماً سياسياً جديداً قوامه نظام رئاسي يعطي الرئيس صلاحيات مطلقة غير موجودة في أي نظام رئاسي آخر في العالم، يضع كل المؤسسات والموظفين والعسكر والقضاء في قبضته، ويلغي منصب رئيس الحكومة ويضعف جداً دور البرلمان.

3- يظهر من تحليل النتائج أن التيار القومي المتشدد أحرز نسبة تأييد عالية. فحزب الحركة القومية المتحالف مع أردوغان نال نسبة غير متوقعة، وهي 11.1 في المئة، وفي صفوف المعارضة نال الحزب الجيد 10 في المئة؛ أي ما يعادل على الأقل عشرين في المئة. وهذا يعني أن السياسات التركية المقبلة في الداخل كما في الخارج، ستكون محكومة بهذه النزعة المتشددة.

4- وليس حزب العدالة والتنمية بعيداً عن هذه النزعة؛ بل في قلبها. فقد لعب الحزب على الوتر القومي من خلال توظيف العمليات العسكرية التركية في سوريا والعراق ضد الأكراد، لا سيما في جرابلس وعفرين وجبال قنديل، لحصد المزيد من الأصوات في الانتخابات، وقد نجح في ذلك.

5- وهذا يدفع لتوقع أن يواصل أردوغان سياساته المتشددة ضد الأكراد في داخل تركيا وخارجها، وبقاء المشكلة الكردية بعيدة عن حلول قريبة.

6- ولا شك أن أردوغان باستمراره الزعيم الأوحد لتركيا، يفرض واقعاً على اللاعبين الإقليميين والدوليين، للتعاطي معه وعدم الرهان على أي تغيير محتمل في السلطة في المدى المنظور. وهو ما سيوظفه أردوغان في علاقاته بالجميع سواء مع حلفائه الحاليين مثل روسيا وإيران، لرفع سقف مطالبه في سوريا والعراق، أو حلفائه الاستراتيجيين المتوترة نسبياً علاقاته معهم مثل الولايات المتحدة وأوروبا.

ولا يستبعد في إطار البراجماتية الأمريكية وفي ظل تعيين سفير أمريكي جديد في تركيا، هو ديفيد ساترفيلد، وبعد اتفاق منبج بين أنقرة وواشنطن، أن تبذل محاولات لتصحيح ذات البين بين تركيا والولايات المتحدة، بما يعيد من جديد خلط بعض الأوراق في المنطقة.

طوت الانتخابات النيابية والرئاسية التركية صفحة من نظام برلماني عمره أقل من مئة عام بقليل، لتبدأ صفحة نظام رئاسي يسعى مع أردوغان، إلى أن يعيد تشكيل الهوية التركية مجدداً. لكن الجميع يعلم أن المجتمعات ذات التعددية العرقية والدينية والمذهبية، لا يناسبها نظام رئاسي مطلق الصلاحيات، وينطلق من ذهنية عرقية ومذهبية إلغائية للآخرين، وتوسعية عثمانية في المجال الخارجي. وهو ما يجعل الاعتقاد بأن فوز أردوغان سيجلب الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لتركيا، ليس في محله.

“الخليج”