aren

الانتخابات الإيطالية .. انتحاراليسار وعودة الفاشية \\ كتابة: د. سمير أمين
السبت - 17 - مارس - 2018

 

 

ان الانتخابات الإيطالية فى مارس 2018، تمثل افتتاح فترة زمنية تسود فيها حالة من الفوضى، يبدو الخروج منها موضع شك. فمنذ عدة سنوات، واجهت إيطاليا تحول 50% أوأكثر من بين المدافعين عن المشروع الاوروبى الى متشككين فيه، فاليمين الراديكالى (المتطرف) الذى يظهر بوضوح حنينه للرجوع للفاشية بالقوة، وفى الوقت نفسه لا يجد اليمين البرلمانى الكلاسيكى أى مشكلة فى التحالف معه (كما فى النمسا على سبيل المثال). والشعبوية هنا (هى حركة 5 نجوم) تتميز بضبابية فى الرؤية لا مثيل لها، بما يحول دون معرفة ماهو برنامجها الحقيقى، لو كان لها برنامج أصلا.

وما تقدمه وسائل الاعلام المهيمنة من تفسيرات، ينقل نقطة التركيز إلى مسألة تدفق المهاجرين، متجنبة التساؤل ، عن اسباب هذا التدفق (السياسات النيوليبرالية التدميرية فى افريقيا والشرق الأوسط). وتقر وسائل الاعلام هذه، بمسئولية أوروبا التى تخلت عن دول جعلها وضعها الجغرافى (إيطاليا،اليونان، أسبانيا)، فى خط الدفاع الاول لمواجهة هذه التدفقات، ولكنها بالكاد، تلمح أحيانا، عن البؤس الناتج عن السياسة الاقتصادية لإيطاليا، ولكن أيضا، دون أن تضع العقيدة الليبرالية للمسألة.

الموسيلينية مخترعة الفاشية كانت رد اليمين الإيطالى على أزمة سنوات العشرينيات وايضا لمواجهة خطر الشيوعية الوليدة. ولكن لا الرأسمالية الإيطالية، ولا أداتها السياسية، الموسيلينية، كان لديهم طموح السيطرة على أوروبا، ولا بالتالى على العالم، على الرغم من زعيق القائد حول مسألة إعادة بناء الإمبراطورية الرومانية (!)، فلقد فهم موسيلينى ان استقرار نظامه يرتكز على التحالف (كتابع)، سواء لبريطانيا العظمى، (التى لها السيادة فى البحر المتوسط)، او سواء لألمانيا النازية. ولقد ظل هذا التردد قائما حتى عشية الحرب العالمية الثانية.

ولقد كانت الكارثة العسكرية هى الأصل فى انهيار الوهم حول هذا النموذج الفاشى، فى المنطقة الثانية. فى نفس الوقت، فى إيطاليا كما فى فرنسا، كان التحرير فى وقت الحرب العالمية الثانية بمثابة حرب شبه أهلية. ونتيجة لذلك، اضطر الفاشيون للاختباء فى العقود التالية لسنة 1945.

دون ان يمثل ذلك أختفاء بشكل حقيقى. فيما بعد نجد ان اقتصاد البلاد- برغم ماحققه من معجزة ضمنت للإيطاليين حل الأزمة الحالية ومستوى معيشيا مرتفعا فإنه ظل هشا. هذه المعجزة هى أيضا السبب وراء الاختيار الاوروبى الذى غزى الفضاء السياسى، ليصبح المسئول الرئيسى، عن اختيار طريق بلا مخرج، تلتزم به البلاد.

كان نجاح الحزب الشيوعى الإيطالى بعد الحرب ، الأساس فى إحراز تقدم كبير نحو بناء مجتمع إيطالى حقيقى وموحد للمرة الاول (بعيدا بطبيعة الحال عن الصراعات الطبقية التى تسم الرأسمالية سواء فى إيطاليا او فى أماكن اخرى من العالم). لقد شارك كل من توجلياتى (Togaliatti) و بيرلنجير(Derlinguer) فى بناء هذا التقدم بقدر كبير من الوعى.

فقد كانت قوة الحركة كافية للتأثير بشكل ما، على دولة «يسار الوسط» فى هذه الفترة، بالرغم من انغلاق الحزب الشيوعى الإيطالى على نفسه. فى حقيقة الامر، الحزب الشيوعى الايطالى، هو الذى بنى إيطاليا الحديثة، المشبعة بعمق بثقافتها. لم يتشارك الحزب فى هذا الاحتكار سوى مع الكاثوليكية المحكومة بكنيسة استطاعت ان تخفى مشروعها الرجعى الذى يختبئ خلفه حنينا للفاشية. ولقد قام بهذا الدور الحزب الديمقراطى المسيحى… وهذه الصفحة من تاريخ إيطاليا قد طويت.

بلا شك يبدو خطر الفاشية اليوم غير قادر على تهديد النظام الديمقراطى للولايات المتحدة وأوروبا، على أقل تقدير أوروبا الغربية. لقد اصبح التواطؤ بين اليمين البرلمانى الكلاسيكى والليبرالية الاجتماعية، غير مجد من اجل هيمنة رأس المال، واللجوء الى خدمات اليمين المتطرف، يضعهم ضمن الحركة التاريخية الفاشية. بيد ان صعود النضالات الشعبية يمكن ان يقنع الطبقة الحاكمة من الاستفادة بشكل أكبر من خدمات الفاشية، كما فعلت فى الماضى.

ان النجاح الانتخابي لليمين المتطرف فى العقود الاخيرة يجب ان يكون موضع قلق. فالشعوب الأوروبية فى واقع الامر هى أيضاً ضحايا انتشار رأسمالية الاحتكارات المعممة السائدة فى هذه اللحظة. ولقد أدركنا ان مواجهة تواطؤ اليمين البرلمانى، المسمى ديمقراطي/ يساري، أو اشتراكي باللجوء إلى الامتناع عن التصويت، أو الارتباك، أو التصويت لليمين المتطرف فى أخر الامر.

إذن مسئولية اليسار المحتمل فى هذه الحالة كبيرة، لانه اذا امتلك هذا اليسار الجرأة على اقتراح مشروع متقدم حقيقى يتجاوز الرأسمالية الحالية، سيكسبه ذلك المصداقية التى يفتقدها. ان هناك ضرورة ليسار راديكالى وجرئ قادر على إعطاء حركات الاحتجاج والنضالات ذات الاهداف الدفاعية التى تتسم دائما بالتفتت، التماسك الذى تفتقده. يمكن القول إذن ان « الحركة» تستطيع قلب علاقات القوى الاجتماعية لصالح الطبقات الشعبية، وتسمح بأحراز خطوات تقدمية.

فى الوضع الحالى، أصبحت النجاحات الانتخابية لليمين المتطرف هى الشغل الشاغل، للرأسمالية الحالية. ولقد سمحت لوسائل الإعلام بالخلط بين(شعبوية اليمين المتطرف، وتلك لليسار المتطرف) وتتناسى ان الأول هو مؤيد للرأسمالية (كما يتضح من تقييمه لليمين المتطرف) فهو إذن حليف محتمل له، فى حين ان الثانى الخصم الوحيد الذى يمثل خطورة محتملة على نظام سلطة رأس المال.

نحن نلاحظ تحولات فى أوضاع مماثلة فى الولايات المتحدة، مع إن اليمين المتطرف بها لم يقم أبداً على انه فاشى. مثل ماكارثية الأمس، أوتعصب حركات «التى بارتى» «tea party»، و«الذهاب للحرب» «va-en guerre». لقد دافع كل من (هيلارى كلينتون، ودونالد ترامب) بوضوح عن «الحريات»- تلك التى تخص المالكين، ومديرى رأس مال الاحتكارات ضد «الدولة» المشتبه فى تقديمها تنازلات لمصلحة ضحايا النظام.

“الاهرام”