aren

الابتزاز التركي لأمريكا وأوروبا وروسيا \\ كتابة : محمد نورالدين
السبت - 14 - سبتمبر - 2019

تقدم تركيا في سوريا نموذجاً للسياسات الابتزازية. قد يرى مؤيدو هذه السياسات أنها حق توظفه تركيا تجاه خصومها لتعزيز موقعها الميداني، ولاحقاً السياسي، على طاولة المفاوضات. وهذا منطقي ومقبول في العلاقات الدولية، حيث تغلب المصالح على أية مبادئ أو أخلاقيات. ويلجأ المسؤولون في كل بلد، إلى استخدام واستثمار كل أنواع الأسلحة لتحقيق مكاسب في الحروب أو في حالات السلم.

فالولايات المتحدة مثلاً التي امتنعت حتى الآن، عن خوض حرب مباشرة مع إيران، كما كان يهدد كل رؤساء أمريكا، استبدلت الحرب العسكرية المباشرة بحرب اقتصادية قاسية تُلحق بإيران أذى تعتقد واشنطن أنه كفيل بأن ترضخ معه طهران للشروط الأمريكية، وهو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.

انتهى المشروع التركي على مستوى المنطقة العربية بالفشل، سقط في مصر وتونس واليمن، وهي تحاول أن تُبقيه حياً في ليبيا، وسقط في سوريا والعراق والأردن، وكان أساسه إقامة أنظمة موالية لها بدلاً من تلك القائمة.

ومع ذلك كان للتدخل الأمريكي في سوريا ردا على التدخل الروسي ولحسابات أخرى، أثر بالغ في قلب الموازين وتعقيد الوصول إلى إنهاء الحرب في سوريا. أما التدخل الروسي في نهاية سبتمبر 2015، فقد أربك جداً الدور التركي ودعمه المباشر للمعارضة المسلحة السورية، ولولا التدخل الروسي لكانت موازين القوى في سوريا على غير ما أصبحت عليه لاحقاً، لكن التوتر التركي الروسي الذي أعقب إسقاط تركيا طائرة روسية في 24 نوفمبر 2015، سرعان ما دفع بأنقرة إلى إعادة النظر في سياستها مع روسيا فاعتذرت منها في يونيو 2016 لتبدأ مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق معها.

في هذا الوقت كانت الولايات المتحدة تدعم بقوة، قوات الحماية الكردية شرقي الفرات بمساعدتها على تأسيس كيان لها هناك، لا يزال قائماً، وهو ما اعتبرته تركيا تهديداً لها.

ما بين روسيا الداعمة للنظام في سوريا، وبين أمريكا الداعمة للأكراد شمال شرقي البلاد، اتبع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سياسات زئبقية وتكتيكية ولولبية وجمبازية بين روسيا وأمريكا. وقد أسفرت تلك «الحركات» عن تحقيق الرئيس التركي مكاسب لم تكن في حسبانه.

هدد أردوغان واشنطن بالتعاون مع روسيا علها تتخلى عن دعم الأكراد وعن محاولة خلعه كما حصل في محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، فبادر إلى إبرام صفقة صواريخ «أس 400» التي قال إنها ستكون جاهزة للاستخدام في أبريل 2020. كما لوَّح بإمكانية شراء مقاتلات «سوخوي 57» المتطورة جداً من روسيا رداً على امتناع الولايات المتحدة تزويده بمقاتلات «أف 35» المتطورة.

في المقابل يعرف أردوغان جيداً أن التقارب مع روسيا لا يمكن أن يذهب إلى ما لانهاية بحيث تخرج تركيا من المحور الغربي إلى روسيا، وهو في الأساس لا يريد ذلك، لكن التخبط الأمريكي في عهدي أوباما وترامب كان كفيلاً بتخريب العلاقات التركية مع الولايات المتحدة، فما بين كتلة كردية صغيرة في سوريا ودولة إقليمية كبيرة مثل تركيا كانت الإدارة الأمريكية تختار الأكراد على حساب العلاقات مع تركيا.

وعلى الرغم من أن روسيا فاجأت أمريكا بتدخلها في سوريا، فإن واشنطن لم تدرك إلا لاحقاً، عمق وأهمية التدخل الروسي بالنسبة لموازين القوى.

خوف أردوغان من الارتماء الكلي في الحضن الروسي، كان وراء تودده المفتوح لأمريكا لتكون علاقته مع أمريكا عنصر ابتزاز لروسيا، فكان اتفاق المنطقة الآمنة بين تركيا وأمريكا خطوة أولى على هذا النهج، لكن روسيا كانت أذكى من أن تعارض «المنطقة الآمنة»، وهي لا تستطيع عرقلتها عندما أسقطت من يد أردوغان ورقة ابتزازه لها، وأعلنت تأييدها لإقامة المنطقة الآمنة رامية أردوغان في حفرة الاشتباك والتناحر مع أمريكا، لتعود المراوحة إلى داخل «البيت الواحد»؛ أي بين تركيا وأمريكا. قبل أيام تحدث أردوغان عن أنه توجد خلافات مع ترامب حول كل خطوة في المنطقة الآمنة، وأن أمريكا تريد «منطقة آمنة» ليس لتركيا؛ بل للمنظمة الإرهابية (أي الأكراد) وتهديده بأنه إذا لم تسر الأمور كما تريد تركيا حتى نهاية الشهر الجاري (سبتمبر)، فستتدخل تركيا بمفردها شرقي الفرات، وهدد أردوغان أوروبا بأنها إذا لم تزد التدفقات المالية لتركيا فسيفتح حدود بلاده أمام تدفق اللاجئين السوريين إليها.

تهديدات أردوغان ليست سوى محاولة ابتزاز لترامب قبل لقائه معه في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. سياسات الابتزاز «الأردوغانية» ستتواصل في سوريا في ظل استمرار التباين في سياسات القوى المعنية، وهذا المشهد قد ينقلب وبالاً على تركيا في حال تغيرت عناصر المشهد لسبب أو لآخر.