aren

المفكر “سعيد ناشيد”: الإسلام لم يكن عقيدة (ابن حنبل)و (ابن تيمية)فحسب …ولكنه أيضا عقيدة (ابن عربي)و (ابن رشد)
الخميس - 4 - مايو - 2017

 

  •  لو قُدر للأصوليّة الأمريكيّة أن تفرض سلطتها المطلقة على الدولة والمجتمع .. لما تردّدت في تدريس الأطفال اسطورة (هاجوج وماجوج ) التي كان يؤمن بها بوش (الابن)
  •  حتى قبل اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر \ ايلول … المحافظون الجدد اختارو الهجوم على العراق … وكانت سورية اختيارهم الثاني
  • لا يزال الخطاب الديني المعتمد في مساجد ومدارس العالم الإسلامي يعتمد على مفاهيم الفقه التقليدي … وهي مفاهيم تتناقض مع مستلزمات عصر الدولة الوطنية
  • قديما كان الأغبياء يموتون في الخفاء وبلا أثر يُذكر … اليوم أصبح الأغبياء يكلفون الدولة والمجتمع ثمنا باهظا … ومدويا
  • قوى الإسلام السياسي لم تحرص على تقديم الضمانات لغير الإدارة الأمريكية متناسية أن العوامل الخارجية تبقى ثانوية بالمقارنة مع العوامل الداخلية … وهذا درس ابتدائي ولكنه أساسي من دروس الماركسية الكلاسيكية
  • المشكلة ليست في الدين ذاته … وإنما في التوظيف الإيديولوجي للدين بالصراع على السلطة والاستعمال السحري للدين ضد العلم والطب والمعرفة والتنمية … 

  • الإسلام  لم يكن عقيدة (ابن حنبل ) و(ابن تيمية) وحسب… لكنه أيضا في المقابل عقيدة (ابن عربي) و(المعري) و(ابن رشد و(الخيام)
  •   ابن رشد ) يقدم دليلا واضحا وصريحا على أن الإنسان بوسعه أن يكون عقلانيا ومسلما في نفس الآن …غير أن الوجه الآخر للمسألة (الرشدية) يكشف( عن حجم الدور الذي لعبه الفقهاء في إجهاض العقلانية الإسلامية قبل ولادتها

  • لا يمكن بناء لاهوت إسلامي جديد بدون الخروج من اللاهوت الإسلامي القديم … اللاهوت القديم انتهى إلى الغلقة اللاهوتية بلغة (جورج طرابيشي ) وانتهى إلى السياج الدوغمائي بلغة (محمد أركون)

  • تعريف :

د. سعيد ناشيد 

مفكر وباحث مغربي متخصص بالفكر والفلسفة الاسلامية ، له الكثير من المؤلفات والمقالات في الفلسفة والاجتماع ، علم الأديان المقارن ، الحداثة ، العلمانية ،
…ونقد الفكر الاسلامي

13415268

 

25098465

ketab4pdf.blogspot.com-ikh

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التجدد : مكتب (بيروت ) 

اعداد وحوار \ : اورنيلا سكر \

 الأصولية نمط من التفكير ينطبق على كل الأديان ، حتى أن أميركا من خلال تيار المحافطين الجدد ، عزّزت (التطرف الانجيلي ) داخل المجتمع الأمركي إضافة الى “الصهيونية المسيحية” ، فلم برأيكم يتم التركيز فقط على الأصولية الإسلامية ؟

الأصوليّة ، ظاهرة تشمل معظم الديانات في العالم (المسيحية واليهودية والهندوسية ) وغيرها، وليست حكرا على الإسلام ، الفرق ليس في طبيعة الأصوليات ، والتي هي تقريبا من بنية واحدة ، لكن الفرق يكمن في فعالية أو عدم فعالية المقاومة التي تبديها المؤسسات، والقوانين، والمجتمع المدني، والمثقفين، والفنانين، والنساء، والأقليات، إلخ.

لو قُدر للأصوليّة الأمريكيّة ، أن تفرض سلطتها المطلقة على الدولة والمجتمع ، لما تردّدت في فرض نظرية أن الأرض قد خُلقت قبل أربعة آلاف سنة فقط ، ولربّما يدرس الأطفال عن (هاجوج وماجوج ) ، وهي الأسطورة التي كان يؤمن بها بوش (الابن) ، ولربما تُقترف حماقات قيامية (أرمجدونية) في الشرق الأوسط لم يسبق لها مثيل.

الأصولية ، عرض من أعراض العياء والارتخاء والاستسلام للسبات ، والسقوط في مستنقع أشباح اللاّوعي الجمعي البدائي ، التي ستبقى تطارد البشرية جمعاء ، حتى إشعار آخر.

لذلك فإن التعريف الأكثر دقة للحداثة ، أن نعتبرها فعل مقاومة ، وإذا كانت المقاومة تتطلب جهداً دائما ويومياً ، فيكفي أحيانا ألا نفعل أي شيء ، حتى ينهار كل شيء، الحداثة تقاوم انهيارها من تلقاء ذاتها باستمرار، في حين أن وجود مخاطر وتحديات دائمة ، مؤشر على دينامية المقاومة ، وليس العكس.

الأصولية مرض منتشر في كل مكان ، فلا غرابة في ذلك ، والمشترك بين الأصوليات كافة ، هو الاعتقاد بأنّ ثمّة فهم صحيح وواحد للدين ، صراط واحد للنجاة أو الخلاص ، يسلكه البعض ، ويزيغ عنه الكثيرون. بمعنى أن الحقيقة الدينية واحدة ، أحادية ، ومحددة ، وما عداها فهو باطل.

من هنا ، تمثل الأصولية خطراً على المجتمع الديمقراطي المفتوح ، إذ ثمة علاقة وثيقة بين مفهوم الحقيقة ومفهوم السلطة ، ففي مجتمع تكون فيه الحقيقة واحدة يصعب بناء سلطة قائمة على التعدد والاختلاف، وفي مجتمع تكون فيه الحقيقة مطلقة ، يصعب بناء سلطة قائمة على النسبية والتداول.

لأن السلطة كما يرى (مشيل فوكو) ، روح تسري في الجميع ، أكثر ما هي قوة متمركزة في مكان محدّد، أو يمتلكها البعض دون الآخرين ، وبهذا المعنى قد نفهم الحديث النبويّ : ” كما تكونون يولى عليكم” ، بمعنى أن السلطة هي ثمرة التصور العام ، الذي يتبناه المجتمع حول الحقيقة ، العقيدة، الهوية، الأصل، المعنى، الأخلاق، الزمان، والوجود، ونحو ذلك.

لذلك، ليس مستغربا أن تضعف جودة الديمقراطية الأمريكية إبان حكم (بوش) الابن ؛ فقد صادف وجوده في السلطة صعود الإنجيليين البروتستانت، والمحافظين الجدد ، علما بأن المحافظين الجدد، وإن كانوا من خلفية فلسفية أكثر ما هي دينية ، إلاّ أنهم كانوا داعمين أساسيين للأصوليات الدينية ، لم يدعموا فقط الأصولية المسيحية واليهودية، وإنما دعموا أيضا الأصولية الإسلامية.

كان اختيار المحافظين الجدد منذ البداية ، وحتى قبل اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر \ ايلول ، هو الهجوم على العراق وليس أفغانستان ، ولا أي مكان آخر، وعنوان أحد أشهر كتبهم “طريقنا يبدأ من بغداد” ، وكانت سورية اختيارهم الثاني ، وهو ما يتناغم مع فلسفتهم التي تقول : قد تصبح الأصوليّة ( مع شيء من الترويض ) أداة فعالية في محاربة الديكتاتورية، بل لعله أكثر فعالية من القوى العلمانية نفسها ، كما اعتقد المحافظون الجدد، وكما اعتقد جزء كبير من الإدارة الأمريكية ، لا سيما وأنّ النموذج التركي ، الذي قدّمه أردوغان في بداية مشواره ، كان يوحي بنجاح المعادلة.

507بين تزوير التاريخ وأزمة المفاهيم والمصطلحات وتحريف مقاصد الدين وعلم الكلام … أين يقف الاسلام اليوم ؟

بل لعله يقف فوق كل ذلك …، عموما وبصرف النظر عن كل ذلك، يعاني الإسلام من أزمة عميقة تجعله عاجزاً إلى حد بعيد عن مواكبة الحياة المعاصرة، وذلك ليس بسبب الدين في حد ذاته، وإنما بفعل الموروث الديني ، الذي هو اجتهاد القدماء، كل القدماء، من الصحابة، والأئمة، والتابعين، وتابعي التابعين .

لا يزال الخطاب الديني المعتمد في مساجد ومدارس ومجالس مجتمعات العالم الإسلامي ، يعتمد على مفاهيم الفقه التقليدي، وهي مفاهيم تعبر عن عصر التوسعات الإمبراطورية : الجماعة، البيعة، الطاعة، دار الحرب ودار الإسلام، الولاء والبراء، الجهاد، الغنيمة، السبي، إلخ.

ولذلك ، فهي مفاهيم تتناقض مع مستلزمات عصر الدولة الوطنية ، هذا ما يفسر حالة الانفصام التي يعاني منها المؤمن، انفصام بين الوعي الديني التقليدي والوعي المدني الحديث، انفصام بين المتخيل الفقهي والفكر السياسي

لعلها ثورات ، تحوّلت إلى فتن لا تبقي ولا تذر، وذلك بفعل التحريض الطائفي الذي مارسه شيوخ الفتنة، ووسائل الإعلام التهييجي، ودور المال الخليجي ، فضلا عن الحسابات السياسوية الضيقة لدول كانت ولا تزال تظنّ ، بأن الأصولية مهما بلغت شراستها ، فهي أخفّ الأضرار؛ على الأقل لأنها تواصل تعطيل العقل وتخدير الوعي.

دعني أقول، مخطئ من يظن أن بالإمكان مواجهة الاستبداد والاستعمار والهيمنة من خلال تعطيل العقل ، إن قوى الهيمنة تدرك بالتجربة بأن كل شيء قابل للترويض )عدا (العقل.

الانفعالات مهما تغولت فإنها تقبل الترويض، الغضب مهما طغى فإنه يقبل الترويض، أما العقل، وحده العقل لا يقبل الترويض ، لذلك، أخشى ما تخشاه قوى الهيمنة ، هو أن يستعمل الناس عقولهم ، بلا حجر ولا وصاية.

لم ينجح الفقهاء والأصوليون في القضاء على الفكر الحر ، إلاّ لأن السلطات كانت ولا تزال تظنّ بأن غوغائية الفقهاء أهون من عقلانية المفكرين، وهذا الظن نراه خطأ كبيراً في التقدير، بل خطأ قاتلا، لا سيما في زمن أصبحت فيه الثيران الهائجة بوسعها أن تمتلك قدرات تدميرية غير مسبوقة.

قديما كان الأغبياء يموتون في الخفاء ، وبلا أثر يُذكر، اليوم أصبح الأغبياء ، يكلفون الدولة والمجتمع ثمنا باهظا ومدويا.

برأيكم ، لماذا أي “حراك” أو “ثورة” في العالم الاسلامي ، يتحول الى فتنة ؟

بالأحرى ، إننا كنا ولا نزال محشورين في الزاوية الضيقة بين الفتنة والاستبداد، لا نخرج من الاستبداد إلا لكي ندخل إلى الفتنة، ولا يخلصنا من الفتنة إلا الاستبداد، هكذا كان ولا يزال تاريخنا.

ثم جاء ما كان يسمى ب(الربيع العربي ) أخيراً ، لكي يؤكد  مرّة أخرى بأننا لم نغادر بعد تلك الزاوية الضيقة : إما الفتنة الحارقة أو الاستبداد الطاحن . تكمن المشكلة في طغيان الانفعالات السلبية أثناء الثورات ، انفعالات الغضب والحقد والثأر والغيرة.

قديما اعتبر أفلاطون، (أب ) الفلسفة السياسية ، بأن السياسة وظيفة النفس العاقلة ، بمعنى العقل . لم نفهم بعد بأن الثورة ، فعل سياسي يمارس بالعقل لا بالانفعالات. الفعل السياسي يعني بالتعريف البسيط : ( القدرة على توسيع دائرة الأصدقاء، وذلك بتقديم الضمانات والتطمينات بدل التركيز على التهديدات والتخويفات) .

لقد أثارت مآلات الثورات الأخيرة ، مخاوف عظيمة : مثلا ، مخاوف المرأة في تونس ، مخاوف الأقباط في مصر، مخاوف العلويين في سورية ، بل مخاوف كل الأقليات ، الطوائف ، المثقفين ، والفنانين.

لعل قوى الإسلام السياسي ، التي غابت عن لحظة اندلاع الثورات ، ثم التحقت بخلفية ابتلاعها، لم تحرص على تقديم الضمانات والتطمينات لغير الإدارة الأمريكية، متناسية أن العوامل الخارجية مهما بلغت قوّتها ، فإنها تبقى ثانوية بالمقارنة مع العوامل الداخلية . هذا درس ابتدائي من دروس الماركسية الكلاسيكية ، لكني أظنه درسا أساسيا.

 لقد مرّ التاريخ الاسلامي بفتن متعددة ، برأيكم كيف تم التوظيف السياسي لمفهوم الفتنة في التاريخ الاسلامي؟

بوسعي أن أستعرض عشرات الفتن على وجه السرعة : السقيفة، الردة، الجمل، الفتنة الكبرى، صفين، النهروان، كربلاء، ثم هنا وهناك وعلى مر التاريخ اقتتال مذهبي شبه يومي بين السنة والشيعة، وصولا إلى فتن اليوم في سورية والعراق وليبيا واليمن.

لربّما الأصح ، أن نعتبر تاريخنا تاريخ فتن كقطع الليل ، كما جاء في المتن الحديثي ، فتن لا تقطعها إلا فترات الاستبداد، والحال أن حجة الاستبداد ، كانت ولا تزال  دوما هي نفسها، درأ الفتنة ، لذلك كان الإبقاء على قدر من متحكم فيه من الفتنة ، يصب أيضا في مصلحة دوام الاستبداد ، وبهذا النحو كان الأمر ، ولا يزال متعلقا بحلقة مفرغة.

هل تعتبرون ، أن الاسلام هو فعلاً في مأزق ، وأنّ هناك محاولة لضربه من الداخل وتشويه روحه ومقاصده ، أم أن العقيدة الاسلامية كما قال بعض المستشرقين، تنتج ” التفجير” ، ” العنف ” ، و” العدوان ” ؟

)لا يجب أن ننسى ، بأن الإسلام في كل الأحوال لم يكن عقيدة (ابن حنبل ) و(ابن تيمية) وحسب، لكنه كان أيضا وفي المقابل عقيدة (ابن عربي) و(المعري) و(ابن رشد و(الخيام) إلخ.

هؤلاء لم يكونوا مسلمين بمحض الصدفة ، أو عن طريق الخطأ ، هذا يعني أن داخل الإسلام هناك ممكنات أخرى غير هذه البشاعة التي نراها اليوم . المشكلة ليست في الدين ذاته ، وإنما في التوظيف الإيديولوجي للدين في الصراع على السلطة ، وكذلك في الاستعمال السحري للدين ضد العلم والطب والمعرفة والتنمية.

هنا جوهر المسألة : نحتاج إلى إعادة الدين إلى الدين.

DfEfI4jZ

انطلاقاً من فكرة الغرب، لقد كان ابن رشد في الحقبة الأندلسيّة ، أكبر دليل على محاولة بعض العقلاء في الاسلام الى تحسين ظروف الانسان في الاسلام ، وذلك من خلال اعتماد نهج ابن رشد المعاكس للغزالي ، أي أن في الدنيا هناك الكثير من القضايا الواجب التوقف عندها ، وتطويرها من اجل تحسين ظروف الإنسان، كما ان تجربة النهضة الأوروبية ، استفادت من فكر ابن رشد، وعُرفت المرحلة الأندلسية بمرحلة (التسامح) ، حيث لم يكن الدين يقف ضدّ إرادة الإنسان في الحياة… برأيكم لماذا اعترض الفقهاء المسلمون على فكر ابن رشد وأسهموا في حرق كتبه واعتبروه كافراً ، وفتنة ؟

 يقدم ابن رشد لنا وللكثير من المستشرقين ، دليلا واضحا وصريحا على أن الإنسان بوسعه أن يكون عقلانيا ومسلما في نفس الآن . غير أن الوجه الآخر للمسألة (الرشدية) ، يكشف عن حجم الدور الذي لعبه الفقهاء في إجهاض العقلانية الإسلامية قبل ولادتها.

لقد تكالب فقهاء الأندلس أنفسهم على ابن رشد وكفروه ، ثم نفي عن الأندلس ، ليموت في مراكش ، قبل أن يُحمل جثمانه في مشهد رمزي مهيب ب(رفقة) كتبه عائداً إلى الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط.

منذ تلك اللحظة غاب ابن رشد عن العالمين العربي والإسلامي ، فانقطع ذكره وامحى أثره ، لمدّة سبعة قرون كاملة ، كان الأمر أكبر من مجرد إعدام له ولفكره ، ولولا انتقال فكره إلى أوروبا ، لكان قد سقط اسمه من تاريخ الفلسفة.

في الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط ، سيكون ابن رشد حاضرا من خلال ملحمة الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي الكبير “دانتي” ، رفقة سائر الفلاسفة اليونانيين ، ورفقة ابن سينا أيضا، جميعهم سيكونون في الدائرة الخارجية للجحيم، حيث انهم لن ينعموا بالنعيم بالفعل ، لكنهم لن يتعذبوا في المقابل، وفي هذا تقدير لا بأس به.

)لكن، في القرن السادس عشر سيدخل ابن رشد (رمزيا ) إلى أقدس مكان لدى المسيحيين (الفاتيكان) من خلال لوحة “مدرسة أثينا” التي رسمها الفنان الشهير(رفائيل بطلب من بابا الفاتيكان ، وهي لا تزال معلقة إلى اليوم داخل الفاتيكان.

عموما، سيكون لابن رشد تأثير كبير على تطور الفكر المسيحي الغربي، وذلك بعد أن تخلى عنه المسلمون بإيعاز من الفقهاء ، الذين استبدوا بالعقل المسلم، ولا يزالون مستبدين به إلى اليوم.

، أين تكمن أزمة الاسلام ، في الفقهاء ، أم في الافكار التي تشوه الإسلام وتضربه في جوهره ومبادئه 

من حيث المبدأ، وكما تبين حالة ابن رشد، فإنّ أزمة الإسلام هي أزمة العقل الفقهي في الإسلام، على أن (الفكر ) الوهابي ليس سوى عرض واحد من بين أعراض عديدة لنفس المرض : مرض العقل الفقهي ، الذي لا يزال يحمل مفاهيم عصر التوسعات الإمبراطورية، والتي لم تعد تناسب زمن الدولة الوطنية. وهنا جوهر الأزمة.

برأيكم لماذا لا يتم توضيح مسألة ان هذه الحركات الاسلامية، التي عرفت بالتاريخ الاسلامي وصولاً الى عصرنا الراهن، هي شكل  من المعارضة السياسية، بعضهم احتجوا على الفساد والظلم ، وآخرون فضلوا الاعتزال كالمتصوفون؟ هل لك شرح كيف ذلك؟

ما كان يسمى بالربيع العربي ، قد أثبت بأن الرهان على الحركة الإسلامية بقصد مواجهة الاستبداد المحلي، أو الامبريالية العالمية، كان رهانا مفلسا في الحساب الأخير. بل عندما ننظر إلى أحوالنا قبل ما يسمى بـ”الصحوة الدينية”، نجد أن حالنا زاد سوءا.

فبريق القضية الفلسطينية في زمن القوى الوطنية التاريخية الموصوفة ب(العلمانية ) كان أفضل، والحركات الطلابية، والنقابات، والجمعيات الثقافية، والفنون الجميلة، والسينما، والغناء، وحضور المرأة، والاحتفال، والفرح، كل هذا كان أفضل.

طبعا ليس من الإنصاف ، أن نحمل المسؤولية كاملة “للصحوة” لكن السؤال يبقى معقولاً : كيف نفسر تزامن هذا التدهور والانحطاط ، مع ظرفية يسمها الكثيرون بـ”الصحوة الدينية المباركة”؟ ! ألا يتعلق الأمر على الأقل بمفارقة ؟

أما عن المتصوفين ، فلا بد من التمييز بين التصوف النظري والنزعة الطرقية وهذه الأخيرة ، هي فعلا جزء من التدهور العام في الروح والحضارة والثقافة والعقل، غير أن التصوف النظري ، والذي تعرض للتنكيل من طرف السلطات والعوام على حد سواء ، لا يزال يقدم لنا إمكانيات هامة للمساهمة في الإصلاح الديني. ومثلا يمكننا أن نتعلم من التصوف النظري ، قيمة الحب /العشق في مواجهة قيم الخوف ، التي يراهن عليها الفقه ، والأصوليات الدينية المحافظة.

لو نظرنا إلى عمق القرآن الكريم، نرى أن هناك آيات تحث على التنظيم الاجتماعي ، منعاً لوقوع فساد أو ظلم في الارض – كما هو واضح في كل من الآيات التالية ( المائدة 33 والانفال 43\ 46\79  عمران 122\152)- 

السؤال هنا، اذا كان ثمة قراءة تقدم على ان الاسلام كعقيدة ، يتمثل في أنه (إيديولوجية تقوم على الفتنة والاقتتال ) ، في حين ان من أهداف القرآن كما ذكرت الآية الكريمة في (الحجرات 9 ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … ﴾ الى آخرالآية ، فبأي معنى نفهم هذا النوع من العقاب والاصلاح بالمفهوم الاسلامي؟ وهل باستطاعتنا ان نفهم هذه المعادلة على ضوء ما قول المتنبي” اذا استشفيت من داء بداء …  فاقتلُ ما اعلك ما شفاكا ”  بمعنى ما يأخذ بالعنف ياخذ به ، وطبعاً هذا ليس حلاً بل تأجيج للفتنة ، وهذا ما نراه يجري اليوم في واقعنا العربي …. كيف تقرؤون هذا الطرح ؟

كمدخل إلى الإجابة ، لابد من سؤال آخر، كيف نقرأ القرآن ؟ القراءة التاريخية ، التي هيمنت على تاريخ الإسلام ، تعتبر (القرآن ) نصا نستنبط منه الأحكام التشريعية. إذ تعتقد بأن أفعال الأمر الواردة في الخطاب القرآني ، هي أوامر موجهة لجميع المسلمين والمسلمات في كل زمان ومكان ، وهنا تكمن الخطيئة الأصلية للعقل الفقهي.

قناعتي أن أفعال الأمر الواردة في الخطاب القرآني لها مخاطبين ومأمورين (محددين) في الزمان والمكان والسياق التنزيلي للمسألة أو السؤال ، في المقابل علينا أن نستنبط من الخطاب القرآني القيم الوجدانية بدل الأحكام التشريعية ، القيم الوجدانية من قبيل ( الرحمة، الغفران، العفو عن الناس، وكظم الغيظ، إلخ ) … الأحكام التشريعية تخاطب مخاطبين معينين ،أما القيم الوجدانية ، فهي تخاطب الإنسان.

كيف يمكن الحديث عن (لاهوت ) إسلامي جديد، يحث على التقارب بين الفرق  والمذاهب الإسلامية ، وما هي مسؤولية المؤسسات الدينية في تحديد استراتيجية الاعتدال وإيقاف التناحر والطائفية في المنطقة العربية ، والعالم؟

لا يمكن بناء لاهوت إسلامي جديد ، بدون الخروج من اللاهوت الإسلامي القديم ، اللاهوت القديم انتهى إلى الغلقة اللاهوتية بلغة (جورج طرابيشي ) ، وهاشم صالح، انتهى إلى السياج الدوغمائي بلغة  (محمد أركون).

ولا أدل على ذلك ، أكثر من فتاوى ابن تيمية ، ذلك الشيخ الذي سيلقب في الأزمنة الحديثة ب(شيخ) الإسلام ، والذي ما سُئل عن فرقة أو طائفة أو مذهب أو تيار ، إلا وأشهر سيف التكفير، على طريقة “يستثاب وإلا يُقتل”.

أعتقد أن الرهان على المؤسسات  الدينية القائمة ، لم يعد مجديا ، فلابد من التعويل على قوى التنوير الديني ، والتي بدأت تتشكل مؤخرا على هامش المؤسسات الدينية ،في كل الأحوال، لا نؤمن بحتمية الانتصار، لكننا نؤمن بحتمية المعركة : معركة التنوير الديني، معركة تحديث الخطاب الديني في المساجد والمدارس والمجالس، معركة الإصلاح الديني.

لقد ساهم الإسلام السياسي في تعطيل معركة الإصلاح الديني ، بدعوى أن الدين لا يجب إصلاحه ، وإنما يجب فقط حمايته كما هو، وتطبيقه كما ورثناه عن أسلافنا، وفي غمرة الانشغال بالتطبيق، وادعاء في كل مرّة أن الخطأ في التطبيق، ضاعت ألف فرصة وفرصة للإصلاح الديني.

لقد سبق للسلفية الوطنية ، أن وضعت أولى بذور الإصلاح الديني ( محمد عبده، علال الفاسي، الطاهر بن عاشور…) الخ ، ثم سرعان ما جاء الإسلام السياسي ، لتبديد تلك البذور، بدعوى أن “الإسلام هو الحل”، وأن الحل من ثمة لا يحتاج إلى أي إصلاح ، وكانت تلك بمثابة خديعة كبرى ، ضيعت على شعوبنا فرصة إصلاح أمورها، فانتهى الأمر في آخر المطاف إلى هيمنة الخرافة بدل العلم ، والانفعالات السلبية بدل العقل، والغرائز البدائية بدل السلوك المدني.

التجدد : د. “سعيد ناشيد ” … شكرا جزيلا لك 

أ. سعيد : شكر لكم