aren

الأولوية : ” جنيف أم آستانة” \\ بقلم : ماجد حبو
الأربعاء - 28 - يونيو - 2017

الحرب ، هي استمرار للسياسة بإشكال أخرى .

يلاحظ المتابع للشأن السوري في مساره التفاوضي ( السياسي والعسكري ) ، أسبقية اجتماعات آستانة قبل أي إجتماع لجنيف ..!!

مسار جنيف التفاوضي

ساحة الحل السياسي المفترض بقوة الضغط الدولي \ الأممي ، وهي لم تشهد أي حضور سوري في نسختها الأولى , وأقتصرت على القرار (الدولي – الأممي ) ” تفاهمات جنيف 2012 ” .

ثم توسعت بحضور إقليمي الى ” تفاهمات فيينا ” ، لحين استحضار الأطراف السورية (سلطة – معارضة) بعد نزاعات على التمثيل والمشاركة والحضور ، مازالت قائمة حتى اليوم : سطوه الهيئة العليا للمفاوضات وحصرية تمثيلها ، مع حضور خجول لمنصات “موسكو والقاهرة ” وبصفة إستشارية , اضافة الى إستبعاد أطراف عدة : التمثيل الكردي – مجلس سورية الديمقراطية – وأيضا شخصيات وطنية ديمقراطية معروفة .

يعاب على مسار جنيف ، ومنذ اليوم الأول ، غياب الجدية المطلوبة ، والنية الحقيقية للأطراف المحلية ، الأقليمية ، والدولية والأعداد غير الجيد .

النظام السوري : مازال دون الجدية المطلوبة ، بأعتبار الحل العسكري ، هو صاحب الأولوية لديه في ظل غياب حقيقي للمشروع السياسي وشروطه المحلية ، الأقليمية ، والدولية .

المعارضة السياسية : ينطبق عليها ذات الأمر ، وتتجاوزه كونها لا تملك أية مرجعية وطنية أو سياسية شرعية ، سوى الدعم الاقليمي والدولي ” أصدقاء الشعب السوري” !!.

الدول الاقليمية : ما تزال أغلب هذه الدول ، تعتبر ” الاستثمار في الارهاب ” ، هي العملة الرابحة ” لديها , إضافة الى مركزية ” تغيير الأنظمه بالقوة ” في نهجها السياسي , مقابل المزيد من النفوذ الاقليمي من خلال المشاركة ، ودعم الخيار العسكري ، والاستفادة من إمتيازاته.

الموقف الدولي : حضرت الدولة الروسية سياسياً بشكل مبكر في الملف السوري عبر (الفيتو الروسي) وصولاً الى التدخل الجوي المباشر 2015 من مطار حميميم ، وأخيراً الحضور العسكري المباشر من خلال الشرطة العسكرية الروسية .

ودعمت روسيا ، الحل السياسي وفق تصورها الخاص كقوة عظمى مع الاحتفاظ بالحديث ، والاصرار المعلن عن : 1- شرعية التدخل العسكري ، 2- الالتزام بالقوانين الدولية ، التي لا تجيز التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة.

في مقابل ، الطرف الأمريكي الذي اكتفى ومن البداية ” بإدارة الأزمة ” ، وفق تصنيفه الخاص ” محاربة الأرهاب ” ، واعتبار الحرب السورية ” حرب أهلية ” بحسب التوصيف الأممي , واكتفت إدارة أوباما ” بنزع أظافر النظام من السلاح الكيميائي ” ، لصالح الكيان الاسرائيلي , في مقابل حضور عسكري أمريكي مباشر (عبر وسطاء ) في زمن إداره ترامب .

ولم تخرج دول الاتحاد الأوروبي عن السياق ذاته ، باستثناء موقف (فرنسا وبريطانيا ) السلبي المتشدد يقابله حياد إيجابي ل(الصين) ، وكذلك لدول “البريكس”.

لم تنجز جنيف أي إختراق سياسي واضح ، عدا تصورها الأولي ( إتفاق جنيف ذو النقاط الست ) بالاضافة الى تعاقب المبعوثين الأممين من كوفي عنان ، مروراً بالأخضر الأبراهيمي ، وصولاً الى ستيفان ديمستورا !!!

وبقيت الأزمة السورية في حالة عنف متصاعد ، بل وعصية على التوافق الاقليمي الدولي ، ولم ينجح الحل السياسي على الرغم من مطالبة الجميع به.

مسار آستانة التفاوضي

عقب الحضور العسكري الروسي المباشر بنهاية (2015 ) ومن قبله التحالف الدولي لمحاربة الارهاب ، برز واضحاً سطوة المسار العسكري وراهنيته ، كما كانت عليه الحال من بداية الأزمة السورية (2011) بين أطرافها المحلية .

لكنها اليوم ، بإمتداد دولي ومن قبله اقليمي , والقاسم المشترك لكل هذه الأطوار ، هو الدم السوري ،  والحروب بالوكالة عبر الأطراف المحلية (السوريين بمختلف توجهاتهم) .

مبكراً ، حضرت دول الخليج العربي ( قطر , السعودية والكويت .. ) من خلال المال السياسي والاعلام الموجه ، وتصدير الجهاديين , وكذا الأمر تركيا من خلال فتح الحدود لكل ” جهاديي العالم ” والدعم اللوجيستي والايديولوجي ، وصولاً الى التدخل العسكري المباشر ، وحضرت ايران من خلال حزب الله ، والحشد الشعبي مؤخراً .

مروراً بالفصائل الجهادية ، من المعسكر الطائفي الآخر ” سني – شيعي ” جيش الاسلام السعودي , النصره القطرية  , داعش المتعدده المصادر …. والقائمة طويلة ، جهاديو ( مصر \ مرسي , لبنان \ تيار المستقبل , تونس \ حركة النهضة , المغرب , القوقاز , الشيشان , الإيغور ، وكل متشددي وجهاديي أوروبا … ) وتحولت سورية ، الى مصرف صحي لإرهابيي العالم ، بتسميات وأهداف متفاوتة.

وبالاجهاض المبكر لطموح الشعب السوري في الحرية والعدالة والكرامة , بدأ المجتمع الدولي بالتعاطي مع الأزمة السورية من منظوري اللاجئين والارهاب المحلي الدولي , وتم تصنيف ” المجموعات المسلحة ” وفق ذلك : داعش وجبهة النصرة الارهابيين , مقابل ” المعارضة المسلحة المعتدلة ” بحسب الأجندات والأدوار ، والمهام المناطة بتلك المجموعات المسلحة.

جاءت آستانة ، إبتكاراً روسياً بمشاركة إقليمية (تركيا ، إيران ) ، ومن بعده الأردن ، مع حضور أمريكي ك ” مراقب ” خجول ومتواري خلف الأبواب , مهمته تنظيم النزاع العسكري الدولي والاقليمي والمحلي وفق الشروط الخاصة بهم ، دون أي إعتبار للسوريين وطموحاتهم .

على المستوى الوطني ، كان للنظام السوري السبق في السياق من خلال ما اصطلح عليه ” بالتسويات ” ذات الصفة العسكرية – الأمنية الخالصة ، وبالنظر الى المستوى العالي جداً للعنف في الأزمة السورية ، وتداخل الأطراف المحلية والأقليمية والدولية، جاءت الحاجة لوجود قواعد لتنظيم الاشتباك ، وحصر الحريق السوري في موطنه الأم ، وتنظيم وإدامة    ” الحرب ” ، ومواردها البشرية ، العسكرية ، ومردودها السياسي المأمول.

نجحت ” آستانة ” بالاضافة الى تصنيف المجموعات المسلحة ، وتنظيم شروط النزاع المسلح ، بإعطاء شرعية سياسية للأطراف الاقليمية والدولية الحاضرة في المشهد السوري ، وبأحقيتها في تقرير المسار العسكري ، وبالتالي الاستفادة السياسية له :

نجح الحلف ( السوري الروسي الأيراني ) في تحرير حلب , مقابل إحتلال تركي لمنطقة الباب السورية !!  تم ” تحرير الرقة ” امريكياً كردياً , مقابل التمدد العسكري للجيش السوري وحلفاءه خارج حدود سيطرته المسبقة .

وكذلك (التنف ) امريكياً ، مقابل عودة الحدود السورية – العراقية , وبالتالي تم تحديد ” مناطق النزاع ” وفق خطة ” تخفيف التوتر”.

“محاربة الارهاب ، ” هو العنوان الأساسي للتداخلات العسكرية الخارجية ، وفق ترجمات وأهداف متفاوتة هو ” عنوان آستانة ” ، وأتاحت ” مناطق تخفيف التوتر ” للجيش السوري ، الامكانية والشروط الموضوعية ، لترتيب الآداء العسكري ، وتكثيف الفعالية وفق تراتبية عسكرية – سياسية ، ذات أولويات لوجيستية  ، أعطت نتائجها المباشرة : محيط دمشق , تدمر , الحدود السورية – العراقية , محيط حمص ، والجبهة الجنوبية …

كما ، أدركت أغلب المجموعات المسلحة ” الجيش الحر ” ، المآل الطبيعي لوجودها المسلح ، وبدأت بالبحث عن ” شرعية سياسية لسلاحها ومحاربة الارهاب ” ، خصوصاً بعد تحرير حلب , وهو ما يتم في آستانة ، ببطء وتعثر بالتفاوض مع الطرف الحكومي ، وسط تناقضات إقليمية دولية ، متصارعة .

الحضور الدولي – الاقليمي في مسار آستانة ، منح الفرصة لتحقيق إختراقات عسكرية – سياسية في المسار التفاوضي ، من خلال نقل الأتفاقات العسكرية الى مستواها السياسي ك (قرارات دولية ) ، كما شهد إنتقال ” العسكري – آستانة ” وممثليها الى المستوى السياسي ” جنيف ” ، وليس العكس.

من المؤكد والثابت ، بأن الأزمة السورية ، هي أزمة سياسية وطنية ، ذات بعد ” إرهاب محلي واقليمي ودولي ” ، وبالتالي ، فالحل سياسياً حكماً

عناصر (الحل السوري ) في بعده الوطني ، الاقليمي والدولي :

الألتزام الدولي بالاتفاقيات والتفاهمات ، والقرارات الدولية الخاصة بالشأن السوري .

الدعوة الى مؤتمر وطني سوري عام ، وباشراف المجتمع الدولي ، يمنح الشرعية السياسية والوطنية للأطراف السورية في المفاوضات السياسية المباشرة ، والقيام بدورها الوطني في تحقيق الانتقال السياسي نحو نظام سياسي ديمقراطي وتشاركي ، وفق القرارات الدولية ، والأحتياجات الوطنية الأساسية للشعب السوري والمتمثلة في :

وحده الأراضي السورية.

تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود كشأن سوري صرف.

محاربه الارهاب بكل أشكاله.

يمكن القول بجرأة لحينه : ان الفراغات الفاصلة في التوافق السياسي (جنيف ) ، تملأ اليوم من خلال تفكيك عناصر النزاع العسكري (آستانة ) ، وذلك الى حين إكتمال لوحة الحل السياسي الناجز والمستدام , والتوازن الفارق اليوم في المساريين ، هو ما يشكل حالة الخطر.

والانزلاقات المحتملة في الحل السوري ، هي : لا إنتصارات عسكرية باهرة , ولا تفاهمات سياسية دون ذراع عسكري – أقله – في مواجهة الارهاب الضارب في المقتلة السورية .

عضو الأمانة العامة للمؤتمر الوطني الديمقراطي السوري

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها