aren

الأميركيون.. و«التهديد الجيوسياسي» الأكبر \\ كتابة : توماس فريدمان
الثلاثاء - 16 - يوليو - 2019

 

عند اقتراب نهاية المناظرة الرئاسية «الديمقراطية» السابقة، وجّه المذيع «تشاك تود» للمرشحين ما وصفه بأنه «سؤال بسيط»، وسألهم: في كلمة واحدة ما هو أكبر تهديد «جيوسياسي» أمام أميركا في الوقت الراهن؟

وعند التفكير في هذه اللحظة، سألت نفسي ماذا كنت سأقول؟ ولم يستغرق الأمر طويلاً قبل أن أقرر. فلم تكن الصين أو روسيا أو إيران. فأكبر تهديد جيوسياسي يواجهنا هو أنفسنا! ، فالصين وروسيا وإيران، وحتى «الرجل الصاروخ الصغير» في كوريا الشمالية، لن يتمكنوا من تدميرنا. ونحن فقط من يمكن أن ندمر أنفسنا.

ونحن فقط من يستطيع ضمان عدم تحقق الحلم الأميركي.. ذلك الوعد الأساسي الذي قطعناه على أنفسنا بأن كل جيل سيكون في وضع أفضل من سابقه، إذا أخفقنا في التكيف مع هذا العصر، الذي يشهد تغييرات سريعة في التكنولوجيا والأسواق والتغير المناخي ومكان العمل والتعليم.

ومن شبه المؤكد حدوث ذلك إذا لم نتوقف عن التعامل مع السياسة الأميركية مثل تعاملنا مع قطاع الترفيه، وإذا لم ننتخب رئيساً يُرسخ دعائم الحقيقة والثقة، وإذا لم نمنع اليسار المتطرف من جرّ الحزب «الديمقراطي» إلى شفا جرف يوشك أن ينهار بسبب أفكار متهوّرة، مثل محو الفرق الجنائي بين من يدخلون أميركا بصورة قانونية ومن يدخلونها بطريقة غير شرعية، وإذا أخفقنا في تشكيل ما وصفه المحلل السياسي «ديفيد روثكوف» في مقال حديث نشرته «ديلي بيست» بـ«الأغلبية الأميركية الجديدة».

تلك الأغلبية لا يمكن أن تفوز فحسب في الانتخابات المقبلة، ولكن تستطيع في الحقيقة أن تحكم في صبيحة اليوم التالي، وتمكننا فعلاً من القيام بالأمور الصعبة المهمة، لأن لدينا أموراً كثيرة مهمة وصعبة لا بد من التعامل معها، ولا يمكن القيام بالتكيفات الصعبة المهمة إلا سويّة.

هل يبدو ذلك سذاجة؟

كلا، ليس سذاجة، وإنما السذاجة هي أن نتصور أننا سنكون على ما يرام لو أننا واصلنا تجاهل التحديات الكبرى التي تواجهنا، وإذا واصلنا المناورة وتركنا حزباً يحكم وآخر يعارض وما سيسفر عنه ذلك من عدم القيام بأية تغييرات كبيرة طويلة الأمد ومستنيرة.

وفي الحقيقة، تذكرني هذه المرحلة بشيء قاله كولونيل البحرية المتقاعد «مارك ميكلبي» في كتاب شاركت في تأليفه عام 2011 مع «مايكل مانديلبوم» بعنوان: «هذا ما اعتدنا أن نكون عليه: كيف تخلفت أميركا في عالم اخترعته وكيف يمكن أن نعود؟»: «لم نواجه في أية مرحلة من تاريخنا تحديات وطنية طويلة الأمد بهذا التعقيد، كالتحديات التي نواجهها اليوم».

لكنه ذكر أن أبرز ملامح السياسة الأميركية كانت عجزنا عن «الرد بفاعلية وتناسق مع المشكلات الواضحة قبل أن تتحول إلى أزمات»، مضيفاً: «إذا كنا نعجز عن مجرد إجراء حوار راشد، فكيف سننجز وعدنا والتزامنا في ديباجة دستورنا بأن (نحافظ على نعمة حريتنا لنا ولأبنائنا؟».

وفيما يلي قليل فقط من التحديات التي تواجهنا:

أولاً: إذا تم انتخاب ترامب لفترة رئاسية مكونة من 4 سنوات أخرى، فسنخسر على الأرجح أية فرصة للحفاظ على ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية بمعدل 1.5 درجة مئوية بدلاً من 2 درجة مئوية. ويعتقد العلماء أنه إذا ارتفعت درجة حرارة الأرض بمعدل درجتين مئويتين، فلن نتمكن من إدارة تقلبات الطقس الشديدة الناجمة عن التغير المناخي والتي لم يعد من الممكن تفاديها.

ثانياً: في ظل غياب المساواة في الدخل، وتباطؤ نمو الدخل الحقيقي لمعظم أفراد الشعب الأميركي منذ عقود، وتضاعف ثروات القلة الأغنياء، من الممكن أن يزداد الأمر سوءاً، ما لم تتم معالجة ذلك. ومثلما أدى الغضب بشأن انعدام المساواة إلى وصول ترامب إلى البيت الأبيض، من الممكن أن يؤدي إلى انتخاب شخص أسوأ في المستقبل.

ثالثاً: ستعيد السنوات الأربع المقبلة تحديد العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، الولايات المتحدة والصين. وإما أن تتمكن واشنطن من إقناع بكين بالتخلي عن ممارساتها التجارية التي تبنتها للنهوض من الفقر إلى الطبقة المتوسطة ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، أو أننا سنمضي صوب عالم يقسمه سور برلين رقمي جديد!

وأخيراً: تُعمق التكنولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي والأدوات السيبرانية بدرجة شديدة في حياتنا وخصوصيتنا وسياساتنا، ومن ثم تتيح أدوات ديمقراطية لـ«التزييف العميق»، بدرجة تُمكّن كثيراً من الناس من تقويض الحقائق والثقة. لكن الفجوة بين سرعة تعميق التكنولوجيا، وقدرة سياستنا على وضع القواعد والمبادئ والقوانين لتحكم هذه التكنولوجيا، تزداد اتساعاً وليس ضيقاً. ولا بد من سد هذه الفجوة للحفاظ على ديمقراطيتنا.

ومن حسن الحظ أن انتخابات التجديد النصفي أظهرت احتمال وجود غالبية أميركية جديدة تتشكل لمواجهة تلك التحديات. وعلى أية حال، كان الناخبون المستقلون والنساء في ضواحي المدن و«الجمهوريون» المعتدلون هم من حولوا أصواتهم لصالح «الديمقراطيين»، لأنهم سئموا أكاذيب الحزب «الجمهوري»، ومن ثم مكّنوا «الديمقراطيين» من استعادة مجلس النواب. وهذه الأغلبية الجديدة يمكنها أيضاً حمل رئيس «ديمقراطي» إلى البيت الأبيض.

“الاتحاد” الظبيانية