aren

الأزمة الخليجية وتداعياتها \\ بقلم : توفيق المديني
الجمعة - 14 - يوليو - 2017

التجدد : “دراسة” في جذور وتداعيات الازمة الناشئة (حاليا) في الخليج بين ( السعودية الامارات البحرين ، ومصر ) من جهة ، وامارة قطر من جهة أخرى، أعدها وكتبها الدكتور ” توفيق المديني ” واختص بها موقع “التجدد الاخباري”.

: ننشرها هنا على جزأين

\ الجزء الأول \

الأزمة الخليجية وتداعياتها

بقلم : توفيق المديني

الأزمة الخليجية التي تفجرت مؤخرًا ، نشأت بعد نهاية قمّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي ، في 21 مايو/ أيار 2017، والتي تبدو ظاهريا وكأنها«معركة» حول مسؤولية الدولة التي ترعى الإرهاب، إذ أشارت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وحلفاؤهما بالإصبع إلى قطر، وذلك على خلفية اتهامهما لهذه الدولة الخليجية بدعم الإرهابيين وعدوتهم اللدودة إيران.

الأمر الذي تنفيه الحكومة في الدوحة، فقدأُثير نزاع بين الدول الخليجية وقطر بسبب بيان مزعوم من أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، نُشر على موقع وكالة الأنباء القطرية الرسمية في الرابع والعشرين من أيَّار/مايو 2017.

وفي هذا البيان تم وصف عدوة السعودية اللدودة إيران كقوة عظمى من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة، بالإضافة إلى وصف علاقات قطر مع إسرائيل على أنَّها جيِّدة وحركة حماس المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين على أنَّها الممثِّل الشرعي للشعب الفلسطيني.

ومن جانبها أوضحت قطر أنَّ هذا البيان لم يكن حقيقيًا وأنَّ وكالة الأنباء القطرية قد وقعت ضحيةً لهجوم قراصنة الإنترنت.

ولكن في هذه الأثناء كانت وسائل الإعلام السعودية والإماراتية قد أطلقت حملةً إعلاميةً حادة اللهجة ضدَّ قطر، تعرَّضت فيها قطر لهجوم واسع النطاق بسبب هذه المواقف التي تتعارض بوضوح مع مواقف المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتَّحدة.

ولكن على الرغم من التأكيدات القطرية بأنَّ هذا كان مجرَّد هجوم من القراصنة، بيد أنَّ المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتَّحدة استمرتا في تصعيد هجماتهما ضدَّ دولة قطر. واصلت الدولتان الخليجيتان هذه الحملة الإعلامية وتم حجب بعض وسائل الإعلام القطرية (وخاصة قناة الجزيرة) لديهما.

الأزمة الحالية ليست الأولى بين دول خليجية وقطر ، حيث شهدت العلاقات بين قطر وكل من السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ، أزمة عقب إطاحة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، الذي كان وليا للعهد بوالده الشيخ خليفة بن حمد ، أثناء وجوده للاصطياف خارج بلاده في 1995 بمباركة من الولايات المتحدة ، التي اشترطت موافقتها على الانقلاب ، إقامة قطر علاقات دبلوماسية مع إسرائيل .

وهو ما تم بفتح مكتب اتصال إسرائيلي في الدوحة على غرار مكتب الاتصال الإسرائيلي في عهد الرئيس التونسي بن علي ، وقد اتخذت الدول الخمس الأخرى في مجلس التعاون الخليجي ، موقفا معاديا لانقلاب الشيخ حمد على والده إلى حد أن ملك السعودية حينذاك (فهد) بن عبد العزيز ، قد تعهد ليس بإعادة الشيخ خليفة إلى الحكم في الدوحة ، بل “قتل الابن العاق”.

وموقف دول مجلس التعاون الخليجي ، تجاه انقلاب ولي عهد قطر ، استند إلى الاتفاقية الأمنية لدول المجلس ، والتي تنص على عدم تغيير أنظمة الحكم في هذه الدول خارج الطريق الشرعي المتبع في هذه الدول، وتبعا لذلك قامت كل من السعودية ودولة الإمارات بتنظيم تدخل مسلح في قطر ، لإعادة الشيخ خليفة انطلاقا من معسكر أقيم قرب الحدود بين الإمارات وقطر .

غير أن المحاولة باءت بالفشل ، وعلى إثر ذلك لم يجد أمير قطر الجديد من وسيلة دفاع عن حكمه ، الذي يفتقر إلى قوات عسكرية وأمنية تواجه قوات الدول الخليجية المحيطة به ، سوى اللجوء إلى الإعلام ، فكانت قناة “الجزيرة” .

التي رفعت من منسوب الخطاب التحريضي لنشر الحريات الديمقراطية في المنطقة وخاصة في منطقة الخليج ، حيث أطلق العنان للجزيرة في إدارة النقاش السجالي ، وعُهد إليها بممارسة الشغب لأجل إلزام السعودية وباقي أمارات الخليج في الدخول في مساومة مع الحكم الجديد في قطر ، أسفر عن تنازل هذه الدول ، وموافقتها على وقف دعمها لأمير قطر المخلوع ، مقابل وقف حملات التحريض ، الإعلامية القطرية (1 )

من يقرأ التصريحات والبيانات التي أشعلت الأزمة، والتي خرجت من الإمارات والسعودية، يكتشف بسهولة أن المسألة تضرب بجذورها في التاريخ والجغرافيا وصراع الأدوار الإقليمية.

ويظل المثير في الأزمة، وإنْ لم يكن مفاجئاً، هو حجم الدور الإماراتي في التخطيط لها، وإشعالها، وتغذيتها بشكلٍ يعكس الرغبة في استمرارها، وذلك عبر استراتيجيات ، ورهانات كثيرة معقدة.

فقد تفجر الخلاف بين  قطر والإمارات العربية المتَّحدة بالفعل منذ عام 2011، وذلك عندما بدأت دولة قطر بدعم جماعة ” الإخوان المسلمين” ، التي كانت في تلك الفترة تحاول الوصول إلى السلطة في كل من تونس و مصر و المغرب وليبيا ، من خلال الانتخابات.

في حين أنَّ كلاً من قادة دولة الإمارات العربية المتَّحدة وكذلك المملكة العربية السعودية ، كانوا ينظرون إلى الإخوان المسلمين على أنَّهم يمثِّلون تهديدًا وجوديًا لحكمهم ، وكذلك كان يخشى الطرفان من حدوث تقارب بين مثل هذه الدول (وعلى رأسها مصر) وبين إيران.

وبعد إسقاط الرئيس المصري محمد مرسي في شهر تمُّوز/يوليو 2013، والذي تم الترحيب به كثيرًا من قِبَل الدولتين الخليجيتين (السعودية والإمارات)، تعرَّضت قطر لضغوط متزايدة بهدف وقف دعمها الإعلامي والمالي والمادي للجماعات الإسلامية.

وعندما لم تستجب قطر لهذه المطالبات بما فيه الكفاية من وجهة نظر المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتَّحدة، وصل الأمر أخيرًا في عام 2014 إلى أزمة دبلوماسية، بلغت ذروتها في سحب كلّ من السعودية والإمارات ومملكة البحرين الصغيرة سفراءها من قطر (2 ) .

تعزيز مسار العلاقات الأميركية – السعودية وإنهاء الدور الإقليمي القطري

لا يمكن لنا أن نحدد بدقة معالم الأزمة الخليجية ن إلا من خلال فهم ” الشراكة الاستراتيجيّة”  بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة السعودية المستمرّة منذ أكثر من 85 عاماً ، والتي عادت إلى مسارها الصحيح والطبيعيّ في عهد الرئيس دونالد ترمب ، بعد تعثّرها لسنواتٍ عدّة، في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

وقد أعادت تصويب هذا المسار بشكلٍ واضح نتائجُ الزيارة الأخيرة التي قام بها (وليّ) وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان، والتي أظهرت تغييراً حقيقيّاً في المواقف الأميركيّة إلى حدّ التوافق إيجابيّاً مع سياسة حلفائها في المنطقة، وإبراز أهمّية خطّة الإصلاح الاقتصاديّة والاجتماعيّة الطموحة، وتحفيز الشركات الأميركيّة الكبرى لتأسيس صناعات في المجالات الوارِدة في “رؤية المملكة 2030”.

مع تأكيد دعم الرئيس ترمب لتطوير برنامج أميركيّ – سعوديّ بقيمة 240 مليار دولار عبر استثمارات مباشرة في خلال أربع سنوات قادمة، وتخلق مليون فرصة عمل للأميركيين .

لقد بدأت العلاقات المميّزة بين البلدَين في إطار “شراكة استراتيجيّة” في العام 1931، وشملت الأمن والسياسة والمال والاقتصاد، وكلّ نواحي الحياة الإنسانية والثقافية بمختلف وجوهها، وتوِّجت بسلسلة إنجازات حقّقت مصالح إقليمية ودولية وبشكلٍ متفاوِت، فضلاً عن حركة استثمارية وتجارية بلغت مئات المليارات من الدولارات.

لكنّ هذه الشراكة تعرّضت في السنوات الأخيرة من عهد أوباما إلى حالة من القلق وعدم طمأنينة، من الجانب السعودي، مع فقدان جزء كبير من الثقة، بسبب مواقف الإدارة الأميركية السابقة، من الاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الست مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتحسن العلاقات الأميركية-الإيرانية في عهد إدارة أوباما، وموقف هذه الأخيرة من الأزمة السورية.

وشكلت زيارة وليّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان الرجل القوي في المملكة السعودية، إلى واشنطن مع بداية هذا العام ،وزيارة  الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرياض في الشهر الماضي، منعرجًا جديدًا في عودة الثقة بين السعودية و أميركا، تصويبًا لمسار “الشراكة الاستراتيجيّة” بينهما نحو تحقيق أهدافهما المُشترَكة، لا سيما بعد أن أخذ ترامب الجزية من السعودية بنحو 500 مليار دولار ،  فضلاً عن الاستثمارات السعودية القائمة حاليّاً في الولايات المتّحدة، والي تقدّر بنحو 750 مليار دولار.

إضافة إلى أن السعودية تملك سندات خزينة أميركية بقيمة 117 مليار دولار، وهي تُسهم بذلك في مساعدة حكومة واشنطن على سدّ عجزها الماليّ، مع الإشارة إلى أنّ الرئيس ترمب ، ورث أعباءً مالية واقتصادية ثقيلة تتجلّى بعجزٍ كبيرٍ في موازنة الدولة ، ومديونية تتجاوز 20000 مليار دولار، وركود اقتصاديّ ، وارتفاع في معدّل البطالة، وتهديد بفقدان الأميركيّين نحو 3.5 مليون وظيفة (3)

والحال هذه ، وفي ضوء هذه الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي للرياض، انفجرت الأزمة بين المملكة السعودية والإمارات و دولة قطر، من جراء العوامل الرئيسة التالية:

1-إن قطر تلكّأت عن دفع حصتها من المبلغ ، الذي اتفقت عليه مع كل من المملكة السعودية ودولة الإمارات المتحدة على دفعه للولايات المتحدة ، والذي قدر بنحو 1500 مليار دولار ، كثمن  لتأمين الحماية الأمنية و العسكرية الأميركية لدول مجلس التعاون الخليجي .

2-إن الأمير محمد بن سلمان البالغ من العمر 31 عاما ، يعمل لتعزيز مكانته في هرم السلطة السعودية . فالرجل الثالث لا يفلت فرصة من أجل الظهور على أنه الرجل القوي في السعودية ويطمح بقوة لخلافة والده الملك سلمان بن عبد العزيز مباشرة، ومن هذا المنظور ، يتضح أن الأزمة مع قطر ، هي أيضا تمخض للصراعات حول السلطة داخلة العائلة المالكة السعودية.

            فالأمير محمد بن سلمان ، لن يقبل من الآن فصاعدًا بعد أن عزز علاقاته مع الإدارة الأميركية الجديدة بزعامة دونالد ترمب ، أي دور إقليمي مستقل لدولة قطر، ولهذا اتجه نحو تحجيم مركز الرجل القوي في قطر الأمير تميم بن حمد ، الذي أصبح في نظر السعوديين متمردًا على السياسة السعودية.

ويدعم الأمير محمد بن سلمان في هذا التوجه ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد ، الذي يعتبر الحاكم الفعلي لدولة الإمارات المتحدة  ، ويدير سياستها الداخلية والخارجية منذ حوالي عقد ، ويسعى إلى أن تصبح الإمارات لاعباً إقليمياً نافذاً، بانتهاج دبلوماسية جريئة وصاخبة غير معهودة على هذه الدولة الصغيرة.

التي كانت واحةً للهدوء السياسي عقوداً، وذلك في قطيعةٍ تامة مع إرث مؤسس الدولة، الشيخ زايد بن خليفة، الذي كان يتبع الدبلوماسية الهادئة في بناء دولته منذ السبعينيات وحتى وفاته عام 2004 ، وهي الاستراتيجية نفسها ، التي استمرت بعض الوقت مع تولي ابنه الأكبر، خليفة بن زايد، قبل أن يتم تهميش الأخير لمرضه .

ويتمتع ولي عهد أبو ظبي بعلاقات مميزة جدا مع ترمب، الذي يعتمد بدوره بشكل كبيرعلى رأي عراب الثورات المضادة في كل ما يخص المنطقة العربية ، واتضح الدور الإماراتي في المنطقة بشكل كبير بعد ثورات “الربيع العربي”، انطلاقاً من أمرين:

أولهما ، حالة الفزع والرعب التي أصابت أبو ظبي، مثلما أصابت جيرانها السلطويين، من إمكانية انتقال عدوى التغيير إليها، وبالتالي إطاحة الثوابت التي عاشت عليها الدولة منذ نشأتها، خصوصاً مع وجود معارضة شبه منظمة، تمثلت في حركة الإصلاح المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين.

وثانيهما ،انهيار معادلة التوازن الإقليمي القديمة التي كانت تجمع محور “الاعتدال” ، بحسب الصيغة الأميركية، والذي ضم إلى جانب أبو ظبي كلا من الرياض والقاهرة وعمّان، وذلك في مواجهة ما كان يسمى محور الممانعة الذي كان يضم سورية وإيران وبعض الفاعلين ما دون الدولة، مثل (حزب الله) اللبناني و(حركة حماس) الفلسطينية.

3-كشفت صحيفة “ذا تايمز” البريطانية ، أنّ المملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني  يجريان محادثات لإقامة علاقات اقتصادية، مشيرة إلى أنّ ذلك أحد الأسباب وراء الحملة على قطر.

وقالت الصحيفة، يوم السبت بتاريخ 17 حزيران \ يونيو 2017، إنّ إمكانية توثيق العلاقات مع إسرائيل تفسّر، بشكل جزئي، أسباب فرض السعودية وحلفائها حصارًا شاملاًعلى قطر، في محاولة لإجبار الدولة الخليجية على إسقاط دعمها لحركة “حماس” ، ووصفت الصحيفة المحادثات السعودية الإسرائيلية ، بأنّها “خطوة دراماتيكية تضع الدولة اليهودية على طريق العلاقات الطبيعية، مع معقل الإسلام السني، وحارس المدن الإسلامية المقدسة”.

4-وزاد من قلق أبو ظبي ، تبنّي الدوحة الثورات العربية، ودعمها إعلامياً من خلال قناة الجزيرة التي كانت منصّة للمتظاهرين والثوار العرب ، سواء نظرنا إلى تونس أو ليبيا أو مصر أو اليمن : في كل دولة ينعم أنصار الأنظمة السلطوية بدعم مالي وعسكري قويين من الإمارات للقضاء على أي بوادر للتغيير.

وهو ما يضعها في تضارب مصالح حاد مع قطر، التي تدعم عموما تغيير الأنظمة، خاصة إذا كان ذلك في صالح الإخوان المسلمين( 4 ) .

وجاءت التهم التي وجهتها المملكة السعودية والبحرين والإمارات ومصر لقطر ضمن هذه الرؤية ، ولاسيما :”احتضان قطر جماعات إرهابية وطائفية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة، ومنها (الإخوان المسلمون) و(داعش) و(القاعدة)، والترويج لأدبيات ومخططات هذه الجماعات عبر وسائل إعلامها في شكل دائم”.

أما الاتهام الثاني ، فهو “دعم نشاطات” الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف من المملكة، وفي البحرين الشقيقة”. إلى جانب “تمويل وتبني وإيواء المتطرفين الذين يسعون إلى ضرب استقرار ووحدة الوطن في الداخل والخارج، واستخدام وسائل الإعلام التي تسعى إلى تأجيج الفتنة داخلياً” و

“ودعم ومساندة “ميليشيات الحوثي الانقلابية ، حتى بعد إعلان تحالف دعم الشرعية في اليمن” ، وشن “حملات وعمليات إرهابية مدعومة ضد البحرين ” .

لا شك أن دولة قطر استثمرت كثيرا في الإرهاب، إذ أنفقت ما يعادل 3 مليارات دولار لتقديم الدعم للحركات الإرهابية و التكفيرية في سوريا ، على غرار ( فتح الشام ) ، الذراع السابق للقاعدة في سوريا.

 لكن أن يلقي السعوديون عليها باللوم بالوقوف وراء دعم الإرهاب ، أمر مثير للسخرية، فمنذ 60 عاما على الأقل والسعودية تمثل أكبر مصدر للإرهاب في العالم ،عبر نشر الأيديولوجيا الوهابية المتطرفة ،وساهمت في زعزعة استقرار العديد من مناطق تواجد المسلمين في مختلف القارات، بما في ذلك أوروبا الغربية.

هناك ملاحظة أساسية لم يعد بالإمكان إسقاطها ، وهي أن قائمة الاتهامات التي تواجهها قطر التي تتذوق اليوم طعم بعض ما سببته تدخلاتها في ليبيا ومصر وتونس وفي سوريا التي تحولت الى خراب ودمار، وهي أن المسؤولية اليوم تُحمّل لقطر دون غيرها في ظهور وانتشار “الدواعش”.

وهذا خطأ رهيب ومجانبة للصواب، والتأكيد على ذلك ليس دفاعا عن قطر ، التي انزلقت في أتون لعبة أكبر من حجمها، وهي لعبة خطيرة تدفع ثمنها، والأكيد أن في تحميل الدوحة كل المسؤولية يمنح صك البراءة لمن كان سببا في زرع بذرة “القاعدة” وما تفرع عنه من تنظيمات إرهابية وبينها تنظيم “داعش” الذي يهدد الجميع.

ويسقط بالتالي تصريحات وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلينتون ، التي اعترفت في تسجيلات وهي لا تزال على رأس الخارجية الامريكية بأن “داعش” نتاج تنظيم “القاعدة” الذي زرعته الاستخبارات الامريكية في افغانستان ، والذي تغلغل في العراق بعد الاجتياح الأميركي لهذا البلد وسقوط النظام العراقي (5) .

والحال هذه ، دعا الرئيس الأميركي ، دونالد ترمب ، قطر لوقف تمويل الإرهاب ، محاكياً تصريحات المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر التي اتهمت فيها الدوحة بدعم الإرهاب ، وقطعت بناءً عليها العلاقات مع قطر.

وقال ترمب إنه ساعد هذه الدول على اتخاذ قرار قطع العلاقات مع قطر خلال زيارته للسعودية الشهر الماضي ،وأضاف : ” قطر لديها تاريخ بتمويل الإرهاب على مستوى عال جداً، وفي أعقاب ذلك المؤتمر (قمة الرياض التي استضافتها السعودية) ، اجتمعت الأمم وتحدثت معي حول مواجهة قطر بشأن سلوكياتها، لذلك كان علينا اتخاذ قرار. هل نأخذ الطريق السهل أم نأخذ في النهاية إجراءً صعباً ، ولكن ضرورياً ؟ علينا أن نوقف تمويل الإرهاب”.

وتابع ترمب : “قررت، إلى جانب وزير الخارجية ريكس تيلرسون، وجنرالاتنا العظماء والعسكريين، أنه حان الوقت لمطالبة قطر بإنهاء تمويلهم، عليهم إنهاء ذلك التمويل ، وأيديولوجيتها المتطرفة فيما يتعلق بالتمويل” واستطرد قائلا : ” أريد أن أدعو جميع الدول إلى التوقف فوراً عن دعم الإرهاب ووقف تعليم الناس قتل الآخرين ووقف ملء عقولهم بالكراهية والتعصب. أنا لن اسم بلدان أخرى.. نحن لا نحل المشكلة، ولكننا سنحل هذه المشكلة. ليس لدينا خيار.. نطلب من قطر والدول الأخرى في المنطقة أن تفعل المزيد وتفعل ذلك بشكل أسرع” (6) .

وقطعت السعودية والبحرين والإمارات ومصر ، علاقاتها الديبلوماسية مع قطر في أخطر أزمة دبلوماسية في المنطقة منذ سنوات، وحذت دول أخرى حذوها في وقت لاحق، وهي  حكومة الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، والحكومة الليبية المؤقتة بقيادة عبد الله الثني، والمالديف وموريشوس وجزر القمر، ويشمل ذلك وقف الحركة البحرية والبرية والجوية مع الدوحة ، وقد خفضت جيبوتي والسنغال والأردن والنيجر ، تمثيلها الدبلوماسي مع قطر

وأوقفت الدول الأربع كل الرحلات من وإلى قطر ، وسحبت السفراء من الدوحة ، وطلبت من الديبلوماسيين القطريين مغادرة أراضيها ، وتتهم الرياض وحلفاؤها قطر ب”دعم الإرهاب” وخدمة مصالح عدوتهم اللدودة إيران، وهي اتهامات نفتها الدوحة بشدة، وترى السعودية وحلفاؤها أن على قطر تغيير سياستها والالتزام بأمن واستقرار منطقة الخليج ، حيث شدد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير على ان قطر “دولة شقيقة” ، وأن الإجراءات العقابية اتخذت ضدها لوقف دعمها للتطرف الإسلامي.

وأضاف ” يجب أن نكون قادرين على أن تقول لصديقك أو شقيقك متى يفعل الخطأ ومتى يفعل الصواب” ، وتواصل الامارات ضغوطها على قطر، متهمة إياها بلعب ” دور المروج الرئيسي للتطرف والإرهاب في المنطقة “.

وفي الواقع ، فإن قطر، والمملكة العربية السعودية ومعظم دول الخليج ، تعتمد سياسات مرتبطة بالسياسات الإمبريالية الأميركية ، وتحرص على الدفاع عن الأمن والاستقرار في المنطقة ، ضمن ما تقتضيه مصلحة السياسة الأميركية على رغم انحيازها الكامل لإسرائيل.

ويوجد من بين هذه الكتلة العربية المرتبطة بالغرب، من يركز على أمن الخليج العربي لدواعي استراتيجية تتعلق بأمن الطاقة كقطر، ومناهضة الدور الإقليمي الإيراني الفاعل كالمملكة السعودية ، بسبب الموقف الإيراني من القضايا العربية الساخنة من فلسطين إلى لبنان والعراق.

ودعمت كل هذه القوى من المملكة السعودية والإمارات و قطر وتركيا ، كل الحركات الإرهابية والتكفيرية التي تقاتل في سوريا من أجل إسقاط الدولة الوطنية فيها.

وفي هذا الدور الداعم لحركة الإخوان المسلمين تاريخيا ، والإرهاب ، والحركات الإرهابية والتكفيرية، ليس هناك أي اختلاف بين المملكة السعودية والإمارات وقطر، سوى بتبادل الأدوار التاريخية ، فحسب .

تبادل الأدوار في دعم حركة الإخوان المسلمين والإرهاب في المنطقة

في ظل الصدام بين الأنظمة القومية العربية وتنظيمات الإخوان المسلمين ، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، انتقل الآلاف من كوادر الإخوان المسلمين ، الذين تعرّضوا للاضطهاد في مصر أو سوريا ، وفي الجزائر أو في العراق ، للإقامة في دول الخليج ، خصوصاً في العربيّة السعودية.

ونشأ تحالف رسمي بين تنظيمات الإخوان المسلمين والأنظمة الخليجية، وعلى رأسها النظام السعودي ،في تلك الحقبة، حيث كان الهدف المركزي ، يتمثل في محاربة الحركة القوميّة العربية ، لا سيما تلك التي قادها الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر، كما في محاربة القوى اليسارية.

تاريخياً ، اختارت الولايات المتحدة الأميركية منذ فترة طويلة مهادنة الإسلام بصيغته الفقهية الأصولية الوهابيّة ، لا سيما بعد تأسيس المملكة العربية السعودية سنة 1926 على أن تكون الأيديولوجيا الوهابية ، هي الحصن الأيديولوجي في مواجهة المدّ الشيوعيّ السوفياتي ، والمدّ القومي العربي الوحدويّ ، بشقيه الناصري والبعثيّ ، ودول عدم الانحياز إبّان الحرب الباردة ، ومحور المقاومة بقيادة حزب الله وسوريا بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية.

وتبلور هذا التوجه سياسياً عبر تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي في مواجهة جامعة الدول العربية (صنيعة بريطانيا آنذاك تعويضاً عن التقسيم السايس- بيكوي 1916).

ثم تمّ توسّل الإسلام السياسي بصيغته التعبويّة الأصولية على شكل تجنيد مجاهدين عرب وباكستانيين وأفغان ، لخوض حربٍ جهاديّة ممثّلة بتنظيم القاعدة ضد الغزاة السوفيات الكفار، بتغطيةٍ رسميّة عربية وغربية.

إلى جانب هذا المسار، كان ثمة مساران آخران توسلا الإسلام السياسيّ :

الأوّل وظّف محلياً ، بوجهيه الإخوانيّ والسلفي الجهادي، من قبل الدول الخليجية المحافظة الوكيلة للاستعمار الأميركي الجديد ، لمجرّد زعزعة استقرار بعض النظم الجمهورية المحليّة ، التي كانت محسوبة على المدّ الليبرالي أو القومي.

أمّا المسار الثاني ، فقد تمّ توظيف الإسلام جيواستراتيجيّاً، بعد قيام الثورة الايرانية (1979) ، بوصفها حدثاً تاريخياً تَغْيِيرِياً مُهِماً في عموم العالم الإسلامي ، دافعاً نضالياً سياسياً قوّياً للحركات الجهادية الإسلامية  في فلسطين، ولبنان ، وعموم العالم العربي.

لكي تبلور مشروعها الجهادي من خلال التركيز على أن الإسلام ، هو المفجر لطاقات الأمة والمحرك لها، وأن الكفاح المسلح ، هو طريق تحرير فلسطين.

فالثورة الإيرانية ، التي أسقطت أهم قلعة من قلاع الإمبريالية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط ، وهي إيران الشاه ، كانت ثورة شعبية عميقة  تضاهي في حدثها و مدلولاتها الثورات الكبرى ، التي حصلت في القرن العشرين ، ولاسيما الثورتين (الروسية والصينية) .

في تلك الفترة التاريخية ، كانت هناك ظروف صعبة فرضت على الاتحاد السوفياتي السابق أن يدخل أفغانستان  في 27 ديسمبر/كانون أول 1979 ، حين سعت الولايات المتحدة الأميركية إلى نقل المعركة الدينية إلى داخل الاتحاد السوفياتي ، الأمر الذي جعل هذا الأخير يوجه الضربة عبر نقل المعركة الاشتراكية إلى داخل مجموعة دول إسلامية متخلفة ، مثل باكستان وأفغانستان في عهد السبعينيات من القرن الماضي  .

في صبيحة 23أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1983 ، تلقت قوات المارينز الأميركية ، وجنود المظليين الفرنسيين ، ضربة موجعة ، من خلال تفجير مقريهما في بيروت ، وسقوط ثلاثمئة قتيل ونيف ، من جراء هذا الهجوم على قوات الحلف الأطلسي (256 من جنود المارينز الأميركيين ، و58 من جنود المظليين الفرنسيين).

وقد شكل ذلك الهجوم من جانب المقاومة اللبنانية ، المدعومة من قبل إيران وسوريا ، صدمة كبيرة للغرب ،لأنه أظهر مدى التزام إيران بنهج المقاومة ضد ” الشيطان الأكبر” الأميركي ، في هذه الأثناء كان الاتحاد السوفياتي” امبراطورية الشر” في نظر الرئيس الأميركي الراحل (رونالد ) ريغان ، يواجه في أفغانستان مقاومة متشكلة من أحزاب المجاهدين .

وقتئذ، سادت في واشنطن فكرة ترمي إلى أن تدفع موسكو غاليا ، ثمن تدخلها في أفغانستان ، وفي الوقت عينه توجيه الراديكالية الإسلامية ضد  الشيوعية .

واقتضت الخطة الأميركية ، تشجيع راديكالية إسلامية (سنية) تدعي تطبيقاً تاماً للشريعة الإسلامية وتتحاشى  الحديث عن أي نوع من ” ثورة إسلامية”.

و كان في ذلك مصلحة أكيدة للمملكة العربية السعودية ، الراغبة في تدعيم شرعيتها الإسلامية المحافظة و التقليدية في مواجهة راديكالية الثوة الإسلامية الإيرانية .

أما الدوائر الباكستانية ، فكانت تبيت(وماتزال ) نيات أكثر طموحاً ، تقضي بلعب الورقة الإسلامية “السنية” من أجل السيطرة على أفغانستان و تحقيق اختراق في اتجاه آسيا الوسطى.

لقد خطط للعملية ، كل من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ، ورئيس جهاز المخابرات السعودية آنذاك(الأمير تركي بن فيصل) ، وجهاز المخابرات الباكستاني ، علماً أن هذا الأخير ، هو الوحيد الذي أبدى استعداداً ل”التورط”.

فوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي ايه ) ، التي كوتها الحروب السرية في (فيتنام) و(لاوس ) ، لم تكن ترغب بتكليف أي من عملائها على الأرض مباشرة.

أما بالنسبة للسعوديين ، فقد تعودوا تلزيم أشغالهم إلى الآخرين ، سواء في مسائل الدفاع الوطني أو في قيادة سياراتهم ال( رولزرويس) ، فعهد بالمهمة إذا إلى الإخوان المسلمين العرب ، وإلى حزب ” الجماعة الإسلامية” الباكستاني، الذي تحدر منه العديد ، وهكذا ، وابتداء من أواخر سنة 1984، انطلق ألوف من المجاهدين الإسلاميين من الأكثر حماسة في الشرق الأوسط في اتجاه أفغانستان .

وقد نسق عملية تجنيدهم أحد الأثرياء السعودييين هو السيد (أسامة ) بن لادن، كما تعهد  الاهتمام بهم “مكتب الخدمات” في بيشاور(الباكتسانية )، وهي هيئة يديرها السيد عبد الله (عزام) ، أحد الإخوان المسلمين الأردنيين ، الفلسطيني الأصل ، والذي اغتيل في ظروف غامضة في سبتمبر\ ايلول 1989.

هؤلاء المتطوعون ، الذين باتوا يعرفون ب”الأفغان” ، هم بشكل عام معارضون ، جاؤوا من رحم حركات الإخوان المسلمين من كل أنحاء الشرق الأوسط ، وشمال إفريقيا.

أسهمت استراتيجية الحرب الباردة العالمية ، التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأميركية إلى إشعال فتيل الأزمات الإقليمية في العديد من بلدان العالم الثالث ، ولعل أبرزها الأزمة الأفغانية ، التي تعتبر بحق من إفرزات هذه الحرب الباردة ومخلفاتها.

والحق ، أن الحرب الباردة أسهمت بقسطها في هذه الأزمة الأفغانية ، لا سيما عندما شجعت الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة : المملكة السعودية ، قطر، والحركات الإسلامية الأصولية على محاربة الغزو السوفياتي لأفغانستان في حقبة الحرب الباردة ، وقدمت لها كل الدعم المالي والعسكري في إشاعة تلك الأنماط من الإرهاب ذي الاستقلال الذاتي ، الذي تكلل بولادة حركة “طالبان” ،وتنظيم “القاعدة” الإرهابي.

كاتب وباحث تونسي

الهوامش :

(1)- مختص في العلاقات الأميركية –العربية ، يكشف ل”بوان تي آن-LE POINT TN ” كواليس الأزمة في منطقة  الخليج العربي و انعكاساتها على مستقبل الإقليم.

(2)-ماتياس زايلَر، محاولة عزل قطر:هل تتعافى المنطقة العربية من عدوى ترامب ؟ ترجمة : رائد الباش،  حقوق النشر ، موقع قنطرة 15 حزيران / يونيو 2017 ،ar.Qantara

(3)- عدنان كريمة ، تصويب مسار “الشراكة الاستراتيجيّة” بين الرياض وواشنطن، صحيفة أفق ، نشرة شهرية تصدر عن مؤسسة الفكر العربي، العدد الثامن و الستون 1 آيار/ مايو 2017.

(4)-خليل العناني، الاستراتيجية الإماراتية في الخليج ، صحيفة العربي الجديد ، 12 حزيران/ يونيو 2017.

(5)-آسيا العتروس، تحليل إخباري…وماذا عن المسؤولية عن ظهور” داعش” الارهابي ؟ سيناريوهات : الأزمة الخليجية بين تناقضات التصريحات الأمريكية، صحيفة الصباح التونسية ، الأحد 11 حزيران/يونيو2017

 (6)- المصدر: (CNN)9حزيران/يونيو 2017